من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الحكيم أبو العلاء
محفوظ بن المسيحي بن عيسى النصراني النيلي الطبيب
سكن واسط وعرف بها واكتسب بالطب.
وكان عالماً فاضلاً مرضي الصنعة في مداواة المرضى مستقيم الرأي في تسقيم السقيم.
لم يزل متردداً إلي مدة إقامتي بواسط: استطبه، وأجد - بمنة الله - بطبه من الصحة ما أستحبه.
كان لهجاً بالإلغاز، ولما يسمعه من ذلك شديد الاهتزاز، وأشعاره فيه مستقيمة الصدر سليمة الأعجاز.
توفي في أوائل سنة ستين وخمس مئة، وكان قبل ذلك بأشهر قريبة نجتمع ونتذاكر ما قيل في الألغاز.
فمما أنشدنيه لنفسه بواسط، في عاشر شوال سنة تسع وخمسين وخمس مئة، يلغز بالعقل:
ما حاضرٌ ما يُرَى له شخصُكأنّه في اختفائه لِصُّ
يُضيءُ في البيت كالسِراج وقديشوبُ وقتاً ضِياءَه غَمْصُ
يَبين نقصانُه وليس لهرُجحانُ كَمّيَّةٍ ولا نقصُ
لكنّه عادلٌ يَميلُ ومارأيتُ ميلاً بالعدل يختصُّ
يَهْزِمْ جيشَ الخطوب مقتدراًوَهْوَ يُرَى وَهُوَ عاجزٌ نكصُ
أعوانُه عِدَّةٌ ثمانيةٌبهم يَتِمُّ الضَّلال والفَحصُ
فَهْوَ كَنُوحٍ في الفُلْك مستتروهمْ كأَصحابه إِذا أُحْصُوا
ذكر: أن أصحاب نوح، ﵇، عِدَّتُهم ثمانية.
أَبِنْهُ يا من غدا بفِطنتهوعلمِه للأُمور يقتصُّ
فقد كشَفْت الغطاء مجتهداًحتّى بدا ما ظُهورُهُ نقصُ
وأنشدني لنفسه في الإِلغاز بالرُّمَانة:
يا عالماً يستفهِمُعن كلّ ما يستبهِمُ
ما حاملٌ عذراءُ لمتَزْنِ ولا تُتَّهَمُ
أولادُها في جوفهاتحتَ الضُلُوعِ جُثَّمُ
كلٌّ لها من ربّهاعليه ثوبٌ يُقْسَمُ
شِفاهُها كثيرةٌفأَعْلَمٌ وأخرمُ
لكنْ لها فردُ فمٍورأسُها هو الفَمُ
من الجِنان أُخرجتْوللجحيم تُسْلَمُ
قال: أعني بالجحيم المعدة.
وما أتت جريمةًإِذْ مثلُها لا يُجرِمُ
بل فضلُها عندَ الأنامِ ظاهرٌ يُغْتَنَمُ
أمثالُها بينَهُمُلها صفاتٌ تُعلَمُ
فالبعضُ منها حاكمٌيَعْدِل فيما يحكُمُ
يعني رُمّانة القَبّان.
والبعضُ منها في الصُّدُورِ جالسٌ يحتشمُ
يعني النَّهْد.
كلٌ يَرى حقوقَهعليه قرضاً يلزَمُ
ومن شهيرِ أمرِهاإذْ مثلُها لا يُكتَمُ
أَنَّ بها يشفَى السَّقيمُ والنَّديمُ ينعَمُ
وقد كشَفْتُ سِرَّهاوعندَ هذا أَخْتِمُ
وأنشدني لنفسه في المَصْمَغَة إِلغازا:
مؤنَّثةٌ مُلَمْلَمَةُ الجُنُوبِلها بطنٌ مُضَمَّخَة بطِيبِ
تراها وَهْيَ لمّا تأتِ ذنباًمعلَّقةً كمخنوقٍ صَلِيبِ
لها ذَكَرٌ يَلُوط بها جِهاراًولا يَخْشَى ملاحظةَ الرَّقيبِ
يُعاقدُها فمَخْرَجُها عسيرٌكزُبّ الكلبِ من بَعدِ الوُثوبِ
وأنشدني لنفسه، في كِيزان الفخار:
ما صُوَرٌ كوَّنَها رَبُّهامن عالمَ الجِنّةِ والإِنسِ
فأَصبحتْ للإنس معشوقةًتُهدِي إِليهم لذّةَ النّفسِ
وفارقَتْ عالَمَ أضدادهاراغبةً في صحبة الجِنْسِ
إِنْ بانَ فيها دَنَس أو بدالها مَعابٌ ظاهر اللُبسِ
فما لَها من بَعْدِها رجعةٌإلى مَقَرّ الوصلِ والأُنْسِ
فما هُمُ يا مَنْ غدا عالماًيَحُلُّ ما يُلْغَزُ في الطِّرْسِ
وأنشدني أيضاً لنفسه، في الناي، إلغازاً، بواسط، في ذي الحجة سنة تسع وخمسين وخمس مئة:
ومملوكٍ رَشيقِ القَدِّ أَلْمَىبه تلهو وتبتهجُ النُّفوسُ
صَمُوتٌ ناطقٌ أَرِقٌ نَؤْومٌعجيبٌ شخصُه شخصٌ نفيسُ
ويوحشُ ذِكرُه رَبْعَ التّصابيولولاه لمَا أنِسَ الجليسُ
له رأسٌ يخالفُ منه جسماًبلا رِجلٍ فقِسْ فيما تَقِيسُ
إِذا ما بانَ عنْه ظَلَّ مَيْتاًوإِمّا عادَ عادوه الحَسِيسُ
يَئِنُّ أَنينَ صَبٍّ مُستهامٍمَشُوقٍ قد نأى عنه أَنِيسُ
وليس بذي صَبابات فيَهْوَىولكنّ الهوى فيه حَبِيسُ
وله مُعَمَّى في محبوب له، اسمه سعيد، أنشدنيه لنفسه:
وذِي غُنْجٍ علِقتُ هواه بَلْوَىفبَلْبَلَني بطَرْفٍ بابِليِّ
له اسمٌ ضدّ حالي في هواهففتِّشْه تَجِدْه بغيرِ عِيِّ
إذا أسقطتَ حرفاً منه يوماًفذلك يومُ أفراحٍ ورِيِّ
وإن أسقطتَ ثانيَهُ اتِّباعاًغدا مَوْلىً لعبدٍ أو وَلِيِّ
وإن أسقطتَ ثالثَهُ اختياراًيصيرُ اسماً لعبد أَرْمَنِيِّ
وإن أسقطتَ رابعَهُ اضطراراًأَتى نوعاً من المشي الوَحِيِّ
فإِن تَكُ دَاحِجاً وأخا أَحاجٍففسِّرْ يا أخا القلب الذَّكيِّ
وأنشدني له في اسم كمال:
مالِكُ رِقَي في هواه لهمن اسمه في البيت منظومُ
تَهَجَّهُ واجعَلْ له أوّلاًآخِرَهُ فالاسمُ مفهومُ
وكان له عندي رسم يصل إليه في كل سنة، من الحنطة. فكتب إلي يلغز بها ويطلب الرسم:
عمادَ الدِّينِ دعوةَ مستفيدٍلأَنّك كاشفٌ عن كلّ رَيْنِ
فما صفراءُ كالذَّهب المصفَّىولون لُبُابِها لونُ اللُجَيْنِ
محبَّبَةٌ إلى الأرواح طُرّاًبها تَقْوَى النُّفوسُ بغير مَيْنِ
لها اسمٌ نِصفُه شعب قديمكما زعَموا من إحدى الأُمِّتَيْنِ
ونِصفٌ جَاءَ في القرآن نصّاًلأوّل سورةٍ بقراءَتَيْنِ
لها وقتٌ تُداسُ بكلّ رجلووقتٌ فيه تُرْفَع باليَدَيْنِ
أَجِبْ عنها وُخُذْ بالرَّسم منهاوقاكَ الله آفةَ كلِّ عينِ
وكنت نظمت كُوز الفُقَاع قطعةً لُغزاً وأنشدتها إيّاه، فأثبتها، ثمَّ حضر بجوابها.
والأبيات التي هي لي:
ما صورةٌ ما مثلُها صُورَهْكأنَّها في العمق مطمورَهْ
تُمطِرُ للَّريّ ومَنْ ذا رأىمطمورةً للرّيّ ممطورَهْ
منكوحةٌ ما لم تَضَعْ حملَهامسدودةُ الأنفاسِ محصورَهْ
محرورةُ القلبِ ولكنّهامضروبةٌ بالبَرْد مقرورَهْ
كأنّما النّارُ بأحشائهاعلى اشتداد البردِ مسجورَهْ
تَظَلُّ مُلْقاةً على رأسهاخمّارة تُحْسَبُ مخمورَهْ
مُعارة الهامةِ من غيرهاقصيرة القامةِ ممكورَهْ
كأنّها رأس بلا جُثَّةٍموصولة إن شئت مبتورَهْ
كهامة صَلْعاءَ محلوقةٍما استعملت مُوسَى ولا نُورَهْ
زامرة في فمها زمرهاوَهنيَ بغير الزَّمْرِ مشهورَهْ
دَوّارة إِن أنت أرسَلْتَهامهتوكة الأستار مستورَهْ
مَنْ فَضَّها تبصُقُ في وجههكأنّها بالفُحش مأمورَهْ
تُورِث تعبيساً لمن باسَهاوَهْيَ على ذلك مشكوره
معسولة رِيقتُها مُزَّةٌوَهْيَ على اللَّذَّة مقصورَهَ
وَهْيَ على ما هيَ في إِثْرِهِمُرْسَلةٌ بالهَضْم منصورَهْ
إِن عُقِلت قَرَّت وإِنْ أُنشِطتفَرَّتْ وثارت مثلَ مذعورَهْ
كم عسلٍ ذاقت وكم سُكَّرٍوأنعُمٍ ليست بمكفورَهْ
ملمومة من صخرة صَلْدَةفاجرة بالماء مفجورَهْ
من الصَّفا جسمٌ ولكنْ ترىعلى صَفاء الماء تامُورَهْ
فيا حليفَ المأثُراتِ الَّتيأضحت لأهل الفضل مشهورَهْ
انعمْ وعجِّلْ حَلَّ إشكالِهافَهْيَ لَدى فضلِك مأسورَهْ
وجواب الحكيم النيلي عنها، أنشدنيه لنفسه:
يا ذا الَّذي أعربَ إِلْغازُهُعن فطنة بالعلم معمورَهْ
إِنَّ التّي أطنبتَ في وصفهاحتّى اغتدت في النّاس مشهورَهْ
صغيرةُ الجُثَّةِ دَحْداحةٌباردةُ المَلْمَسِ محرورَهْ
تعذّبتْ في النّار حتى إِذاماتت غدت في الثَّلْج مقبورَهْ
مجبوبةُ المَخْرَجِ لكنّهامنكوحةٌ ليست بمستورَهْ
إِنْ فَضَّها النّاكحُ مقهورةًفاضت بماءٍ فيضَ ممخورَهْ
أو بصَقَتْ في وجه مُفْتَضِّهافإِنّها في ذاك معذورَهْ
لأنَّها تسقيهِ خمراً بهايحلِّلُ المخمورُ تخميرَهْ
ويُصبِحُ الشَّبْعانُ ذا شهوةٍكلبيَّةٍ بالجوع مذكورَهْ
صورتُه تحكي إذا قِسْتَهامَصْمَغَةً بالصَّمْغ مأسورَهْ
فهذه من طينة صُوِّرَتْوفي لَهيب النّار مسجورَهْ
وتلك من جَوْهرةٍ صَلْدَةٍمذابة بالماء مقهورَهْ
فخُذْ جوابي مُلْغَزاً مثلَماأَلْغَزْتُه في هذه الصُّورَهْ
وَهْيَ لمَنْ يُؤْثِرُ كشفي بهافُقَاعةُ الفُقَاعِ محبورَهْ
النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع