من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الصارم مرجى بن بتاه البطائحي
خال مهذب الدولة، بن أبي الجبر.
من فحول الشعراء، وأعيان الفضلاء. غير أنه كان هجاءً، على الثلب هجاماً لا يرى عن الهجاء البتة إحجاماً. فلسان الصارم صارم، مصاول مصادم. قريضه كالمقراض في قطع الأعراض بما له من الأغراض. وكلمه كلم، والحرب في نظره سلم، وثلبه ثلم. لا يثلب إلا كبيراً، ولا يثلم إلا سريراً. فكم أجرم مرجى، ومزح في هجو مرجى حين هجا، حتى هجا ولده وامرأته وخاله وأجرى على هذا النمط عمره حاله.
وجه هجوٍ، أحب إليه من وجه حسن حلو. فكم صاد بفخ سخفه حباء، ونال بإثارة رهج هجر نوالاً وعطاء.
وكان هذا ابن بتاه بتاتاً لحبال ذوي الحباء، مقاتاً للكرماء، أجهل
هجاءٍ للكبراء، وأضرك راضٍ بضراء. لكنه رأى في زمانه، مع أقرانه، سلوك تلك الطريقة أقرب إلى الحقيقة. وكان بعد في الناس بقية، ومن له على عرضه حمية فيقطع لسان الشاعر بإحسانه، ويكف غرب لسانه.
ولو عاش إلى هذا العصر، لرأى للأغنياء راية النصر. فكل جعل عرضه دون العرض لسهم الثلب غرضاً، (في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً). لا يعدون ذا الفضل إلا ذا كدية، ولا يردون طالب شيء منهم لو قدروا إلا بمدية.
فليل الظلم مظلم لا صباح له، وطائر العدل مقصوص لا جناح له. فأين البطائحي لينبط القرح، وينظر من يستحق المدح؟ فقد كان ناقداً بصيراً بالنقد، حلالاً للعقد.
أمر بقتله ابن حماد لما هجاه. وكان في قرية في قرى، فجاءه بعض الأجلاف فطعن بحربته قراه، فأرداه.
له لما قتل سيف الدولة صدقة سنة إحدى وخمس مئة، وأقطع بلاده الأكراد وغيرهم، وضمن كشف تلك الأعمال رجل يقال له ثابت، بن سلطان بن ثابت، ومن الأكراد جماعة يقال لهم بشيرية وجماعة نرجسية، أنشأ مرجى قصيدة، منها:
لقد سَنَّ للسُّلطان ثابتُ سُنَّةًفلا يأمَنِ السُّلطانَ زيدٌ ولا عمرو
مُوافقةَ النُّظَارِ والكشفَ عنهمُولو كان ممّن لا يَصِحّ له العُشْرُ
وقد كثُرَ الإقطاعُ حتّى أظُنُّهسيُقطَعُ كلبٌ بالجَزِيرة أو هِرُّ
ثلاثونَ ألفاً للبَشِيرِيّ وحدَهفدَعْ عنك ممّن لا يجوزُ له ذكرُ
وعشرون ألفاً أُقطعت نرجسيّةٌكثيرٌ لها ألفٌ ولو أَنَّها بَعْرُ
ولولا سَفاهُ الرَّأيِ كان عليهِمُمن الغَنَم الأعشارُ والصُّوف والشَّعرُ
وما كان اسياكيلُ يَرْكَبُ خَلفَهجِيادَ البَراذينِ البَشِيريَّةُ الحُمْرُ
ويركَبُ سلاّر أخوه بدهرهومِن خلفه فهدٌ وقُدّامَهُ صَقْرُ
ورُمحانِ مدهونانِ يَخْفِقُ فوقَهاعُقابانِ مكتوبٌ على وجهه نَصْرُ
وأصبحت لا أدري إذا ما رأيتُهُأقد جُنَّ أسياكيلُ أم خَرِف الدّهرُ
سلامٌ على مال العِراقِ فإِنَّهمضى حيثُ لا نفعٌ لذاك ولا ضُرُّ
فشَطْرٌ لأتراك ومن دونِها النَّهْرُوشَطْرٌ لأكرادٍ ومن شأنِها الغدرُ
وشَطْرٌ لكُتَابٍ وما فيهِمُ صدرُوشَطْرٌ لحُجّابٍ وما بِهمُ فخرُ
وشَطْرٌ لِصبيانٍ يتامى ونِسوةٍأَيامى وما في برِّ أكثرِهم أجرُ
وفي هِيتَ والأَنْبارِ للنّاس عِبْرَةٌإذا أبصروا يُمْناً كما انكسف البدرُ
كانَّ غُراباً فوقَ أعوادِ سَرْحَةلكَ الخيرُ إِن لاقيتَهُ وله الشَّرُّ
كأَنَّ عليه حُلَّةً من إِهابهوقد طُلِيت بالقار أو مَسَّها الحِبرُ
ومنها يذكر خوفه ممن هجاهم:
إذا ما عبَرْتُ النَّهرَ يوماً وأصبحتتَخِبُّ بيَ الجُرْدُ المُحَجَّلَةُ الغُرُّ
فأدنَى بلادِ اللهِ منها وإِنْ نأتوأكثرُها عدلاً وآمَنُها مِصْرُ
هنالك لا أخشى عظيماً هجوتُهوتُكتَمُ أشعاري كما يُكتَمُ السِّرُّ
فيُقِنعُني أَنْ لا أرى مَنْ أَخافُهُبِمِصْرَ على نفسي وإِنْ ظهَر الشِّعرُ
وله بيتان، أنشدنيهما مجد العرب العامري في هجو ثلاثة من الكبراء، وهما:
ثلاثةٌ كأثَافِي القِدرِ أَبْرامُمظفَّرٌ ودُبَيْسُ اسْتٍ ووَرّامُ
قومٌ إذا قامَ قومٌ للعلى قَعَدُواوإِنْ تنبَّهَ قومٌ للعُلَى نامُوا
هذا البيت الأخير نادر في الهجاء يعجز عنه فصحاء البلغاء.
وأنشدني أبو الفضل عبد الرحيم بن الأخوة، الشيباني: أنشدني ابن بتاه لنفسه، يهجو أخاه والمعنى في غاية الحسن لم يسبق إليه:
أيُّ حرامٍ من الحَلال أَخيكأَنّه الخمرُ إِبنةُ العِنَبِ
قاتلك اللهُ يا أَخي فلقدفضَحْتَنا في قبائلِ العَرَبِ
كأَنّنا الغُرُّ من قُرَيْشَ سَمَوْاوأنت ما بينَنا أبو لَهَبِ
وله في ولده:
هَيْهاتَ أَن يُفْلِحَ مسعودُوفيهِ كالجوزة تعقيدُ
وليس للجوزة من كسرهابُدٌّ وكسرُ الجوزِ محمودُ
كأنَّما مسعودُ عُودٌ فماينفَعُ حتَّى يُحْرَقَ العودُ
وله في زوجته يهجو. وقد أحسن في وصفه تكمش وجهها:
ولا زَوَرْدِيَّة الثَّناياقد قَمَّعَتْ رأسَها بقِيرِ
كأنّما وجهُها قميصٌقد فَرَّكوه على حصيرِ
وَيْلي على ما وقَعْتُ فيهاأوقعها اللهُ في السَّعِيرِ
وله في ولده أيضاً:
لي ولدٌ لا وَلَدتْ أُمُّهُأَعْذِلُهُ الدَّهْرَ فما يَرْعَوِي
الله قد صيَّرَه أعوجاًيا ذَنَبَ الكلبِ أما تَستوي
وله في زوجته أيضاً:
قالوا تزوَّجْتَ دُبَيْسِيَّةًأضرى من الذّئب على الشّاةِ
تقديسُها النَّخْرُ وتسبيحُهاوهاتِ تَقْرَا في التَّحِيّاتِ
وله في ابن أخته مهذب الدولة، بن أبي الجبر:
عليَّ لمولايَ الأميرِ ثلاثةٌتُعَدُّ له عندي من الطَّوْل والْمَنِّ
إذا جئتُ قال النّاسُ قد جاء خالُهوأدخُل أحياناً عليه بلا إِذْنِ
وإِنْ ضُرِب الطَّبلُ الشَّريفُ سمِعتُهُبأُذْني وهذا الحظُّ في غاية الحُسنِ
وله فيه أيضاً:
ولا تتَمَنَّ خيراً لابْن أختٍولو أَلْفَيْتَه بَرَّاً وَصُولا
فإِنّي كنتُ أوّلَ من تمَنَّىله عزّاً فصار به ذليلا
وله في الأمير نصر ولد مهذب الدولة:
رأيتُ مَضْرِب شَعْرٍفقلتُ ماذا السَّوادُ
فقيل مَطبَخُ نصرٍفقلتُ أين الرَّمادُ
فقيل لي فيه بِنُّوكامَخٌ وجَرادُ
وليس فيه سِوَى ذاوللجَمال يُرادُ
وله يهجو أهل الحُويزة:
وكم في بني أسد من أميرٍيُنالُ على دَلّهِ والعُجابِ
فتزيينُ طُرَّتهِ للنّسِاءِوتدويرُ فَقْحَتِه للزِّبابِ
وله في مظفر بن حماد:
يا رَبِّ يا رَبِّ اِرْحَمِ النّاساواجعَلْ أميرَ الغَرّافِ عَبّاسا
إِنّ ابنَ حَمّادَ قد طغى وبغىبغياً عظيماً وَأرهقَ النّاسا
وكان من شؤم بَخْتِه ذَنَباًفصارَ من شؤمِ بختِنا راسا
وله في بعضهم:
للهِ دَرُّك أيُّ فارسٍ بُهْمَةٍفي الدّار منك وأيُّ مُوقِدِ نارِ
نارٌ ولكن لا تُضيءُ وفارسٌفي البيت يَفْرَقُ من دبيب الفار
وله في أبي البدر، قضاعة:
أبا البدرِ كيفَ ترى ما جرىوكيف تلقّاك سوءُ العمَلْ
تركتَ عِمادةَ أرضِ العِراقِوأصبحتَ عامل نهر الجَبَلْ
رَجَعْتَ إلى خَلْفَ لمّا كبِرتَفعُدتَ كأنك بولُ الجمَلْ
وله يهجو:
علق تزوَّج قحبةً مشهورةًخَلِقَتْ وغَيرهُ زوجِها لم تَخْلُقِ
ظلَّتْ مُعَشَّقةً وظلَّ مُبَغَّضاًشتّانَ بينَ مُبَغَّضٍ ومُعَشَّقِِ
ومن العجائبِ أَنّها إِنْ واعَدَتْصَدَقَتْ وإن حَلَفَتْ له لم تصدُقِ
وله:
يا سالماً في بيتِه ما لُهُوَيْحَكَ ما عِرسُك بالسّالمِ
النّفي السُّرْم فدَعْ غيرَهُ ... يَثْغَبُ مثلَ المطرِ الدّائمِ
وله:
علمَّني مذهباً كَفَرْتُ بهكأَنَّني ما عرَفْتُ إِسلاما
فقلتُ هذا من أين تعرِفُهُفقال لي قد كفرتُ إِلْهاما
وله يهجو الأَكراد:
لقد عرَضَ الأَكرادُ جيشاً عَرَمْرَماكفى اللهُ ربُّ النّاسِ شَرَّهُمُ البَقّا
إذا رَكِبوُا واْستَلأَمُوا خِلْتَ أنَّهمذُبابٌ إذا ما كان أكثرهُم زرقا
وما خَلقَ اللهُ الذبابَ لحاجةإليها ولكنْ كي يَغِيظَ بها الخَلْقا
ويُغْمَسُ في المأكول بعضُ جَناحِهفإِنْ مَقَلُوه فيه كان لهم أَتْقى
وليس لهم إلا خِضابُ لِحاهُمُولو حَلَقُوها كان أبقى لهم حَلْقا
وله من قصيدة:
كأنَّني إِذْ وَقَفتُ أُنشِدُهمشعريَ أعمى يَقْرَا على قبرِ
وليس شعري شعراً فتسمَعَهُلكنّ شِعري ضربٌ من السِّحرِ
لو لم يكن بحرُه المحيطَ لمَارأيت فيه عجائبَ البحرِ
والبحرُ فيه دُرٌّ ومَخْشَلَبٌوليس فيه شيءٌ سِوَى الدُّرِّ
والشِّعرُ لا قدرَ في الوَضِيعِ لهإلا إذا قيلَ في ذوي القَدْرِ
وله:
أنا المِلْحُ الَّذي في كلّ شيءمن المأكول يخبُثُ أو يَطيبُ
إذا ما كنتُ في قوم غريباًظننتُ بأَنَّني لهمُ نَسِيبُ
أُعاشِرُهم بمعروف وأعفووَأغفِرُ ذنبَهُمْ ولهم ذُنوبُ
وله من قصيدة يهجو عاملاً:
ليس له شيءٌ سِوَى عِرضِهِمن كلِّ ما يملِكُ مبذولا
قد هَتكتْ زوجتُه سِترَهُولم يكن من قبلُ مسبولا
رَقاصةٌ ما رَقَصت باِسْتِهاإلا وما شدَّت سَراويلا
تُداخِلُ الفَلْكَةَ في رِحْمِهاوتُخرِجُ المِغْزَلَ مغزولا
وكلَّما أَعْوَزَها نائكٌتعلَّلتْ بالسَّحْق تعليلا
لها نَواةٌ فإِذا ساحقتصارتْ لها في الحال إِحْلِيلا
وتركَبُ النّاقَةَ من غُلْمَةٍوتترُكُ الفاعلَ مفعولا
لو عَبَر الفِيلُ على بابهالحَمَلتْ من فوقِه الفِيلا
ولم يَرُعْها عندَ إيلاجِهفيها كعظم السّاقِ غُرْمُولا
ثُمَّ انثنتْ تَنْشُدُ ذا سَلَّةٍوردَّتِ القاتلَ مقتولا
والسَّيفُ لا يُرْهَبُ إِغمادُهوإِنّما يُرهَبُ مسلولا
قد دخَل النّاكةَ مِصْرَ اسْتِهافسَيَّحُوا من تحتِها النِّيلا
وما لِمصرْ مثلُ نِيلِ اسْتِهاوُسْعاً ولا عُرضاً ولا طُولا
إِنَّ الَّذي يَكسِبُه زوجُهاتُعطيهِ للنّاكة برطيلا
وله:
يا دولةَ التُّرْكِ لا رَجَعْتِ ولاظُلْتِ بقاءً يا دولةَ العَرَبِ
كِلاكُما واحدٌ وخيرُكُماشرُّ زمانٍ للنّاس منقلِبِ
خليفةُ الله فيكِ محتجِبٌفكيفَ يُرجَى خَلاصُ محتجبِ
وماتَ بكيارُقٌ وإِخْوَتُهقد وجَدوا راحَةً من التَّعَبِ
وطابَ تُفَاحُ أَصفهانَ لهمجهلاً بما في العِراقِ من رُطَبِ
أَظُنّهم قد نَسُوا العِراقَ ولمتَبْقَ لهم حاجةٌ إلى الذَّهَبِ
ولا إلى الخيلِ في أَعِنَّتِهامثلِ السَّعالِي أو المَها السُّلُبِ
وَأَنَّ ما بينَ واسطٍ لهمُوبينَ بغدادَ أشرفَ الرُّتَبِ
خَلِّ أصْفهاناً تَعْوِي الكلابُ بهاوأسْرِعْ إِلينا يا خيرَ مُرْتَقَبِ
واسْتنقِذِ المسلمينَ إِنَّهُمُقد أَشرفُوا بَعدَكُمْ على العَطَبِ
ومنها:
وقد مُنِينا بصاحبٍ مَذِقٍيُحِبّ شعري وليس يرفُقُ بي
أَخافُ من بأسه فأمدَحُهُوأَبلُغُ الجِدَّ وهو في لِعبِ
ومنها في صدقة وكان من سماته سيف الدولة تاج الملوك:
لو كانَ تاجاً لكَانَ من خَزَفٍأو كانَ سيفاً لَكانَ من خَشَبِ
حكي لي: أن مرجَّى بن بتاه قصد سيف الدولة، فلما وصل دهليزه، سمع صوته وهو ينشد هذا البيت فهم بالرجوع فأحس صدقه به، فدخل إليه وعفا عنه ووصله وقال له: لا تقم فإنك هجوت مباركة وكذبت ويقتلك بعض عبيدها فلم يقم.
ومن جملة ما هجاها به قوله:
ولو فتَّشُوا بينَ المقابرِ قبرَهالمَا وَجَدُوا إلا خِصىً وأيُورا
النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع