من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الكمال أبو عبد الله الحسين بن عبد الباقي بن حراز
هو ابن أخت ابن المعلم. من أهل الهمامية من أعمال واسط.
الكمال، بن حراز ذو كمال في الأدب أحرزه، وإبريز فضل على محك الانتقاء والانتقاد أبرزه. همام همامي همه الاهتمام بالأدب، وهمته عالية تدل على كمال الحسب.
كاتب باتك اليراع، صانع كأنما وشيه حوك الصناع. منشئ يوشي برقمه، ويسرق سرق المعاني من نثره ونظمه. هو لحلي القول صائغ، وكلامه عذب شرابه سائغ.
حبر تحبيره منشى الشعر، لا موشي الشعار؛ وتحريره دراري النثر، لا درر النثار.
إذا سود البياض بيض سواد الحظ بخطه، وإذا رقم القرطاس قرطس بسهم الإصابة لوقم حاسده وحطه.
فقره فاقرة فقار الحسود، وكلمه كالمة أكباد الأسود.
ذو سؤدد، نزهه من سوءددٍ. وأخو مجدٍ مجد في الأمر، مجيد في الشعر، مجيدٌ غير مُجتدٍ، ما نظم قط لاجتداء، ولا طلب حباء. فقد أغنته القناعة عن القنوع، فهو ضنين بماء وجهه المصون الممنوع.
صديق لي صدوق، وشقيق شفيق. مساعدي كساعدي، ومرافقي كمرفقي، وأخي المتوخي مرادي، وحميمي الحامي ودادي، وناصحي في الملمات وناصري، ونائبي في دفع النائبات ومؤازري. وما كنت أستأنس إذ كنت أنوب عن الوزير في الهمامية إلا به، وأتأدب في مجاورته ومحاورته بآدابه، وكانت ملازمتي من دابه.
فضائله كثيرة، وشمائله كالخمائل منورة منيرة، ففرق بيننا الدهر طارق الصرف، حتى تجرعت صِرف الصرف وعزلي، وإن كان في هذا الوقت أعز لي، غير أنه باعد بيني وبين أصدقائي في عملي.
فنسأل الله العفو والعافية، والعيشة الصافية، والمعيشة الكافية، والتوفيق للموافقة، في المرافقة، والصدق في المصادقة.
ثم سافرت إلى الشام، فنعي إلي في سنة إحدى وسبعين وخمس مئة.
وسأخرج عقوداً من لآلئ الكمال، ونقوداً له لا تبهرج على محك الرجال، وقلائد، تود الترائب بها توشح، وفرائد، بمياه الفوائد ترشح.
أنشدني لنفسه كلمة في نظم الجمان، يعاتب فيها رئيس الهمامية أبا السعود بن مروان، وهي سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة، رحمه الله تعالى:
شكا مجدكم ما نالني من جفائكمفأوسعكم عَتْباً به الدَّهر يلفظُ
وظلَّت عُلاكم تنتحي بملامةعليكم وبعضُ اللوم للحُرّ أوعظُ
أَبَحْتُم حِمى سَرْحي ذِئاباً ضَرِيَّةًتَعاوَى فَهّلا كان منكم تحفُّظُ
وكدَّرْتُمُ بالهجر صفوَ عقيدةٍيُصانُ بها سرُّ الوِدادِ ويُحفَظُ
وما كان عهدٌ صحَّ بالسِرِّ عَقْدُهلِيُلغى بأقوال الوُشاة ويُلفَظُ
تُخاتِلُني الأيّامُ فيكم خديعةًولم تَدْرِ أَنّي الحازمُ المتيقِّظُ
وكيف الْتفاتي عن ذَراكم وناظريإليكم وإن شطَت بيَ الدّار يلحظ
وكم كادني الأعداءُ فيكم وسدَّدُواسِهاماً إلى قصدي تُراشُ وتُرعَظُ
حِفاظي لكم مستيقظٌ غيرُ نائموإن كان حظّي نائماً ليس يُوقَظُ
تُهَجِّرُنِي الأطماعُ فيكم فأنثنيبظلّ الأمَاني دائماً أتَيَقَّظُ
فلا تتخالَجْكم ظنونٌ فإِنّنيبغيركُمُ في النّاس لا أَتَلَمَّظُ
وأنشدني له بالهمامية في أواخر جمادى الأولى سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة، في غرض له، يعرض بعامل ظلمه:
حُكمُ العلى ماضٍ وإن لم يُمْضِهِقَدَرٌ جرى بينَ الأَنامِ بدَحْضهِ
مَنْ لم يُهِنْ عَرَضاً تعرَّضَ عِرضُهُلِنبالِ مَنْ في أرضه لم يُرْضهِ
إنَّ القَريضَ على عبارة لفظهما بين تقريظ الفتى أو قَرضهِ
هو مِقْوَلٌ إِنْ قال في ظلّ النَّدَىقال الثَّنا وأقال عثرةَ عضّهِ
وإذا رمى مستهدفاً أَصْمَى متىنُفِضَتْ مَعابِلُ لفظِه عن وَفْضهِ
يجري إلى قَصَب الرِّهانِ مركَضاًفينالُ أقصاها بأدنى رَكْضهِ
هذي نوافذُ من سِهام تنتحيمُغْرىً بإِلْقاءِ الحياءِ ورَفْضهِ
متقاصراً في طُولِه أو طَوْلهِمستمحقاً في عَرضَه أو عِرضهِ
وَجْهٌ يَمُتُّ بسوء منظره إلىشخص تَقاربَ بعضُه من بعضهِ
ونَحافةٌ موصولة بدَمامةتَقضي على كلّ الأنامِ ببُغضهِ
آباؤه شادوا بِناءً في العلىفسعى بسوء فِعاله في نقضهِ
ذو راحةٍ لم يلقَ منها راحةًأحدٌ يروح لفرْضهِ أو قَرْضهِ
ما شِيمَ بارقُه ولا خلَبَ الحشافي خَلْبه بالوعد خُلَّبُ وَمْضهِ
هو قاصرٌ في نفسه ومقصِّرٌفي حالَتَيْ رفع الزَّمان وخفضهِ
تأبى المكارمُ أن يكون لها أباًمَنْ حَقَّها المفروضَ لَمّا يَقْضِهِ
بَعُدت سماءُ المجد عنه فامتطى اللُؤمَ المضاعَفَ راكضاً في أرضهِ
أَنّى ينالُ المجدَ مَنْ في قُربهبُعدُ الرَّجاءِ وبَسْطُه في قبضهِ
أَمْ كيفَ ينطقُ الثّناءُ على امْرِئٍمعروفُهُ لم ينتبهْ من غَمْضهِ
لا جودُه يُرْجى ولا في قُربهفَرَجٌ لمَنْ قعَدَ الزَّمانُ بفرضهِ
يصف الفرس:
مَنْ لي بعزمٍ عَزَّ مطلبُ شَأْوهِمن سابحٍ غَرَضُ العلى في غَرْضهِ
يَطوي على طُول الطَّوَى في مَهْمَةٍبُرْداً تَهالَكَ طُولُه في عَرْضهِ
بالسُّهْبِ أو بالشُّهْب يُنفقُ عُمرَهُما بينَ مُنْقِضِهِ إلى مُنْقَضِّهِ
طِرْفٌ يُغِضُّ بسيره طَرْفَ الفَلاينضو قَميصَ المجدِ منْ لم يُنْضِهِ
ينأى عن اللؤماءِ بي من مطمعيقضي بأَسْوّدِه على مُبْيَضِّهِ
فعوارفُ الكُرَماءِ ختمُ عطائِهاأجللتُ نفسي عن تَعاطي فَضِّهِ
مُذِقت مَذاقتُهم فلو كشَّفْتُهمصَرَّحْتُ شائبَ وْدِّهم عن مَحْضهِ
مُذْ عَلَّنِي عِدَّ السُّؤالِ أَعَلَّنِيوَأعافَ عافيهِ بنَهْلَة بَرْضِهِ
ولما وليت الأعمال الوزيرية استقلالاً، زدته إِجلالاً، ولم أر لحقه إخلالاً. فكتب إلي، وأنا بواسط، لتهديب الأعمال هناك، وكنت قد صعَدت من الهُماميّة، وذلك في سنة أربع وخمسين وخمس مئة:
يا راكباً يَطْوي البلاد بجَسْرَةيُدني البعيدَ ذَمِيلهُا ووَجِيفُها
ضَمِنتْ مناجاةَ المُنَى بنَجائهافغدت وسائقُها الرَّفيقُ عَنِيفُها
خَفَّتْ وما ألوتْ على وادي اللِوىفي حاجةٍ حَمَلَ الثَّقِيلَ خفيفُها
يسمو إلى نيل الغِنَى بعزيمةمِن دُونها عالي الذُّرا ومُنِيفُها
إِرْبَعْ على رَبْع العزيزِ فإِنّهربُّ الأَيادي السَابغاتِ حليفُها
واعمَدْ عِمادَ الدِّين بالأمل الذّيلك واغْنَ عن أرض تَظَلُّ تطوفُها
من دَوْحَة العلياء غصنُ نوالِهاغضٌّ ودانيةٌ عليك قُطوفُها
أورى زِنادَ الجُود منه للورىفسعى إليه غنيُّها وضعيفُها
وكا النَّدِيَّ نَداه نَوْرَ مواهبٍسِيّانِ فيه ربيعُها وخَريفها
للمجد فيه خلائقٌ مَرْضِيَّةٌيدعو القلوبَ إلى ذَراه لطيفُها
مُذْ سافَ عَرْفَ المجدِ لم تَنْفَسْ بهنَفْسٌ يَرُدُّ مرادَها تسويفُها
كم عُصبةٍ عصبت بها عصيانَهصَلَف فمدَّ إلى رِضاه صَلِيفُها
رفَعت منارَ الكيد حتّى حطَّهأنْفاً وقد رُغِمت لَدَيْه أنوفُها
كم قلمّت ظُفْرَ العِدى أقلامُهيوماً ويَحرِفُ كيدَهُمْ تحريفُها
بشبَاتها شُبَّتْ لهم نارُ الوَغَىغَنِيَتْ بهنَّ رِماحُها وسُيوفُها
بالحامِدِيِّين الأُلى آثارُهمفي المجد ليس بمُنَكْرٍ معروفها
تَصِلُ العلى أسبابُهم وبجودهمإِن شَتَّ شَمْلُ مكارمٍ تأليفُها
وتحلَّتِ الدُّنيا لهم بمناقبهيَ للعلى أَقراطُها وشُنوفُها
مُذْ ثُقِّفت آراؤها وقَناتُهادانت لهم عَبْسُ القَنا وثَقِيفُها
شرَعُوا له في المَكْرُمات شريعةًفغدا ومذهبُه القَويمُ حَنِيفُها
في حَلْبَة العلياء كان رِهانُهفجرى ومنه جَوادُها وقَطُوفُها
فإِذا بلَغْتَ مُناك منه فلا تَحُلْعن وقفةٍ يُجدي عليك وقوفُها
وامثُلْ بخدمته الشّريفةِ مُبْلِغاًلتحيَّتي إِذْ فاتَني تشريفُها
واذكُرْ وَلايَ له وحُسنَ عقيدةٍفي حبه لم يثنه تعنيفها
وانشر فضائل مجده برويةراقت معاني لفظها وحروفُها
تُثني عليه وتنثني بثنائهاتختالُ من طرب ومنه شُفوفُها
ما أسفرت عن وجهها بل سافرتوالنَّصْفُ أَنْ يُلْقَى لَدَيْهِ نَصِيفُها
فارقتُه متكّرِهاً وفَرِقْتُ مننُوَب الليالي أن تنوبَ صروفُها
وخَلَصْتُ من زمني بإِخلاصي فقدزَلَّتْ نوائبهُ وزالَ مَخُوفُها
أوفيتُه كيلَ الوفاءِ وإِنَّمايُزري بكلّ محبَّةٍ تطفيفُها
كلَّفتْ نفسي إِذْ كَلِفْتُ بحبّهما لم يكن من عاديت تكليفُها
يا أيُّها المُثْنَى عليه بلفظهوُصِفت عُلاه فزانَها موصوفُها
عذري إليك من الليالي أَنَّنيمتصرّفٌ ما شاءَ بي تصريفُها
في بلدةٍ إن لم تكن لي حاجةٌأثنى عليَّ دَنِيُّها وشريفُها
تُنْحي إِليَّ أكفُّهم بإِشارةٍفكأنّني في كَرْخِهِمْ معروفُها
ومتى تجدَّد لي إليهم رغبةٌأُلفيتُ أَنّي للسَّبيل مُخِيفُها
وإِذا أردتُ البُعدَ عنها صَدَّنِيعنه خَدِين قُرَابةٍ وَأليفُها
وعَلِمْت أيَّ محلَّةٍ أوطِنْتُهاسيَطيبُ مَشْتاها بكم ومَصِيفُها
خُذْها إليك هديّةً من مخلصيَبْقَى عليك تَلِيدُها وطَرِيفُها
قد هذَّبته من الزَّمان تجارِبٌكثُرت وقَوَّمَ دَرْأَه تثقيفُها
فاختار رأياً في وَلائك صائباًإِن عُدَّتِ الآراءُ فَهْوَ حَصِيفُها
فراجعته بقصيدة طويلة أوَّلُها:
إِنَّ الخطوبَ على عِداك مَخُوفُهاوكذا الليالي سالمتك صُروفُها
وقضى القضاءُ برتبة لك في العلىشَمّاءَ لم يُفْرَعْ إليك مُنِيفُها
واتَتْكَ أَقدارُ السَّماء وَأتَتْك منخيراتها أنواعُها وصُنوفُها
ومنها:
وتَحَمَّلِي ريحَ الشَّمالِ تحيّةًعنّي حَكاكِ رقيقُها ولطيفُها
لِيَعُودَ في ريح الجَنْوبِ جوابُهاإن كان يحتملُ القويَّ ضعيفُها
وصِفِ الحسينَ تَجِدْ وراه محاسناًيا صاحِ يُكْرَمُ ضيفُها ومُضيفُها
مَنْ هَمُّه في المَكْرُمات حَرِيصُهامَنْ نفسُهُ في المُخزيات عَيُوفُها
وإذا حوى عثَراتِ آدابٍ فتىًفله على رُغْم الحسودِ أُلُوفُها
كن يا ابنَ حَرّازٍ لُودِّي مُحْرِزاًلك في العهود تلِيدُها وطَريفُها
ومنها:
أنا أحنفٌ في الحِلم عن أمثالهموشريعتي ما عِشتُ فيه حَنِيفُها
لي هِمَّةٌ تأبى الدَّنايا قد سمتوَأعَزَّ نفسي بأسُها وعُزوفُها
ولكم عراني حادثٌ ثمَّ انجلىعنّي كما يعرو البدورَ خُسوفُها
أَهْدَى السَّقامَ إلى النَّحافة بُعْدُكموالسُّمْرُ يُحسَدُ في الطِّعان نَحِيفُها
ومنها:
ماذا تَسُرُّ ولايةٌ عُمّالُهافي ذِلَّة وعَزِيزُها مصروفُها
في الحظّ منصرّف حكى متصرِّفاًهيَ لفظةٌ وبنقطةٍ تصحيفُها
ولما فارقت العمل بواسط، كتبت إليه من بغداد:
أَقسمتُ لا جُزْتُ الكمالَ مَوَدَّةًإِنَّ الَّذِي جازَ الكمالَ لَناقِصُ
أَختصُّهُ بالوُدّ من دُونِ الورىفله عليهم مِيزَةٌ وخصائصُ
صدَقَتْ عقيدتُه وعُقدةُ صدِقهلمّا تُحَلَّ وسِرُّه لي خالصُ
عَزَّ الصَّديقُ فإِن قنَصْتَ صداقةًصُنْها فإِنَّ الأَصدْقاءَ قنائصُ
تَفْدِيك أشخاصٌ وُجوهُ وِدادِهمسَفَرَتْ وأحداقُ الحقودِ شَواخِصُ
هجَّرْتُ في ظِلّ السُّكون إِليهمُفي الحادثات وكلُّ ظِلٍّ قالصُ
أقرضتُهم حُسنَى فجازوني بهاسُوَأى وكلٌّ قارضٌ أو قارصُ
كالماء بانَ الظِلُّ معكوساً بهفبدت مكانَ الرُّوسِ منه أَخامِصُ
قل للثَّعالب لا تَغُرَّكِ خلوةٌفي الغاب لمّا غاب عنه فُرافِصُ
سيعودُ في طلب الفرائس ضَيْغَمٌذو سطوةٍ وستقشعِرُّ فَرائصُ
كلُّ لعَقْدِ يمينه لي ناكثٌكلٌّ على عَقِب المَودَّةِ ناكصُ
ولهم عقائدُ ملؤهنَّ حَقائدٌعُقَدُ النِّفاقِ كأَنَّهُنَّ عَقائصُ
فرعُ المَعِيبِ الأصلِ يحكي أصلَهُوله مَعايبُ مثلُه ونقائصُ
جَهْمٌ مُحَيّاه خبيثٌ عِرضُهلؤماً وعارِضُه جَهامٌ ناشِصُ
أنت الَّذي أنجدتَني بنصيحةإذْ صَرْفُ دهري عارقٌ لي واهصُ
ما خِبتُ حينَ فحصتُ عن مكنونهظنّاً ألا إِنَّ الصَّديقَ لَفاحصُ
وأفاضَ لي سَجْلاً رِشاءُ وفائهكرماً وأرشيةُ الجميعِ مَوالصُ
كم غُصتُ حتّى حُزتُ وُدَّك أَبْحُراًولَرُبَّما حاز اليتيمةَ غائصُ
سأزَمُّ نحوَك لِلِّقاء قَلائصاًيا خيرَ مَنْ زَمَّت إليه قَلائصُ
سواد أعلى دجلة
واسط وما يليها
الشيخ أبو الكرم خميس بن علي بن أحمد بن علي
الحوزي
والحَوْزُ قرية بإِزاء واسط من شرقيّها الأعلى.
كان حَوْزِيَّ الأَصل، واسطيّ المولد والمسكن والأهل، ومُعَلِّماً، لم يزل ثوب فضله مُعْلَماً، ومؤدِّباً مهذّباً مهدياً: كلُّ متأدب إلى ورود علم خميس خامس، وبه أنار بواسط لأهلها كل ليل من الجهل جنحه دامس.
فرد، هو في خميس من الفضائل متفرد. من مكتبه خرج الكتاب الأفاضل، حافظ، للحديث بالصواب لافظ، وراوٍ للأخبار لعلمها حاوٍ، وناقلا، للآثار الشريفة، لمشرفيها صاقل، ومخبر، عن الأنباء النبوية معرب معبر، وفقيه لا يفتأ يفتي في اللغة والشرع، ويشرع في أصل المذهب
والفرع. حبرٌ بحرٌ، رحبٌ ربح من ابتاع من متاعه، وخسِر من لم يَكِل بصواعه، وسعى في إضاعة بِضاعته، ولم يتعلم من صناعته. فالعلم في ذاته عزيز وإن أذله الجهال، رشيد هادٍ صاحبه وإن أضله الضلال. وناظم محسن، له شعر حسن، ومنطق ولسن.
أسن، وماء علمه ما أسن، وشاخ، وخمر فضله الجم ما باخ. وهرم، وحبل أدبه ما صرِم. ومات وأثره ما فات.
وتوفي، بعد طويل من العمر وفِيّ. فمشايخ واسط الآن عنه يروون، وبالرواية عنه يرتوون.
له في الحث على إعارة الكتب، ما أنشدنيه الشيخ الإمام العالم الفقيه هبة الله، بن يحيى، بن الحسن، بن البوقي، الشافعي، الواسطي له:
كتبي لأهل العلم مبذولةٌأيديهِمُ مثلُ يدي فيها
متى أرادوها بلا مِنّةٍعاريةً فَلْيَسْتَعِيرُوها
حاشايَ أن أمنَعَها عنهمُكلا كما غيريَ يُخفيها
أعارنا أشياخُنا كتبهموسُنَّةُ الأشياخِ نُمْضِيها
وله:
أين مضت عزَّةُ نفسي التيكنتُ بها أُعرف بين الورى
يجري عليَّ الوَيْلُ فيها فلاأَقوى مكافاةً على ما جرى
ما ينقضي عُجْبِيَ من مُقْبِلصيَّره جورُ الهوى مُدْبِرا
وله في مدح زرقة العين:
وعابُوا زرقةَ العينينِ منهالِيُوكَسَ حسنُها بين المِلاحِ
ولولا زرقةٌ في الفجر تبدولمَا عُرِف الظَّلام من الصبَّاحِ
وله:
وصاحب كنت أستشفي برؤيتهفآضَ من كَثَبٍ من أدوإ الدّاءِ
حالت به الحالُ من بعدِ الصَّفاء إلىأن صارَ يتبَعُ حُسّادي وأعدائي
أطلعتُهُ طِلْعَ أحوالي على ثِقَةبأنَّه لا يُبادِيني بنَكْراءِ
فحين غيَّرهُ صَرْفُ الزَّمانِ بدايَبُثّ ذلك عَوْداً بعدَ إِبداءِ
واللهِ ما وَثِقت نفسي إلى أحدمن بعدِه فبلائي من أَودِّائي
وله:
تركتُ مقالاتِ الكلامِ جميعَهالمبتدع يزهو بهنَّ إلى الرَّدَى
ولازمتُ أصحابَ الحديثِ لأنّهمدُعاةٌ إلى سُبل المكارمِ والهدى
وهل يترُكُ الإِنسان في الدّين غايةًإذا قال قَلَّدْتُ النَّبِيِّ مُحَمَّدا
وأنشدني الشيَّخ الإمام العالم أبو جعفر، هبة الله، بن البوقي له:
يعِزُّ عليَّ أن أرى ذا مُروأةمن النّاس لا أَسْطِيع تغييرَ حالهِ
ولو كان لي مالٌ لَصادفَ مالكاًبجودُ ببذل المالِ قبلَ سؤالهِ
النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع