من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
القاضي العدل أبو القاسم عمر بن الحسن بن أحمد بن الباسيسي
الصفحة ١ من ٢
جمال الإسلام
من أهل الغَراف.
شيخ فاضل متميز، عاقل متعزز.
كان المظفر بن حماد يثق غليه ويعتمد في أشغاله عليه، إذ رآه ثقة وعدلاً، حوى أدباً وفضلاً. وكان في كنفه في البز يتعيش ويعيش، ويبري سهام رياشه ويريش.
هل ضَفا إلا رِداءٌ يُوّشِّي رِيٌّ ورُوَاءٌ ما يُنشِد ويُنشي.
في آخر عهد المقتفي لأمر الله نُكِب، وفاجأه أمر أمَرُّ صعب مر،
ما ظن ولا حسب، وأخذت منه خمس مئة دينار مصادرة، وكانت قصصه عن غصصه إلى العرض الأشرف واردة صادرة، حتى يئس وانحدر، وأقام بواسط يذم القاسط.
وبدأني بالمكاتبة نظماً ونثراً وعمل فيِّ شعراً، يبغي التعارف بيننا، فأجبت عن شعره بمثله، ثم حضر فحاورته، فكان غصن حواره حلو الجنى.
ومما أنشاه وحبره ووشاه، كلماتٌ منثورة، عكسها منظوم، وهي: (الأيام تنزع، ما فيها المرء يجمع. آثامٌ مجموعها، دارٌ الضر منفوعها. أصنامٌ أربابها، حتى عز ثوابها. إجرامٌ مكسوبها، لكن عم مسلوبها. إظلامٌ صباحها، دنيا قل فلاحها، أغتامٌ قوامها، لما نيل حطامها).
ومقلوبها نظماً:
حُطامُها نِيلَ لَمّاقُوَامُها أَغتامُ
فلاحُها قَلَّ دنياصَباحُها إِظلامُ
مسلوبُها عَمَّ لكنْمكسوبُها إِجرامُ
ثوابُها عزًّ حتَىأَربابُها أَصنامُ
منفوعُها الضُّرُّ دارٌمجموعُها آثامُ
يجمِّعُ المرءُ فيهاما تَنزِعُ الأَيّامُ
فعملت ارتجالاً في فنها، وما يكاد ينظم إلا تكلفاً، ويجد الخاطر فيه تعسفاً، وهي أيضاً تقرأ مقلوباً:
(بالأوطار لهيت، لكن نفسك ألهيت. النار فيها ألهبت، إذْ شهوتها طلبت. بالأعذار قدمت، لما ذنبك قدمت. الدار هذي عمرت، حتى عمرك هدمت. غدارٌ بالفتى الدهر، ويقصر العمر. مثتارٌ جناهما، مستعار كلاهما. إصدارٌ إيرادها، دنيا قل ودادها. إضرارٌ طِباعها، ضاريات سباعها. إنكار عرفانها، جائرات جيرانها. إبدار نقصانها، عندي الربح خسرانها. غرار غيريها، مستقل كثيرها. أطوارٌ أوطارها، دائرات أدوارها، أغمارٌ ناسها، فاعلم البأس لباسها. الأبصار والقلوب ذهل، البصائر غفل. الأسفار طالت، ومنها السفر توالت. للأنذار حذارِ، صعب فالأمر بدار العار أنفِ، والثراء أفن، والثناء أقن. الدينار أنفق، وأحسن ولهاك فرق. الأنصار ما لي، فما لي أكثر مالي؟ مختار لي الشكر، وخير عندي الذكر. الأقدار تنتج، ما عني الهم يفرج).
ومقلوبها نظماً:
أَلْهَيْتَ نفسَك لكنْلَهِيتَ بالأوطارْ
طلَبْت شهوتَها إِذْأَلْهَبْتَ فيها النّارْ
قدَّمْت ذَنبَك لمّاقَدَّمْتَ بالأَعذارْ
هَدَمْتَ عمرَك حتّىعَمَرْتَ هذي الدّارْ
العمرُ يقصُرُ والدَّهْرُ بالفتى غَدّارْ
كِلاهُما مستعارٌجَناهُما مُشْتارْ
وِدادُها قَلَّ دنياإيرادُها إصدارْ
سِباعُها ضارياتٌطِباعُها إِضرارْ
جاراتُها جائراتٌعِرفانُها إِنكارْ
خُسرانُها الرِّبْحُ عندينُقصانُها إِبدارْ
كثيرُها مُسْتَقَلٌّغَرِيرُها غَرّارْ
لِباسُها البأَسُ فاعلَمْفناسُها أَغمارْ
غُفْلُ البصائرِ ذُهْلُ القلوبِ والأَبصارْ
توالتِ السَّفْرُ منهاوطالتِ الأسفارْ
بَدارِ فالأمرُ صعبٌحَذارِ للإنذارْ
اقْنِ الثَّناءَِ وَأفْنِ الثَّراءَ وانْفِ العارْ
فَرِّقْ لُهاك وَأحسِنْوَأنفِقِ الدِّينارْ
ما لي أُكثِّرُ ما ليوما ليَ الأنصارْ
الذِّكرُ عنديَ خيرٌوالشُّكْر لي مختارْ
يفرِّجُ الهمَّ عنديما تُنْتِجُ الأَقدارْ
وكتب إليَّ ب "واسط"، وأنا مشرف كالنائب في أعمال الوزير (عون الدين، بن هبيرة)، يستزيدني في معنى أدراره. فكتبت جوابه، وسمعت في تعجيل أدراره.
والذي كتب:
يدُلُّ على جودِ الفتى وسَدادِهمحافظةُ الأَضْرابِ في القُرب والبُعدِ
فإِن هو أمسى والياً زاد وُدُّهولا خيرَ في والٍ يَحِيدُ عن الوُدِّ
لعَمْرُك إِنَّ العلمَ والفضلَ نِسْبَةٌمؤكَدةٌ توْفِي على نَسَب الجّدِ
يُميتُ الفتى الفعلُ القبيحُ وإِنْ غدايجرِّرْ أذيالَ الحياةِ إلى الوُجْدِ
وما كنتُ أدري والحوادثُ جَمَّةٌبأَنَّ عماد الدِّينِ ذا الجودِ والمجدِ
يقصِّرُ في شيء أكونُ شفيعَهإليه فدَعْ حالاً أخَصُّ بها وحدي
وفي ذاك لو أعطى البَصيرةَ رَبُّهاغَضاضةُ ذِكرٍ للمُنيل الَّذي يُسْدي
إذا ما أبى الإِنفاذَ نائبُ صاحبٍلمرسومه استدعى المَذَمَّةَ للمجدِ
فجودُ الوزيرِ الأَرْيَحِيِّ إذا همىعدَلْتُ به فيضَ الفُراتِ إلى المْدِّ
مَليكٌ حوى علماً وحِلماً ونائلاًوتقوى وإحساناً يزيدُ على العَدِّ
له الشَّرَفُ المَحْضُ الَّذي طالَ سَمْكُهوسُؤدُدُه يُنبي عن الحسب العِدِّ
توالت أَيادي الجِسامُ برِفْدهِإذا قصَّرَ الأقوامُ للبُخل عن رِفْدِ
حلا عِرضُهُ من كلّ ذامٍ وعائبٍكما قد خلا من كلّ شِبْهٍ ومن نِدِّ
متى صلَدَتْ زَنْدٌ عن القَدْح في نَدىفما زندُه عن شَحَّة القَدْحِ بالصَّلْدِ
تفرَّدَ بالإحسانِ فَهْوَ وَحِيدُهولم يُحرزِ الإِحمادَ غيرُ فتىً فَرْدِ
لقد ذلَّلَتْ مُستصعَبَ المالِ كفُّهُلسائله فالمال في هيأة العبدِ
وما هو بالمُكْدِي على طالبِ اللُهاإِذا سُئِل المعروفَ أَنْعَبَ بالكَدِّ
يرى أَنَّ فعلَ الخيرِ ضربةُ لازمعليه وما عن فعل ذلك من بُدِّ
ترحَّلْتُ عن بغدادَ أَشكُرُ فضلَهوإحسانَه شكراً يَزِيدُ على الحَدِّ
سأشكُره شكراً يفوحُ ثناؤهفتَلْحَظُه يُوفِي على المسك والنَّدِّ
تَلافَ عمادَ الدِّينِ إصلاحَ ما مضىولاتَكُ ممّن لا يُعِيدُ ولا يُبْدي
فبيتُك معروفٌ وفعلُك صالحٌوعِرضُك موفورٌ عن الذَّمّ بالحمدِ
فكتبت جوابها إليه ارتجالاً، فأنفذته إليه:
أُعيذُك يا ذا الفضلِ ممّا يَشِينُهُوذا المجدِ ممَا لا يَليقُ بذي المجدِ
تُفَرِّدُنِي بالعتب دونَ عِصابةٍتَفَرَّدُ عنّي بالإِجابةِ والرَّدِّ
ومن نائباتِ الدَّهرِ أَنِّيَ نائبٌوما لي يدٌ في حَلِّ أمر ولا عَقْدِ
إذا لم يكن يوماً لَدَى البأسِ لي يَدٌفلا حَمَلَتْ كَفّي لمَكْرُمةٍ زَنْدي
وإِن لم أكن أَقضي حقوقَ ذوي النُّهَىفمن ذا الَّذي يَقْضي حقوقَهُمُ بعدي
ولو أَنَّني أُعطِيتُ سُؤْلي من العلىلكنتُ لمِا أُخفيهِ من سرّها أُبدي
ولست بما فيه أنا اليومَ قانعاًولكنْ من العلياء أغدو على وعدِ
بواسِطَ مُكْثي لانتظارِ مَواعدٍلها ولِيومٍ يمكُثُ السَّيْفُ في الغِمدِ
سأَعْزِمُ عزمَ الماجدينَ برِحلةأُصَوِّبُ فيها نحوَ مَنْقَبَةٍ قصدي
وما فضَلَ الهِنْدِيُّ إِثراً وقيمةًحدودَ الظُّبى حتّى تناءت عن الهِندِ
وما أنصفَ العلياءَ مَنْ خَصَّ أهلهَابذمّ وهم أهلُ الثَّنا وذَوُو الحمدِ
أولي الفضلِ باسِيسِيُّكُمْ خصَّ بأسهعتاباً بمن يرجوه في الوُدّ للرِّفْدِ
فأَهْدُوا له عنّي عِتاباً لَعلَّهعلى حادثات الدَّهرِ يُعْتِب أو يُعْدِي
أنارت مساعيهِ المنيرةُ فاغتدىلها كلُّ مَنْ يَبْغي السَّعادةَ يستهدي
أَمُستفرِغاً في عَتْب مثليَ جَهْدَهوفي شكره ما زِلتُ مُستفرِغاً جَهْدِي
تجرَّعْتُ كأسَ العتب مُرّاً وإِنّمالِوْدِّك عندي كان أحلى من الشُّهْدِ
وإِنّ اعتدادي بالوِداد لَصادقٌلَدَيْك فلِمْ كذَّبْتَ آمالَ مُعْتَدِّ
أَفي العدل أَنَّ الوصلَ يَحْظَى به العِداوبالعَذْل أَحْظَى والعلاقةُ بي وحدي
أيا عُمَرُ المعمورُ قلبي بوُدّهأتَهدِمُ بُنْياناً عَمَرْتُ من الوُدِّ
تأَمَّلْ حسابي ثمَّ عُدَّ فضائليفمجموعُها يُنْبيك عن حَسَبي العِدِّ
لقد كسَدَتْ سُوقُ الفضائلِ كلِّهاوللْهَزْلُ أحظى في الزَّمان من الجِدِّ
ولستُ أرى إلا كريماً يَفِرُّ منلئيمٍ وحُرّاً يشتكي الضَّيْمَ من عبدِ
وما لي سِوَى ظلِّ الوزيرِ ورأيِهِمَلاذٌ ومأمولٌ على القرب والبُعدِ
قد ابْيَضَّ حظّي في ذَراهُ وإِنَّنيمُسَوَّدُ مَجدٍ حظُّه غيرُ مُسْوَدِّ
وبي حَصَرٌ عن حَصْرِ أَنواءِ بِرِّهوما تدخُلُ الأَنواءُ في الحصر والعَدِّ
وإِنعامُه عندي عن الحدّ زائدٌوشكري له شكرٌ يَزيدُ عن الحدِّ
وأنشدني لنفسه، بغدادَ سنة إحدى وخمسين وخمس مئة:
إنَّ دائي في رض بغدادَ مُذْ أَشْفيتُ فيها لم أَلْقَ مَنْ يُشْفِيني
ولو أنّي يَمَّمْتُ عالِجَ أو يَبْرِينَ وافى مُعالِجٌ يُبريني
وأنشدني لنفسه، في اللغز وهي الخِلالة:
ما ذاتُ رأسَيْنِ أُنثىبغيرِ فَرْجٍ صغيرَهْ
رَشيقةٌ قد بَراها الباري فجاءت قصيرَهْ
تُلازِمُ الخِدْرَ إلافي وَجْبَةٍ للعشيرَهْ
فتنثني بعدَ أَسْرٍعلى الثَّنايا مُغيرَهْ
ما لامستْ كفَّ فحلٍإِلا ورُدَّت كَسِيرَهْ
فاكشِفْ غِطاها فليستعلى الذَّكْيّ عَسِيرَهْ
وأنشدني أيضاً لنفسه، في اللُغْز، وهو الرمح:
يا أخا الفضلِ والبلاغةِ والمُظْهِر سِرَّ العلومِ بعدَ احتجابِ
أيُّ شيءٍ نشا من الخَطّ والعامِلُ فيه مقصِّرٌ في الحساب
وَهْوَ في الكُتْب لا يزالُ ولا تَلْحَظهُ مَعْ مُصَنَّفٍ وكِتابِ
نازحٌ عن مَواطنِ الوحشِ والثَّعْلَبُ فيه مجاورٌ للعُقابِ
وَأصَمّ إِذا مدحت وهذيصفةٌ فاكشِفَنْه لي عن صوابِ
وبيانٌ أُرِيدُهُ لك فيهعَسَلٌ غيرُ نافعٍ مستطابِ
وتَراهُ مع الملوك وفي المَوْصِلِ يبدو إِليك من كلّ بابِ
قال: إنما خصصت المَوْصِلَ تعميةً وإلا ففي كلّ بلد يكون وأيضاً فإنَّ الرِّماح مع العرب في الشَّرْق، ولا تخلو المَوْصِل منهم.
وأنشدني لنفسه أيضاً لُغْزاً في الجرادة وهو:
وطائرةٍ من الشَّجَرِتُرَى في البَدْوِ والحَضَرِ
لها ذَكَرٌ وتفضُلُهوليس البِنتُ كالذَّكَر
إِذا ما رِجلُها انقطعتأتت رِجلٌ على الأَثَرِ
وإنْ وَرَدَتْ إلى بلدفما للوِرْدِ من صَدَرِ
وَأدَّى به التَّظَلُّم المُفْرِط، والتَّأَلُّم المُسْخِط، إلى أن تَجَنَّى عليه ابن البَلَدِيّ، فاختلق له جُرماً، واعتقله ظلماً، فمات في حبسه، وذلك في سنة اثنتين وستين وخمس مئة، أو ثلاث.
علماء البصرة وأفاضلها وأدباؤها وأماثلها
الحريري صاحب المقامات
أبو محمد القاسم بن علي بن محمد بن عثمان، الحريري، من أهل البصرة.
سار فضله في الآفاق، بين المقيمين والرفاق، وطلعت ذكاء ذكائه في المغرب والمشرق، وامتلأت ببضائع فوائده ونواصع فرائده حقائب المشئم والمُعْرِق.
وشي بلاغة الحريري ذهبي الطِراز سَحْبانِيُّ الإِعجاز، قُسِّيُّ الإِسهاب والإِيجاز. ومتى قدَرَ قُسٌّ على ترصيع كَلِمهِ وتوشيع حِكمَهِ؟ حريريُّ الوَشْي، عِراقيّ الوَشْم، لُؤلُئِيّ النَّظْم. كلامه يتيمةُ
البحر، وتميمة النحر، ودرة الصدف، ودري السدف، وطراز الفضل، وعلم العلم.
قد أعجز الفصحاء بصناعته، وأبر على البلغاء ببراعته، وبلغ السَّماء ببلاغته، وأوجد حلي الزمان العاطل بجودة صياغته.
وقد اشتهرت له المقامات شرقاً وغرباً، وبعداً وقرباً فما نحتاج إلى إيراد شيء منها، ونستغني بغيرها من الغرر عنها.
ولم يزل الحريري صاحب الخبر بالبصرة، في ديوان الخليفة ووجدت هذا المنصب لأولاده إلى آخر العهد المقتفوي.
وله رسائل معجبة وأكلام غريب، كالضرب ما له من ضريب.
وقد لقيت بالبصرة، سنة ست وخمسين وخمس مئة، من بنيه: زين الإسلام، أبا العباس، محمداً، وسمعت عليه من المقامات الخمسين أربعين مقامة، وقطعني المرض عن إتمامها ولم أطق إقامة.
وكانت ولادته في سنة ست وأربعين وأربع مئة، ووفاته سنة ست عشرة وخمس مئة.
وكان مسكنه بالبصرة في محلة بني حرام، وبيت عمله المشان.
وسمعت المقامات على ابن الحكيم عن الحريري.
وسنورد من فقره ونعقد سلك درره، ونثبت ما لم يشتمل عليه مصنفه، ونبرز من جوهره ما لم يحوه صدفه.
وأورد أيضاً من المقامات نكتاً غريرة، وفقراً عجيبة.
فمن ذلك، قوله:
وقلتُ للائمي أَقصِرْ فإِنّيسأختارُ المَقامَ على المُقامِ
وأُنفِقْ ما جَمَعْتُ بأرض جَمْعوَأسْلُو بالحَطِيمِ عن الحُطامِ
وأنشدني الماندائي القاضي بواسط قول الحريري، في لزوم ما لا يلزم، وهو في المقامات، قال: أنشدنا لنفسه، وكان يروي عنه:
أَخْمِدْ بحِلمك ما يُذكيهِ ذو سَفَهٍمن نار غيظِك واصفَحْ إِنْ جَنَى جانِي
فالحِلمُ أفضلُ ما ازدانَ اللبيبُ بهوالأخذُ بالعفو أحلى ما جَنَى جانِي
وأنشدني أيضاً قوله:
بُنَيَّ استقِمْ فالعودُ تَنمي عروقُهقويماً ويغَشاهُ إذا ما الْتَوَى التَّوَى
ولا تُطِعِ الحِرصَ المُذِلَّ وكن فتىإِذا الْتَهَبَتْ أَحشاؤه بالطَّوى طَوَى
وعاصِ الهوى المُرْدِي فكم من محلِّقإِلى النّجم لمّا أَنْ أطاعَ الهَوى هَوَى
وَأسعِفْ ذوي القُربى فيقبُحُ أن يُرَىعلى مَنْ إلى الحُرّ اللُباب انضوى ضَوَى
وحافِظْ على من لا يخونُ إِذا نَبازمانٌ ومَنْ يَرْعى إذا ما النَّوى نَوَى
وإِن تقتدرْ فاصفَحْ فلا خيرَ في امرِئذا اعتلقت أظفارُه بالشَّوَى شَوَى
وإِيّاك والشَّكوى فلم يُرَ ذو نُهَىشكا بل أخو الجهلِ الَّذي ما ارعوى عَوَى
ومن شعر الحريريّ قوله في المقامات:
ولمّا تعامى الدَّهرُ وَهْوَ أبو الورىعن الرُّشد في إنحائه ومَقاصِدهْ
تعاميتُ حتّى قيل إِنّي أخو عمىولا غُرْوَ أن يحذو الفتى حَذْوَ والِدهْ
وكتب إلى بغداد على يد بعض أولاده، إلى أنو شَرْوانَ الوزير، ابن خالد:
ألا ليتَ شِعري والتَّمنّي تَعِلَّةٌوإن كان فيه راحةٌ لأَخي الكَرْبِ
أَتدرونَ أنّي مُذْ تناءت دِيارُكموشَطَّ اقترابي من جَنابكم الرَّحْبِ
أُكابِدُ شوقاً ما يزالُ أُوارُهيقلّبُني بالليل جنباً على جنبِ
وأسكُبُ للبَيْن المُشِتِّ مدامعاًكأَنَّ عَزالِيها امْتَرَيْنَ من السُّحْبِ
وأذكُرُ أيّامَ التَّلاقي فأنثنيلتَذْكارها بادِي الأَسَى طائرَ اللُبُّ
ولي حَنَّةٌ في كلّ وقتٍ إِليكمُولا حَنَّةَ الصَّادي إلى البارد العَذْبِ
فواللهِ إِنّي لو كتَمْت هواكمْلمَا كان مكتوماً بشرقٍ ولا غربِ
وممّا شجا قلبي المُعَنَّى وشَفَّهرِضاكم بإِهمال الإِجابة عن كتبي
على أَنَني راضٍ بما ترتضونهوأفخَرُ بالإِعتاب منكم وبالعَتْبِ
ولمّا سرى الوفدُ العِراقِيُّ نحوَكموَأعْوَزَني المَسْرَى إِليكم من الرَّكْبِ
جعلتُ كتابي نائباً عن ضَرورةومَنْ لم يجِدْ ماءً تَيَّمَم بالتُّرْبِ
ونفَّذتُ أيضاً بَضْعةً من جوارحيلينبئكم عن شرح حالي ويَسْتَنْبِي
وقلتُ له عندَ الوَداعِ وقلبُهشَجٍٍ وأبوه الشّيخُ منكسرُ القلبِ
ألا ابشِرْ بما تَحْظَى به حين تجتليمُحَيّا سديدِ الحضرةِ الأوحدِ النَّدْبِ
ولستُ أَرى إِذْكارَكم بعدَ خُبْرِكُمبمَكْرُمَة حَسْبي اهتزازُكُمُ حَسْبي
"وكان أنشدني (أبو طراد، عنان، بن أحمد، بن محمد) عن (أبي العباس) عن أبيه، ثم سمعنا من (أبي العباس) "، وأنشدنا (أبو العباس، محمد) ولده لوالده صاحب "المقامات":
ومخطف الخصر، للألباب مختطفتهفو الحلوم، لما فيه من الهيف
ما جال للطرف لمح من ملامحتهإلا كسا من حلاه أملح الطرف
ولا رأى غُصنّه الميّاسَ ذو شَرَفإلا وظلَّ من البلوى على شَرَفِ
كم من أخي خَطَرٍ أمسى على خَطَرمن حبّه وانطوى منه على دَنَفِ
أعتَدُّ عِرفانَه أَسنَى العَتادِ كماأرى حفاوَتَه بي أفضلَ التُّحَفِ
فلست أنسى تلاقينا بخَيْف مِنىًوقولَه لي بذاك الخَيْف لا تَخَفِ
وحِلفَه بالصَّفا إِنّ الضَّمير صفاوإِنّه لي إِلى حينِ الوفاة وَفِي
وقد توسَّمْت سِيما الصّدقِ فيه فإِنْيُخْلِفْ ظُنوني فكم في النّاس من خَلَفِ
ونشدت له قصيدة في وصف سعد الملك وزير السلطان
محمد بن ملك شاه، رحمهم الله تعالى وهي ذات تجنيس.
طَيْف أَلَمَّ به وَهنْأ فأحياهُلمَا حَباه برَؤياه ورَيّاهُ
سرى إليه يُسَرِّي الهَمَّ عنه فماأَسَرَّهُ عندَ مَسْراه وأسراهُ
أَعَجِبْ به كيف وافَى غيرَ محتشِمٍومَنْ هداه وَأهداه وهدّاهُ
من بعدِ ما كان عَنَّى المُسْتَهامَ بهحتّى استهلَّتْ لمِا عاناه عيناهُ
ظبيٌّ له مُرُّ إِدلالٍ يقبِّحْهُوإِنّما الحسنُ جَلاه وحَلاهُ
أزورُه وَهْوَ مُزوَرٌّ وأَنصَحُهويستريبُ وأغشاهُ وأخشاهُ
في كلّ يومٍ له إِضرامُ مَلْحَمةيَصْلَى بها مَنْ تولاه ومالاهُ
حُسامُه حين يسطو لَحْظُ مُقْلَتِهِلكنّ صارِمَه جَفْناه جَفْناهُ
وزُجُّه يومَ يبدو الطَّعن مُسْتَعِراًأَزَجُّهُ وقَناه فيه أَقناهُ
يرعى القلوبَ ولا يرعى لِعاشقهولو أَلَبَّ بمغَنْاه وَأغناهُ
وقَلَّما لاحظَ المعشوق عهد هَوىًوإِنْ أخو الوجدِ واتاه وآتاهُ
وعُذَّلٍ فيه لي لو أَنَّهُم نظَرُواوكيف زانَ اللَمى فيه لمَا فاهوا
فقلت لا تَعْذُ لوا فيمن تغضُّبُهيُردي المحبَّ ولو حَيّاهْ أَحيْاهُ
لو حاوَرَ الفَطِنَ النِّحْريرَ حارَ لهولاحَ للصّخر خَدّاه لَخَدّاهُ
وعيشِه وَهْوَ في شرع الهوى قَسَمإِنّي على بُعد مَهْواهُ لأَهْوَاهُ
ويزدهيني تَزاهي وَرْدِ وَجْنَتِهوإِنْ حمانيَ مَجْناه ومَجْلاهُ
وكم تعرَّضَ للقلب المعذَّب منمستعذَب الدَّلّ لَوْلاهُ لَوَالاهُ
يا صاحِبَيَّ انْهَدا بي نحوَ معهدِهفالقلبُ صَبٌّ بمَرْآهُ ومَرْعاهُ
واستخبِراهُ بلطف مَنْ أَباح لهنقضَ العهودِ وأقساهُ وأقصاهُ
واستعطِفاهُ لِمَتْبُولِ الفؤادِ لَقىًعساه يُنعِش مُلْقاه بمَلْقاهُ
فإِنْ سختْ لي يداه فاشكُرا يدَهُوإِنْ سَطَتْ بيَ كَفّاه فكُفّاهُ
واستصرِخا بنصيرِ الدّين تعتلقامن الذِّمام بأَوْفاهُ وَأوْفاهُ
هو المُجيبُ دْعَا الدّاعي فكم أَمَلٍنادى نَداهُ فأنضاهُ وأمضاهُ
وكم إليه لَجا من دهره وَجِلٌفعَمَّهُ الأَمْنُ إِذْ أَلْجاه والْجاهُ
طَوْدٌ أَشَمُّ فأَمّا حِينَ تسألُهفما أَرَقَّ مُحَيّاهُ وَأحيْاهُ
يُعطيك عفواً هنيئاً إِنْ هفوتَ وإنْجشَّمَتَهُ الصَّعبَ سَنَّاهُ وَأسْناهُ
لا بالضَّجُورِ إذا طافَ الوفودُ بهولا الضَّنِينِ بجَدْواهُ وعَدْواهُ
قد جَرَّبَتْ يُمْنَ يُمْناه العُفاةُ كماتعوَّدت يُسْرَ يُسْراهُ أَساراهُ
وسائلٍ ليَ عن مَغْناه قلتُ لهقولاً يحِقّقُ عن مَغناه مَعْناهُ
هو النُّضَارُ المُصَفَّى سِرُّ جوهرِهوالنّاسُ من بعدُ أَشباهٌ وأَشباهُ
قَيْلٌ علا قُلَّةَ العلياء منفرداًمن الفخار بأَسْماهُ وسِيماهُ
لو عاش يحيى أو الفضلُ ابنهُ وبَغَىمحلَّه لَتَخطّاهُ وخَطّاهُ
مؤيَّدُ الرَّأيِ والرّاياتِ معتضِدٌباليُمْن والنَّجْحُ مغْزاه ومَغْزاهُ
مُغْرىً بنُصرة دينِ اللهِ منتدبٌلِوَقْمِ مَنْ كان ناواهُ وقاواهُ
توطَّدَ الملكُ إِذْ وُلِيّ إِيالتَهُواستبشرت حينَ راعاه رَعاياهُ
وقامَ بالأمر مُذْ نِيطت عُراه بهقيامَ مضطلعٍ قَوّاهُ تقواهُ
وأذعنَ العدلُ حتّى أَمَّ مذهبَهمَنْ كان قِدماً تعدّاه وعاداهُ
وجدَّدَ الجودَ حتَى لاحَ مَعْلَمُهُللمُجْتَدِينَ وطَرّاه وَأطْراهُ
فالدِّينُ والملكُ والأَقوامُ قاطبةًراضونَ عن سعيه واللهِ واللهُ
سعدَ الملوكِ استمعْ مدحاً أُتِيتَ بهمن خادمِ لك أنشاه ووَشّاهُ
يُثني عليك وقد حَفَّتْ لُهاكَ بهثناءَ راضٍ بما أولاه مولاهُ
ولو خلا فكرُه ممّا تَوَزَّعَهُأهدى من الشِّعر أَعلاه وأَغلاهُ
لكِنّ خاطرّهُ المشدوهَ بَلْبَلَهُصَرْفُ الزَّمانِ وَأَصْداه وَأصْداهُ
وأنت أنت فغَفْراً إِن عثَرتَ علىعيب فذو الفضل ما استَوْراه واراهُ
ورُبَّ نُعماك عندي فالكريم إِذاما أُودِعَ العُرْفَ والاهُ ووالاهُ
واشدُدْ يداً بِسديدِ الحضرة اليَقُظِ الْأَمين فيما تولاه وولاهُ
فاقَ الرّجالَ بأخلاق مهذَّبةوفاتَ مَنْ كانَ جاراه وباراه
ودانَ بالنُّصح حتّى لا خَفاءَ بماأخفاه منه وأبداهُ وَأدّاهُ
وكافِهِ منك بالحُسْنَى فمَنْ خَبَرَ الْكافي المُناصِحَ واستَكْفاه كافاه
ودُمْ مَنيعَ الحِمى مستمتعاً أبداًمن النَّعيم بأَصْفاهُ وَأضْفاهُ
ما أَمَّ وجِهةَ بيتِ الله معتمِرٌيمحو بخَطْوِ مَطاياه خَطاياهُ
وله:
كم ظِباءٍ بحاجِرِفتَنَت بالمَحاجِرِ
ونفوسٍ نفائِسٍجُذِرتْ لِلْجَآذِرِ
وشُجونٍ تظافرتْعندَ كشفِ الظَّفائرِ
وتَثَنٍّ لخاطرٍهاجَ وَجْداً بخاطري
وعِذارٍ لأَجلهعاذِلي صارَ عاذِري
وشَطاطٍ لأجلهشَطَّ إِدلالُ هاجِري
وقوله:
رِئمٌ برامَةَ قد أقام قيامتيبقَوامه واقتادَني بِزمامِهِ
