تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الرئيس أبو غالب

نصر بن عيسى بن بابي الواسطي النصراني

توفي بعد الخمس مئة.

كان من ظرفاء واسط وأعيانها.

وله شعر لطيف، ونظم ظريف، وعبارة مستعذبة، وكلمات مطربة معجبة. لم أدرك زمانه.

أنشدني له الرئيس العلاء، بن السوادي بواسط، سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة، وذكر: أنه كان من بغداد، وأقام مدة عمره بواسط، قال أنشدني الرئيس أبو غالب، بن بابي، النصراني، الكاتب لنفسه:

وعشِقتُ حتَى ما أمَلُّ وهِمْتُ حتّى ما أُفيقُ
وأنا فعُذْرِيّ الصَّبابة في الهوى نَسَبي عريقُ

وأنشدني أيضاً، قال: أنشدني في جارية، دخلت عليه يوم الكسوف في لباس أسود:

عاينتُ في حُلَل السَّوادِ خَرِيدَةًمثلَ القَضيبِ المائدِ المَيّاسِ
قلتُ اسْلَمي ماذا اللباسُ وغيرُهأَدنى إلى الإِبهاجِ والإيناسِ
قالت فهذي الشَّمسُ أُختي عُوجِلتبالافتضاح على رؤوسِ النّاسِ
طلَعتْ فشاكلتِ الضِيّاءَ بطلعتيودَجَتْ فشاكلتِ الدُّجَى بلباسي

وأنشدني في منزلي ببغداد، رابع ربيع الأول سنة سبع وخمسين وخمس مئة، قال: أنشدني ابن بابي لنفسه، في جارية له، اسمها فتون، افتضت، فحبلت:

عذرُ فُتونٍ عندَ تسويرِهاذِروتَها مستطرَفُ الشَّرْحِ
قالت كأنِّي شُلْتُ رِجلي لهأو مكّن الكبش من النَّطْحِ
إلا وقد دافعتُ حتّى رمىبنفسه في ظُلمة الْجِنْحِ
من دَكَّة الخَيْشِ إلى أسفلٍفصِرتُ تحتَ التّنك والطّرحِ
قلتُ أيا سِتّيَ هذا الَّذِيأعانَ مولايَ على الفتحِ
إنْ كان رِجلاكِ بذا شِيلَتاوَقَعْتِ في الحالِ من السَّطْحِ

وله نقلته من مجموع، مما قاله في الغلمان. فمن ذلك، قوله في غلام يلعب بالنرد:

وبديع الحُسنِ بالمُقْلَةِ والأَصداغِ يَسْبِي
رامَ بالنَّرْدِ لِعابيوالهوى يضمَنُ غَلبَي
قلتُ يا تَفَديك نفسيما الّذي تبغي بلعبي
قال شَشْداركَ للمهرك قد شَشْدَرْتَ قلبي

وله في غلام ألثغ:

وأهيفَ كالهلال شكوت وجديإليه بحبّه وأطلتُ بَثِّي
وقلتُ له فدتك النَّفْس صِلْنِيتَحُزْ فيَّ الثَّوابَ فقال بَثّي

وله في غلام غاز:

أيُّها الغازي فتنتَ النَّاسَ فَرعاً وجَبينا
قبلَ أن تَفْتِكَ بِالرُّومِ أرى فتكَكَ فينا
حسَنٌ غزوْك للكُفّارِ إِخلاصاً ودِينا
فبِماذا غزوُ عينيك قلوبَ المسلمينا

وله في غلام دَيْلَمِيّ:

دَيْلَمِيٌّ بِتُّ من كَمَديوصَباباتي به أَرقِا
مَدَّ ليلاً من غَدائرهوأرى في وجهه فَلَقا
جُنَّ قلبي في محبَّتهِوأطاع الوجدَ والقَلَقا
ورقا يسعى بمفرقهفي صِراطٍ واجماً فَرِقا
فهوى في نارِ وَجْنَتِهفاصطلى بالجمر فاحترقا

وله في غلام ورد من سفرة شاحباً:

فديتُ مَنْ أقبلَ من سفرةفأقبلتْ نفسي على أُنْسِها
وقلتُ إِذْ أبصرتُه شاحباًقد خضَّبَتْهُ الشَّمسُ من وَرْسِها
ما كان عندي أَنَّ شمسَ الضُّحىتعمَلُ في الخلق وفي نفسها

وله في غلام مَجوسي:

يا رَبِّ عبدُك ذا قتيلُ صدودِهفبِعزِّ عرشِك خُذْ له بالثَارِ
لا تُغْفِلَنْ عمَّنْ أصاب بهجرهقلبي الموحِّدَ فيك بيتَ النّارِ

وله في غلام رَمِدَ:

وأهيفٍ كقَضيب البانِ مُقلتُهتُنْميَ إليها جُفونُ الشَادنِ الخَرِقِ
قالوا: تمكَّنَ من أجفانه رَمَدٌأبدى مَحاجِرَها في حُلَّة السَّرَقِ
فقلتُ بل وجهُه شمسٌ منوِّرةكسَتْ لواحظَه من حسرة الشَّفَقِ

وله في غلام خازن:

أيا خازناً خازناً للحِفاظِ أَصْبَى الأنامَ بوجهٍ مليحِ
لئِنْ كنت تحفَظْ مالي لقدأضعتَ بهجرك قلبي وروحي

وله في غلام مجدور:

وذي جُدَرِيّ يُشْبِهُ البدرَ طالعاًفكلٌّ لمِا يلقاه من حبّه أَرِقْ
صفا وانتهى وابْيَضَّ وازدادَ صورةًمعشَّقةً جَفْني بدمعي بها غَرِقْ
كأنّ النِّساءَ استبشرتْ لصلاحهوسُرَّتْ قلوبٌ فيه بالوجد تحترقْ
فألقت عليه الغِيدُ نثرَ عقودِهافمجتمِعٌ من حبّهنّ ومفترقْ

وله في غلام خياط:

مررتُ بخيّاط حكى البدرَ طلعةًوشاكلَ غُصنَ البانِ إِمّا انثنى قَدّا
يقُدُّ ويَفْرِي الثَّوبَ ثمَّ يَخِيطُهفلِمْ ثوبَ قلبي لا يَخِيطُ وقد قَدّا

وله في غلام زامر:

وزامرٍ قام قلبي في هواه علىرِجل وبَرَّح بي ترجيلُ لِمَّتِهِ
كأنّما معه نايانِ في فَمِهِنايٌ ونايٌ مُوَارَى تحتَ عِمَّتِهِ

وله في غلام رَمِد أيضاً:

قالوا غدت عينُه حمراءَ من رَمَدفقلتُ حاشا لها ما ذاك من أَلَمِ
بل ذاك لمّا أصابت قلبَ عاشقِهاسِهامُها خُضِّبتْ من كَلْمه بدمِ

وله:

كالبدر في الليل البَهِيمِ إذا بداوالغُصنِ في وَلَع النَّسيمِ إذا مشى
ويُديرُ من غُنْج المَحاجِر مُقْلَتَيْنَشْوانَ من خمر الدّلالِ قد انتشى
قلتُ الوصال فَدَتْك نفسي فالهوىقد كادَ يُتلِفُني فقالَ كما تشا

وله:

مَنَحْتُك صَفْوَ الوُدِّ إذْ نحن جِيرةٌومَوْرِدُنا في الأُنس جَمُّ الجداوِلِ
وأَمَّلْتُ ما قد كان من رُتَب العلىفلا تُحْدِثَنْ لي فيك زَهْوَ مُطاوِلِ
فإِنَّ الغصونَ الشّامخاتِ يُمِيلُهاجَناها فتدنو من يد المُتَناوِلِ

وله:

عطفاً سُعادُ فقد أودى بيّ الكَمَدُوخانَني صاحبايَ الصَّبْرُ والجَلَدُ
وعُدت أطلُبُ في تَيّارِ حِبّكمُشريعةً أرتقي فيها فلا أَجِدُ
طَرْفِي جَنَى وفؤادي فيك تابَعَهُفكيف خُصَّ بأثواب الضَّنَى الجسدُ

وله في لُزوم ما لا يلزم في التَّجنيس:

كلَّ يومٍ لا أَراكمهو عندي مثلُ حَوْلِ
فأنا المُدْنَفُ بالشَّوْقِ ولا عُوّادَ حَوْلي
جُلُّ ما ألقاه فيكمأَنْ أُعانيهِ بحَوْلي

وله أيضاً يفضل النساء على المرد:

يا مغرماً بالمُرْد جهلاً لقدأسرفتَ في حبِهِّمْ واعتدَيْتْ
عندَ الحِسانِ الغِيدِ ما عندَهمفمِلْ إليهِنَّ وخُذْ فضلَ بَيْتْ

النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.