تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

جمال الدين أبو العباس أحمد بن عمر بن هبة الله ابن خذداذ

البادرائي المولد والوالد الغزنوي الأصل شاب فاضل أديب أريب فقيه نبيه نبيل جليل.

تصاحبنا في خدمة الوزير ابن هبيرة، ووجدنا الخيرة، وعدِمنا الحيرة.

وتولى أعماله مع مقامه في بيت من المدرسة، ولم يزل لهجاً باستفادة العلوم المقتبسة.

وهو من تلامذة شيخي شرف الدين، يوسف، الدمشقي، ﵀، في الفقه.

حسن السمت، متكلف للصمت وضيء الوجه.

ولما توفي الوزير، اعتقل أشهراً بالديوان، مثلي، وخلي سبيله قبلي، وتنقلت به الأحوال، إلى أن عدم في الأشغال، الأكفاء والأمثال، فولاه أمير المؤمنين المستنجد صاحب الخبر مع حاجب الباب، ومزجت له حلاوة الشهد بمرارة الصاب.

ومن جملة غلطاته في مكاتباته: أن أمير المؤمنين أمر بضرب بعض النصارى، لذنب اجترحه واجترمه، وذنب اقترفه وقدمه، فكتب في مطالعته: عوقب وعوتب. يعني: أنه لم يوجع ضرباً، ولم يرع سرباً، فإنه من كتاب السيدة. فلما وقف الإمام على هذا التجنيس غاظه، وكرر مراراً - على سبيل الاستثقال - ألفاظه، وخرج توقيعه بضربه، فضرب ورد إلى مكانه في ولايته وما نكب.

ولما انتقل المستنجد إلى روض الرضوان، وغرف الغفران، أخذ غلطاً وحبس شططاً ولقي من الرعاع سُطاً، حتى استقر الوزير عضد الدين، بن المظفر في دسته، فسأل عنه في وقته، فأخبر بحديث حادثته، فأبدى الغفلة عن عقلته، وأعاده إلى شغله محترماً، وولاه ممكناً مكرماً. فأصحى جوًّه بعد الغيم، وصحا دهره من سكرة الغم، وصحَّ حظه غب السقم، وأصحب زمانه بعد جموح خطبه الملم.

وآخر العهد بكتابه إلي في سنة اثنتين وسبعين وخمس مئة.

وقد أوردت من شعره قصيدة، سمعته ينشدها الوزير عون الدين ابن هبيرة - وأنا حاضر - وكتبها لي بخطه. وهي:

ولمّا بدا رَبْعُ الأًَحِبَّة بالِلوَىوقد جَدَّ جَدُّ الرَّكْبِ قلت لهم قِفُوا
قِفُوا نُرِحِ الأَنضاءَ أُبدي تعطّفاًعليها وما مِنِّي عليها تعطُّفُ
وإِنَّ بوُدِّي لو تُعرقَبُ سُوقُهالتمكُثَ حيناً بالِلوَى وتُحذَّفُ
أُحاولُ كِتْمانَ الهوى ومدامعيتَفيضُ فتُبدي ما أُجِنُّ وتَكشِفُ
وما بي بذاك الرَّبْعِ ظَبْيٌ كأنّماتسنَّمَ حِقفاً منه غصنٌ مُهَفْهَفُ
غزالٌ على صيدِ الضَّراغمِ قادرٌويَعْجِزُ عن حَمل الوِشاحِ ويَضْعُفُ
تَصدَّى لقتلي بالقِلَى عامداً فماأُصادفُه إِلا يصُدُّ ويَصْدِفُ
وغِيد يَلينُ الصَّخرُ دُونَ قلوبِهاوأجسامُها من رقَة الماء ألْطَفُ
كأنَّ فؤادي يومَ بنْتُمْ حمامةٌتَصدَّرَ عنها أجدلٌ متغطرفُ
كأّنِّي فَعْولُنْ في الطَّويل ومُهْجَتيبكَفّ الأَسَى كالنُّونِ بالكَفّ تزحَفُ
وها أنا مُعْتَلُّ الثُّلاثيّ والضَّنَىمن النَّحوْ تصريفٌ به يتصرَّفُ
وقد كنتُ تأسيساً فيا ليتَ أنّنيدَخيلٌ إذا عَلَّتْ قَوافٍ وأحرُفُ
بَلِيتُ سِوَى اسمي في هواكم كزائدمع اللفظ يبدو وهو في النَّعْت يُحذَفُ
أينفَعُكم ما ضَرَّني من صدودكمسؤالٌ عليكم واردٌ لا يُزَيَّفُ
أَلائِمُ خَلِّ اللومَ عنك إلى متىتوبّخُني في حبّهم وتُعَنِّفُ
فقد شاع في الأَحكام تقييدُ مُطْلَقٍوفي حَلّ قيدِ العاشقينَ تعسُّفُ
إذا قال واشٍ قد سَلا فتيَقَّنُواهنالك أَنّي مغرمُ القلبِ مُدْنَفُ
أَذِلُّ لكم في الحبّ ذُلاً مكانُهعلى غيركم واللهُ يَدْرِي تَعَجْرُفُ
ويُؤيسُني هِجرانُكم ثُمَّ إِنَّنيأُعَلِّلُ قلبي بالمُنَى وأُسَوِّفُ
وأُعسِرُ من صبري فأثْرِي تجلُّداًكما يَسَّرَ الإِملاقَ منّي التَّعَفُّفُ
وإِنْ نالَ منّي الفقرُ أو نالني الغِنَىفقد يَكْهَمُ الهِنْدِيُّ والبدرُ يَخِسِفُ
وكيفَ ولي من نائلِ ابنِ محمّدٍعطايا إذا ما أخلفَ الغيثُ يُخْلِفُ
وَقُورٌ إذا خفَّت حلومُ ذوي النُّهَىوكادَ بريحِ الطَّيْشِ ثَهْلانُ يُنْسَفُ
جوادٌ يُشِتُّ المالَ سَيْبُ يمينهِوَأسيافُه بينَ المَنُونِ تؤلِّفُ
يُبيد العِدى والبِشرُ بادٍ لوَفْدهفيَنْهَلُّ والخَطِّيُّ بالدّم يَرْعُفُ
بنائِله أموالُه وعِداتُهبذابِله في السَّلْم والحرب تُخطَفُ
نَدىً ووَغىً هانا عليه فلم يُبَلْأَعَشْرٌ تُجَزَّا أم ألوفٌ تُضَعَّفُ
فلا تطلُبَنْ إدراكَ شَأْوِك عُصبةٌسبَقْتَ إلى العلياء لمّا تخلَّفُوا
بكم حاوَلُوا أن يَكْلَفُوا فتكلَّفُواولم يقدِرُوا أَنْ يُسعِفُوا فتعسَّفُوا
فهل مُبْلِغٌ منّي إليهم وإِنَّنيلأَنصَحُهم فيما أقولُ وأنصفُ
كفاكم من العلياء يا قومُ علمُكمبتقصيركم عن نيلها فبِذا اكتفُوا
دَعُوها لِعَوْنِ الدينِ يحيى فإِنّهبها منكمُ أَولى وَأحرى وأعرفُ
إذا هيَ ضاقت بالوفود مَفاوِزُ الْفَلا فلهم من صدرك الرَّحْبِ نَفْنَفُ
وإن أَوْحَشتْ للرَّكْب هَوْجاءُ هَوْجلٍفنارُك للسّارينَ أُنسٌ ومألَفُ
وإِنّك قَيْسُ الرَّأيِ في الجود حاتِمٌوإنّك عَمْرو البأس في الحِلْم أَحنَفُ
كما هذَّبَ الأخلاقَ منك محمَّدبأخلاقه حَلاك بالحُسن يُوسُفُ
تشرّف من آل الهُبَيْرِيّ سادةبِيحيى بهم كلُّ الأنامِ مشرَّفُ
دعاء مُوالٍ مخلصِ الوُدّ مالَهإلى غيركم في العالمينَ تَشَوُّفُ
فأنتم رفَعتم طَرْفَه بعدَ خَفْضِهِوقد نَيَّمُوه والقَذَى فيه مُسْدِفُ
وعَرَّفتُمُ ما كان منه منكَّراًفلولاكمُ ما كان في النّاس يُعرَفُ
وهل رَدَّ عنه النّائباتِ سِواكمُغَداةَ التْقاها وَهوَ أعزلُ أَكشفُ
وأجريتُم الماءَ الرَّواءَ لِعُودِهفعادَ وَرِيقاً بعدَ أَنْ كان يجففُ
فما هو إلا من غُروسكم الّتيلها من أَياديكم ربيعٌ وصَيِّفُ

بنو أبي الجبر الليثيون ملوك البطائح

وأعيانها بالغراف وما يجري معها أسفل واسط

مهذب الدولة

أحمد بن محمد بن أبي الجبر ملك البطيحة

أمير مهذب سعيد، كبير محجب سديد، مهيب كأنه لهيب، قريب كأنه غريب. برٌ للبر مقصود، وبحر من البحر والبر مورود. سمح أحسن، وسبع أعبس. سناه آنس، حين بنى البَطيحة وأسس. مجده باذخ وركنه شامخ.

كان في عصر سيف الدولة، صدقة، وجرت بينهما مناوشة فيها صدقه، وحبسه سيف الدولة واعتقله، على مال كثير لأجله ثقله، وإلى السجن نقله. فقيل: كان مبلغه أربعين ألف دينار.

أنشدت له بواسط، أبياتاً كتبها إلى صدقة فوهبها له، وأطلقه. وهي:

سَلْ بقومي في الجاهليّةِ والإِسلامِ يُخْبِرْك مجدُهم والعَلاءُ
من غِفار وضَمْرَة وفِراسزعماءٌ أَشِدَّةٌ حُلَماءُ
وإذا قلتُ يا لَلَيْثٍ أجابتني قُرَيْشٌ وزَمْزَمٌ والصَّفاءُ
ومِنَى والحَطِيمُ والحِجْرُ والبيتُ وحَسْبي ما ضَمَّتِ البَطْحاءُ
ومتى شِمتُ من خُزَيْمَةَ برقاًأَسَدِيّاً يَنْهَلُّ منه الحَياءُ
مَزْيَدِياً عليه من سِمَة المُلْكِ وَقارٌ وعزَّةٌ وبهاءً
مَن أبوه الجَوادُ منصورٌ القَيْلُ فتىً لا تَهُولُهُ الأَعداءُ
مستقلٌ وناهضٌ بالمَعاليهِمَّةٌ دُونَ كُنْهِها الجَوْزاءُ
كشَفت عن قِناعها لك بَغْدادٌ وَأعطتك واسطٌ ما تَشاءُ
وعَطَتْ جِيدَها إليك من الشَّوْقِ حَنانَيْكَ البصرةُ الفيحاءُ
لستُ أَغترُّ بالزَّمان مَدَى العُمرِ ومن أينَ للزَّمانِ وَفاءُ

فبُردُ شعر المهذب مذهب ولفظه فيه مرتل مرتب، ونسج نظمه بالفخر مفوف، ونظم جنسه بالسمو مؤلف. فكيف ينظم الدر في سلكه، إذا تمكن من مُلكه ومِلْكه؟ وله قرأته في مجموع:

سأَطْرِفُ عنكُمُ طَرْفِيوَأنفُضُ منكُمُ كفّي
وَأهجُرُكم ولو أَنِّيلَقِيتُ بهَجْركم حَتْفي
وما أُبْديهِ من مَلَلفضِعفاهُ الذِّي أُخفي
وقد طَلَّقتكم ألفاًعلى التَّحقيق في أَلْفِ

وله أيضاً:

دهريَ بالحادثات يرشُقُنيحتّى كأنِّي لنَبْلهِ هَدَفُ
ما أنعمَ الجاهلَ الغبيِّ وماأشقى رِجالاً بالفضل قد عُرِفُوا

النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.