تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

القاضي العدل أبو القاسم عمر بن الحسن بن أحمد بن الباسيسي

الصفحة ٢ من ٢

وصل الجواب الفُلاني دام ممليه، متلألئةً لآليه، حالية معاليه، مهتزة عواليه، معتزة مواليه، وخلته كتاب الأمان من الزمان، فتلقيته كما تتلقى يد الإنسان صحف الإحسان، وصكاك العطايا الحسان. لا، بل كما تتلقى أنامل الراح كاسات الراح، من أيدي الصباح في نسمات الصباح. وما زلت أتمتع بحلي ودرر، ووشي وحبر، ومُلَح وزهر، ونكت وفقر، ومثل وخبر، وأبياتٍ غرر، ودعاءٍ مستطر، إلى ما فيه من إقالة عثار، وتزيين آثار، وتجميلِ معار، وتغطية عوار وعار. فلله ما جمع فيه من أنوار ونوار، ونضيرٍ ونضار، وتحسين وإحسان، ومعين ومعان، ومثله

بسعادته، وإن كان الفذ الفرد في سيادته، من يعرف ويعترف، ويدري كيف يغترف، ويهتدي إلى حيث يحترف، ويعلم من أين تؤكل الكتف).

وله:

(النصحاء رجلان: فأحدهما موثوق بمودته، مسكون إلى عقيدته فهو مشكور على التبرع بالنصح، ومحمود ولو أصلد في اقتداح النجح. والآخر مذبذب بين الباب والدار، مردد بين الإيراد والإصدار، فنصح هذا منظوم في سلك الفضول، محجوب عن خلوة القبول. فإن وزن سيدنا نصحي بمثقاله، ونزهه عن استثقاله، فقد لمحه بعين الإصابة، وآمنني روعة الاسترابة. وإن حال دون اشتباه أو اعتراض، فقد أديت في شرعه المودة المفترض، وإن لم يطابق الغرض).

وله من أخرى: (وصل من فلان - حرس الله مجده، وأسعف جده، وأرهف حده، وأرغم عدوه وضده - كتاب، تجلى لناظر العين، كتجلي نضار العين، وأجلت الطرف منه في روض أضحكه الوابل، وعدم فيه الذابل. لا، بل في عقدٍ أودع الفرائد، وأعجز الرائد، وقلت: لله

القلم السديدي، فما أبدع توشيته! وأحسن نشأته! وأمضى في البراعة والبلاغة مشيتهّ! واعترف بما أولانيه، شيد الله معاليه، من إطراء عطر تغلى بغواليه، وحلى عطلي بلآليه، ولولا أن الإغراق في هذا الفن، معرض لإساءة الظن، لاستوعبت فيه البيان، ولأتعبت الأقلام والبنان. وهذا شوط، إن أجري القلم فيه لم يردعه سوط. وليس من سنة الأدب، ولا في شرعة القرب، أن يشتغل عن الجليل بالجلل، وباستعراض الشمل عن الحلل. وإذا أهلني لتكرمةٍ مؤثلةٍ، وخدمةٍ مؤملةٍ، سعيت وباهيت، وفي الشكر تناهيت).

وله من أخرى: (من حل محل المجلس - أسعد الله جدوده، وأجد سعوده، وشيد علياءه، وأيد أولياءه، ونصر راياته وآراءه: من المجد الذي رست أعلامه، وانتشرت أعلامه، والحسب الذي سرت أنباؤه،

وسروت آباؤه وأبناؤه، والفخر الذي عزت مساماته، واعتزت به سماته - باهت الوسائد بسيادة مكانه، وتاهت المساند إذا أسندت إلى أركانه.

والخادم - على تنائي خطته، وتقاصي خطوته - ممن يخلص في الولاء، مذ حظي بتلك الخدمة العلياء ويثق بلطائف الإرعاء، كما يعتكف على إقامة وظائف الدعاء).

وله من تعزية بموت الإمام المستظهر، وتهنئة بخلافة المسترشد: (للدهر - أعز الله أنصار الديوان العزيز، وأدام له مساعفة الأقدار، ومضاعفة الاقتدار، وإيلاء صنائع المبار، والاستيلاء على جوامع المسار - خطوب متفاضلة القيم، كتفاضل ما ينشئه من الغمم، وضروب متفاوتة الدرج، بحسب ما تفنيه من المهج. فأعظمها إيلاماً للقلوب، وإضراماً للكروب، واستجلاباً للواعج الغموم، وإيجاباً للوازم الحزن على العموم - رزء تساهم فيه الأنام، وأظلمت ليومه الأيام، وكان في معاهد

الخلافة ناجماً، وعلى سدة الإمامة المقدسة هاجماً، كالفجيعة بطود الدين الشامخ، ودوحة المجد الباذج، وبحر الكرم الزاخر، وقبلة المآثر والمفاخر، واهاً له خطباً كاد يشيب منه الأطفال، وتنشق الأرض وتخر الجبال.

غير أن الله نظر لأصناف عبيده، ومن على أهل توحيده، باستخلاف المسترشد بالله. ولولا هذه المنحة التي انتاشت الدين، وجبرت مصاب المسلمين، لفسدت الأرض (ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين). نشر الله في الخافقين أعلام دعوته، وحلى تواريخ السير بمناقب سيرته، وحقق آمال المستسعفين والمستضعفين في إسعافه ونصرته.

وقد التزم الخادم من شرائط هذين الأمرين المقدورين، والمقامين المشهورين، ما يلتزمه المباهي بإخلاص الطاعة، المتناهي في الخدمة المستطاعة).

ومن أخرى: (ولما أهل للتشريف الذي عقد حبا التجميل نيله، وجاوز ربا التأميل سيله، أعظم وقع ما خص به من التنويه، وهن نفسه بمفخرة النبيه. وإذا بهر مطلع النعمة للمتأمل، ورجح وزنها على ظن المؤمل، حار عند تبلج نورها الفطن، وحصر عن درس صحف شكرها

اللسن. ومن الله تعالى نستمد التوفيق لإمراء أخلاف الإحسان، ومقابلة صنوف الإنعام بشكر المساعي لا اللسان).

ومن أخرى: (قد أوضح الخادم من مواقع اجتهاده مالا يأمن أن يشتبه معرضه، أو يستسر فيه غرضه، وهو يعتذر عنه بما اعتذر المعتصم إلى المأمون في تصدير كتاب إليه، في فتح كان عول فيه عليه: كتبت كتاب منه لخبر، لا معتد بأثر).

ومن أخرى: (الخادم معترف بالصنيعة التي هو بها مغبوط ومغتبط، وفي سلك نشرها وشكرها مخترط. غير أنه مع اختصاصه بمزية الإرعاء، واستخلاصه للخدمة والدعاء، لو اتضح ضيق مخنقه، وتنوع التقصد لعلقه، وعز في حقه بما يؤذن بصفاء رنقه، وإقامة رونقه، وفك ما نطوق من الدين بعنقه).

أخرى من مطالعة:

(أعز الله أنصار المجلس الفلاني، وظاهر مزيد علائه، وأسبغ ظلال آلائه، وقرن بالنصر معاقد آرائه، وأرغم بالقهر معاطس أعدائه. عرف تصدي جماعة لخطبة النظر، وبذلهم إظهار حسن الأثر، فإن ندب له من يجمع بين الشهامة والنزاهة انحسمت مواد الضرر. ومن سوء الاتفاق استخدامه في الوقت النكد، وحيث يشتبه اجتهاد المجتهد. وإن لم ينعم بالتفحص عن مقام كل ممن الجماعة في لوازم استخدامه، وما عذق باهتمامه، لم يتميز المتيقظ من الناعس ولا المجتهد

من المتشاكس. فإن اشتبه اجتهاده للشوائب المتوالية، والمقادير التي ليست بمتوانية، فما تخفى على الله خافية. ولا غنى عن التوقيع إلى فلان بما يضمن التحذير والتبصير، ويحض على التشمير لا التقصير، ليتجرد في المعاملة على حفظ الفتيل والنقير. على أن الخادم لم يفسح في مد اليد، إلى الدرهم الفرد، من الارتفاع المستجد. هاهنا شواظٌ قد التهب، وحنق برز بعدما احتجب. وقد كانت هذه البقعة بمثابة روضة غناء، وعروس حسناء، فاستحالت هذه الحال، واعترض شجاً منع من المقال. وفي جملة أدوية هذا الداء العضال أن يوعز عند حسم مادته، وقطع عاديته، بإنشاء ما يقرأ على المنبر من إدحاض التأويلات، وإلجام ما فغر من أفواه الرعاة. وإلا انبسط العدوان، وخربت المشان، ولم يبق من ذوي المسكة بها إنسان، والله المستعان).

ومن أخرى: (لما أهل الخادم للتشريف الذي بيض صحيفة الظن، وجبر مكاسر الوهن، قدر الإنعام حق قدره، وتناهى في التباهي بفخره، ولئن كان بده ممن لا شبهة في عاره وعره، بما أنساه من شوائب دهره، فلقد سبب له من التجمل ما نوه بذكره. فالله تعالى يوفقه لكل ما يؤذن بظهور قربه، ويقتني به الذخر لعقباه وعقبه).

ومن أخرى: (ما يزال يعاني من مداراة الأهواء المتقلبة، والأطماع المتشعبة، ما هو منه في مكايدة متعبة، ومناظرات ملتهبة. وتوخي الإمساك يؤثم، والانصباب على الخصام يؤلم، والمواصلة بإنهاء مثل ذلك تسئم، وستنضح الحقائق، ويتبين الماخض والماذق).

ومن أخرى: (جعل الله الدولة مشرقة الأزمنة، حالية بالمناقب البينة، متلوة المآثر بجميع الألسنة، مبثوثة الممادح بكل الأمكنة).

ومن أخرى: (أحوال الأعمال، منقلبة إلى الاختلال، والضامن كل يوم في كروب،

والرعية بين مرعوب ومنكوب، والمطامع في ذلك متسعة، والقدرة على حسم هذه المواد ممتنعة).

ومن أخرى: (ولعمر الله إن المشار إليه ما ينزع عن ضلالته، ولا يتقي غائله غوايته).

ومن أخرى: (وحاش لله أن يكون بهذه الصفة، أو يضع مثقاله في هذه الكفة).

ومن أخرى: (وفي جملة هذه النواحي من لا يرتدع بالوعيد، ولا يوهن حتى يرى العذاب الشديد، واستبان ما عليه فلان من الإصرار على الإضرار، والاجتهاد في العناد والإفساد).

ومن أخرى: (ولم يزل يسرج من المشورة ويلجم، ويبرهن عن وجه الرأي ويترجم، إلى ن تمثلا الصلح، واستصوبا النصح. وكان في حسبان

كل أحد أن حبل الالتئام قد انعقد، وشرر الخصام قد خم، فتولد ما أوغر الصدور، وجدد النفور).

ومن أخرى كتبها إلى سعد الملك مع القصيدة التي تقدمت: (دعاء العبد للمجلس الفلاني - دامت جدوده سعيدة، وسعوده جديدة، وعلياؤه محسودة، وأعداؤه محصودة - دعاء من يتقرب بإصداره، على بعد داره، ويقصر عليه ساعاته، مع قصور مسعاته. وشكره للإنعام الذي أوصله إلى التجميل والتأميل، وجمع له بين التنويه والتنويل، شكر من أطلق من أسره، وأذيق طعم اليسر بعد عسره. ولو نهضت به القدمان، وأسعده عون الزمان، لقدم اعتماد الباب المعمور، وأسرع لغيه إسراع العبد المأمور، ليؤدي بعض حقوق الإحسان، ويتلو صحف الشكر باللسان. لكن أنى ينهض المقعد؟ ومن له بأن يصعد فيسعد؟ ولما قصرت خطوة العبد، وحرم حظوة القصد، ولزمه مع وضوح العذر، ن يفصح عن الشكر - خدم بما ينبئ عن فكره المريض، ويشهد بطبع طبعه في القريض. ولولا أن الهدية على حسب مهديها، وبه تعلق مساويها، لما قدر أن يهدي الورق إلى الشجر، ويبيض شعراً كبياض الشعر. هذا، على أن ذنب المعترف مغفور، والمجتهد وإن أخطأ معذور. وهو يرجو أن يلحق بمن نيته خير من عمله، ليبلغ قاصية أمله. وللآراء

العلية في تشريف مدحته بالاستعراض، وصون خدمته للأعراض، وتأهيله من مزايا الإيجاب، والجواب بما يميزه عن الأضراب، مزيد العدو).

وله من أخرى:

(لم يزل لله تعالى في اقتبال كل زمان، وإقبال كل سلطان، نظرة تفرج الغمم، وتبهج الأمم، وتنير الظلم، وتديل المظلوم ممن ظلم. وقد أعاذ الله تعالى هذه الدولة القاهرة، والأيام الزاهرة، أن يغضى فيها عن ولاة الجور، ويرضى فيها للعبد بالحور بعد الكور، (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم). وللرأي العالي بالمغوثة، الجالبة للمثوبة وحسن الأحدوثة، مزيد الشرف).

أخرى: (ولم تتأخر مطالعته عند تبلج بدرها، وتأرج نشرها، غلا لتهيب الاقتصار على خدمة القلم، مع وضوح العذر في قصور التمكن عن السعي بالقدم، نائباً عن تلاوة صحائف التهنية، وإقامة وظائف الأدعية).

ومن أخرى: (وإن قصرت خدماته بالقدم والقلم، وحرم لسوء الحظ اعتمار حرم

الكرم، فهو ممن يرى طاعة الدار العزيزة نسكاً يؤذن بتزكية الأعمال، وغرساً يثمر سعادة لأولي الآمال. ولولا ما يصدفه من تهيب الإنهاء، والأخذ بأدب من يقتصر على الخدمة والدعاء، لما اقتنع لنفسه بحرمة التنويه، والاعتماد على الاستشهاد فيما ينويه).

ومن أخرى لما قتل سعد الملك الوزير: (ثم إنه صدع بهذا الخطب الحادث، والخبر الكارث، وهو في سورة وجوم، ومساورة غموم، فذهل عن رزئهم الطري، وجرى الوادي فطم على القري، فلما انجلت الغمة، وتجلت النعمة، انسرى كربهم الذي بطن، وكمدهم الذي كان علن، (وقالوا: الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن)).

ومن أخرى في تعزية: (ووصل ما شرف به مبشر الأنباء المبهجة، والسعادة المتبلجة، ثم أخذ في استخبار القاصد عما خبر ونظر، واستمع واطلع، وكأنه استثار به

الزفرات، والحنين إلى أوقات الملاقاة، ولم يزل الخادم يستوضحه ويستشرحه، وينافثه ويباحثه. وكلما هم بالقيام، وقطع الكلام، لزم أذياله، وأنشده البيت الذي كان قاله، من ضاهت حاله حاله:

وحَدَّثتَني يا سَعْدُ عنهم فزِدْتَنِيجُنوناً فِزدْني من حديثك يا سَعْدُ
للشاعر علي بن محمد الحبشي، اقرأ القصيدة

وعرف في ضمن مناجاته، واستشراح روزنامجاته، ما اعترض من الشائبة الممضة، والفجيعة بتلك الريحانة الغضة، فوجد مس هذا الرزء، وأخذ منه بأوفى جزء. على أن ما يشوب صفو المنح، ويقذي كاس الفرح، يحل محل التميمة، للنعم الجسيمة، ويسلي أولي البصيرة السليمة، إذا ما أحمد قط دوام الصفو، كما لا يحب استمرار الصحو. وفي سلامة النفس الشريفة مسلاة للقلوب، ومسراة للكروب، تصغر نازلة الخطوب، وتصفح للأيام عن الذنوب).

النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.