لولا احْوِرارُ جُفونِه ما حارَ ليلُبٌّ ولا بَلْبَلْتُهُ بمَرامهِ
يَزْوَرُّ خوفَ رقيبهِ وقريبهِمن أَنْ يُحَيِّيَ مُسْلِماً بسلامهِ
ولو أنَّه حَيّا لأَحَيْا مُهْجَتيوَأسا كُلومَ حُشاشَتِي بكلامهِ
فبليَّتي من عينِه وعيوينهوشِكايتي من قومه وقَوامهِ
وله:
أودعَ القلبَ بَلابِلْرَشَأٌ من أرض بابِلْ
عدَلَ الحسنُ عليهوَهْوَ عن عدليّ عادِلْ
غادرٌ غادَرَ دمعيمُهْمَلاً في الخدّ هامِلْ
طال فيه اللَوْمُ والسُّؤْمُ ولم أَحْظَ بطائلْ
كلَّ يومٍ هو صائلْبالغَدايا والأَصائلْ
ومُدِلٌّ بتَجَنّمالَه فيه دلائلْ
فاسْلُ عمّن هو سائِلْعن غِيلاً للغَوائلْ
أيُّ نفعٍ بوِصالٍمن جميلٍ لا يُجامِلْ
وللحريري رسالتان: سينية وشينية نظماً ونثراً، أحب إثباتهما: فأما السينية، فإنه كتبها على لسان بعض أصدقائه، يعاتب صديقاً له، أخل به في دعوة دعا غيره إليها، وكتب عليها: القاسم سليل أبي الحسن:
(بسم السميع القدوس أستفتح، وبإسعاده أستنجح. سيرة
سيدنا الاسْفِهْسَلاَر السيد النفيس، سيد الرؤساء، سيف السلطان - حرست نفسه، واستنارت شمسه، وبسق غرسه، واتسق أنه - استمالة الجليس، ومساهمة الأنيس، ومؤاساة السحيق والنسيب، ومساعدة الكسير والسليب. والسيادة تستدعي استدامة السنن، والاستحفاظ بالرسم الحسن، وسمعت بالأمس تدارس الألسن سلاسة خندريسه وسلسال كؤوسه، ومحاسن مجلس مسرته، وإحسان مسمع سيارته، فاستسلفت السراء، وتوسمت الاستدعاء، وسوفت نفسي بالاحتساء، ومؤانسة الجلساء، وجلست أستقري السبل، وأستشرف الرسل، وأستطرف تناسي رسمي، وأسامر الوسواس لاستحالة اسمي.
وسيفُ السَّلاطينِ مُسْتأثِرٌبأُنسِ السَّماعِ وحَسْوِ الكؤوسِ
سَلانِي وليس لباسُ السُّلُوِّيناسبُ حُسنَ سِماتِ النَّفِيسِ
وسَنَّ تناسيَ جُلاّسِهوَأَسْوَا السَّجايا تَناسِي الجليسِ
وسَرَّ حسودي بطمس الرُّسُوموطمسُ الرُّسُومِ كرَمْسِ النُّفوسِ
وَأسكرني حسرةً واستعاضَلِقوته سَكرةَ الخَنْدَرِيسِ
وساقى الحُسامَ بكأس السُّلافِوَأسْهَمَني بعُبوسٍ وبُوسِ
سأكسوهُ لِبْسَةَ مُسْتَعْتَبٍوَألبَسُ سِربالَ سالٍ يَؤوُسِ
وَأسطُرُ سِيناتِه سِيرةًتَسيرُ أساطيرُها كالبَسُوسِ
وحسبُا السلام وسلامه على رسول الإسلام).
والشينية: كتبها إلى أبي محمد طلحة بن النعماني الشاعر، لما قصد البصرة يمدحه ويشكره ويتأسى على فراقه. وهي: (بإرشاد المنشيء أنشيء. شغفي بالشيخ شمس الشعراء) ريش معاشه وفشا رياشه، وأشرق شهابه، واعشوشبت شعابه - شغف المنتشي بالنشوة، والمرتشي بالرشوة، والشادن بشرخ الشباب، والعطشان بشبم الشراب. وشكري لتجشمه ومشقته وشواهد شفقته، يشاكه شكر الناشد للمنشد، والمسترشد للمرشد، والمستشعر للمبشر، والمستجيش للجيش المشمر. وشعاري إنشاد شعره، وإشجاء المكاشر
والمكاشح بنشره. شغلي إشاعة وشائعه، وتشييد شوافعه، والإشادة بشذوره وشنوفه، والمشورة بتشفيعه وتشريفه. وأشهد شهادة المشنع المكاشف، المقشر الكاشف، لإنشاؤه يدهش الشائب والناشي، ويلاشي شعر الناشي ولمشافهته تباشير الرشد،
واشتيار الشهد، ولمشاحنته تشقي المشاحن، وتشين المشاين، ولمشاغبته تشظي الأشطان، وتشيط الشيطان، فشرفاً للشيخ شرفاً، وشغفاً بشنشنته شغفاً.
فأشعارُه مشهورةٌ ومَشاعِرُهْوعِشرتُه مشكورةٌ وعشائرُهْ
شَأَى الشُّعَراءَ المُشْمَعِلَينَ شعرُهُفشانيهِ مَشْجُوُّ الحَشا ومُشاعِرُهُ
وشوَّهَ ترقيشَ المُرَقَشِ شعرهُفأشياعُه يشكونَهُ ومَعاشِرْهُ
وشاقَ الشَّبابَ الشُّمَّ والشِّيبَ وَشْيَهُفمنشورُهُ بُشرى المَشُوقِ وناشرُهُ
شَمائلُه معشوقةٌ كشَمْولهِوشِرّيبُهُ مستبشرٌ ومُعاشرُهْ
شَكُورٌ ومشكورٌ وحَشْوُ مُشَاشِهِشهامةُ شِمِّيرٍ يَطيشُ مُشاجِرُهْ
شَقاشِقُه مَخْشِيَّةٌ وشَباتُهشَبا مَشْرَفيٍّ جاشَ للشَّرّ شاهرُهُ
شفَى بالأَناشيد النَّشاوَى وشَفَّهمفمُشفِيه مستشفٍ وشاكيهِ شاكرُهْ
ويشدو فيهتشُّ الشَّحيحُ لشَدْوِهويَشْغَفُهُ إِنشاده فيُشاطرُهْ
تجشَّمَ غِشيْاني فشرَّدَ وحشتيوبشَّرَ مَمْشاهُ ببِشرٍ أُباشرُهْ
سأُنشِدِه شعراً تشرّقُ شمسُهُوأشكُرُه شكراً تَشِيعُ بشائرُهْ
وأشهد شهادَةَ شاهدِ الأشياء، ومُشبِع الأحشاء ليُشْعِلَنَّ شواظ اشتياقي شحطه، وليشعشن شمل نشاطي نشطه. فناشدت الشيخ أيشعر باستيحاشي لشسوعه، وإجهاشي لتشييعه، ووشايتي بنشيده الموشين وتشكلي شخصه بالإشراق والعشي؟ حاشاه، تعتشيه شبهة وتغشاه، فليستشف شرح شجوي لشطونه، وليرشحني لمشاركة
شجونه، وليشغلني بتمشية شؤونه، ليشد جاشي، ويشارف انكماشي. عاش منتعش الحشاشة، مستبشر البشاشة، مشحوذ الشفار، منتشر الشرار، شتاماً للأشرار، شحاذاً بالأشعار، يشرخ ويحوش، فينتقش المنقوش، بمشيئة الشديد البطش، الشامخ العرش، وتشريفه لبشير البشر، وشفيع المحشر).
وله مما ذكره في المقامات، هذه الأبيات المشتملة على التجنيس:
وأحوى حَوَى رِقَي برِقَّةِ لفظهِوغادَرَني إِلْفَ السُّهادِ بغَدْرِهِ
تصدًَّى لِقتلي بالصُّدودِ وإِنَّنيلَفي أسْرِه مُذْ حازَ قلبي بأَسْرهِ
أُصدّقُ منه الزُّورَ خوفَ ازْوِرارِهوَأَرضَى استماعَ الهُجْرِ خِيفةَ هَجْرهِ
وأستعذبُ التّعذيبَ منه وكُلَّماأَجَدَّ عذابي جَدَّ بي حُبُّ بِرّهِ
تناسى ذِمامي والتَّناسي مَذَمَّةٌوَأحْفَظَ قلبي وهو حافظُ سِرّهِ
له منّيَ المدحُ الّذي طابَ نَشْرُهْولي منه طَيُّ الُودِّ من بعدِ نَشرهِ
ولولا تَثنّيهِ ثَنَيْتُ أَعِنَّتيبِداراً إلى مَنْ أجتلي نورَ بدرهِ
وإِنّي على تصريف أمري وأمرهأَرى المُرَّ حُلْواً في انقيادي لأمرِهِ
ومن رسائله، وقد اختصرناها: (إذا كانت المودات أنفس المرام المخطوب، وأنفع ما اقتني لدفع الخطوب، فلا لوم على من استعفى قدمه لطلبها، واستنطق قلمه لخطبها، لا سيما إذا كان مما يعجب المتأمل، ويسعف المؤمل، كمودته التي تضرب بها الأمثال، وتسجل على أن ليس لها مثال. هذا، وأنا على المغالاة في الموالاة، وعلى هذه الصفات في المصافاة، أشفق من اشتباه لتراخي خدمتي، وأعترف بوجوب معاتبتي، وأعتذر من معظم هفوتي، لتمادي جفوني. ولولا أن لمفتاح حضرته وقفة المتهيب، وخجلة القطر الصيب، لما استهدف قلمي لمرامي الكلام، ولاستنكف أن يكون سكيتاً في حلبة الأقدام. وها هو الوقاح، وتعرض وعرض للافتضاح، وللرأي الشريف بالإيعاز، بتأمل هذا الإيجاز، بما يبين عن كرم الاهتزاز، مزيد الاعتزاز، إن شاء الله تعالى.
واهاً لفضلك يا مَنْ شادَ مِقْوَلُهُمجداً كما شادتِ العليا مَقاوِلُهُ
فافخَرْ ببيتيك بيتٍ أنت وارثُهُعن القَبُول وبيتٍ أنت قائلُهُ
أَبِيتُ أرعى نُجومَ الليلِ من قلقعليك لا من هَوىً تنزو بَلابِلُهُ
وأشتكي منك ما تشكو ولا عجبٌإذا اشتكى الرّأسُ أن تشكو قبائلهُ
وما صديقُك إلا مَنْ تجنَّبَ ماجانبتَهُ وأتى ما أنت فاعلُهُ
ما إِنْ ترى غيرَ ذي وجهينِ ظاهرُهرَوْحٌ وباطنُه تَغْلِي مَراجِلُهُ
يَغْشى أخاه إذا طابت منازلُهُوينزوي عنه إن نابت نَوازِلُهُ
النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع