تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

القاضي العدل أبو القاسم عمر بن الحسن بن أحمد بن الباسيسي (٢)

ومن أخرى: (وعنده من تباريح الاشتياق إلى الخدمة ما يصدع الأطواد، فكيف

الفؤاد؟ ويوهي الجبال، فكيف البال؟ إلا أنه يستدفع الخوف بسوف ويرد الأسى، بعسى، (وهو على جمعهم إذ يشاء قدير) كتاباً قرنه بفضل نفث فيه قلمه، وتشكى ما يؤلمه، وظن أن الرعاية الشريفة، لا زال مولانا يبلي السنين ويستجدها، ويمتري التهانيء ويستمدها، وكقميص يوسف في عين يعقوب، رفع ناظره المغضوض، وبسط باعه المقبوض).

ومن أخرى: (لو اطلع مولانا على ما فاجأ البصرة، من الفتك والقهر، والنهب والأسر، إلى ما منوا به من الشتات، وافتضاح الخفرات، وإحراق المساكن والخانات، وانتشار الفساد، إلى قرى

السواد، لرأى منظراً يحرق الأكباد، ويبكي العين الجماد. وقد أشرفت البصرة على العفاء، واللحاق بالصحراء؛ وأن يؤرخ اندراسها في هذه الدولة الغراء، إذْ كان توالي عليها من الأحداث، في هذه السنين، ما يدمر أعمر البلدان، ولم يعهد مثله في سالف الزمان. فإن نعم وعجل النظر للرعية، بترتيب النجدة القوية، وإسقاط معاملة الذرب، في الهرب من العرب، فلا خفاء بما في تنفيس الكرب، من القرب).

ومن أخرى:

(من حل محل المجلس، في المجد الذي بهرت أضواؤه، والفضل الذي انتشرت أنباؤه، والفخر الذي صدعت آياته، والشرف الذي ارتفعت راياته، جل أن يهنأ برتبة وإن علت، وترخص عنده قيمه كل حظوة وإن غلت. فلا زال أبداً يستجد المراتب، ويستمد المواهب، ويرتقي المراقب، ويقتني المناقب، وأمتعه الله بما أولاه، وطرف عين الكمال عن علاه، وجمل جيد الزمان بحلاه. ولولا أن خادمه يرى سنة الإغباب، أعلق بأدب ذوي الآداب، لتابع خدمه متابعة السحب، وأعرب عن ولائه عما هو أنور من الشهب. لكنه يشفق من مغبة

التثقيل، ومعرض المبرم الثقيل، ويود لو أسعفه الدهر بالخدمة، وقرب إسناده في رواية تلك الفضائل الجمة. فإن أسعف بالإيجاب بما يرفع الطرف، وشرف في الجواب ولو بحرف، فقد أدرك قاصية الآمال، وملك ناصية الجمال).

ومن أخرى:

وبعد، فإن للسيادة رتباً تتفاضل بتفاضل أسبابها، وتتفاوت بتفاوت أربابها، فأعلاها وأغلاها قيمة، وأزكاها طينةً، وأوفاها زنةً وزينةً، ما نيل بالاستحقاق، لا بالاتفاق، ودخل في حيز الاستحباب، لا العجاب).

ومن أخرى: (وقد اطلع فلان على إطنابي في الثناء الفضفاض الأردية، والشكر الذي استفاض في الأندية. وإن إخلالي بإصدار الجواب، وإن باين خلال الصواب، لم يكن إلا لترصد سفراته. وما أولى كرمه الشهير، وشيمه المتبلجة الأزاهير، بأن يغفر جرم التقصير ويجذب ضبع هذا العذر القصير، وإن استصلحت لخدمة تسن؛ وجد إتحافي بها أجل ما أمنح).

ومن أخرى: (وصل من فلان كتاب هزه له نبله، واشتمل منه على ما هو أهله، ففغمني تضوع رياه، وشغفني بحسنه وحسناه، واستدللت به على الشرف الذي جمع مزاياه، وملك مرباعه وصفاياه. ولم أزل أستملي من خصائص كماله، ومحاسن خلاله، ما يطرب له المستمع، ويستشف صدق برقه الملتمع. فأود لو أعتب الدهر المجرم، بما يعرب البيان المعجم، ويشجع القلب المحجم. وما هو الآن إلا أن أظفرني بالمطلب المرتاد، وأعلقني من مودته بما عنده من أنفس العتاد).

ومن أخرى: (وإن شرفت ولو بحرف في الفينة بعد الفينة، سررت ولا سرور جميل بملقى بثينة. وها أنا أعرض النفس القاصرة المكنة،

على الاستخدام المؤذن بتقويه وتكمله المنة. فإن أعطيت منه هواها، فطوبى لها وواها، وإلا فآهاً من المخافة وآها).

ومن أخرى: (وعندي لابتعاده ما يضعف الجنان، ويضاعف الأشجانه، ويرنق العيش الصفو لو كان. ثم إنني مذ عرفت اللائمة، بمن فتر في الخدمة اللازمة، لتصديق الأنباء المتقادمة، أسقطت في يدي، واعتلجت الوساوس في خلدي، إشفاقاً من أن أوسم بسوء معاهدة، أو يقال إن الكل خرط يدٍ واحدة. على أنني قد كنت ابتدرت تلافي الغلط، واستدراك ما فرط، بما أصدرته مع القاصد الممتد إلى

النهروان، ولا أعلم منه ما كان، ولا ما الذي أعلق به نكد الزمان).

ومن أخرى: كتاب راق إحساناً وحسناً، وساق إلي مناً ثم يمناً، شوق يلهب أحشاء الصدر، وينفد مسكة الصبر، ولقد كنت أرقب أن أؤهل لدرجة الخلطة، عند تنفيذ فلان إلى هذه الخطة، وما أدري: أحرمت هذه الحظوة، والغنيمة الحلوة، لتمثل قصوري، أو توهم تقصير؟).

ومن أخرى: (قد رشقني بسهام مصارمته، وسد دوني أبواب تكرمته،

وسمح بأن جعلني بعد الإكرام بالمباداة، واستدعاء المناداة، ممن إذا كتب نبذ كتابه، وإن عتب لم يغن عتابه. هذا، مع اشتمال علمه الكريم على أن قطع العادة عنوان الجفاء، واستعمال الملل محظور في شريعة الوفاء).

ومن أخرى: (والله تعالى يجزيه عما يسديه من المكرمات، ويبديه من رعاية حقوق الأحياء والأموات، أفضل ما جزى به أولي المروءات، ومن حافظ على المودات).

ومن أخرى: (أصدرت هذه الخدمة عن هم لازب، ولب عازب، وكرب حازب).

ومن أخرى: (عن قلب بولائه معمور، وبآلائه مغمور).

ومن أخرى: (فلو اطلع على حقيقة ما أعانيه، من ممازجة من لا وفاء له ولا فيه، لأوى لي من العيش الكدر، والنجم المنكدر. لكنني أتسلى بجميل رأيه الذي به أفتخر، وله أدخر).

ومن أخرى: (ولا أخلاه من استجلاء موهبة، واستحلاء تهنئة مطربة، حتى ينجز له الدهر تكملة الوعود، وتتحاشد إلى جنابه وفود السعود، وينشر صيت مجده إلى اليوم الموعود).

ومن أخرى:

(ما يستبدع من سؤدد فلان أن يصل الوسمي من طوله بوليه، ولا يستغرب تعهد ما غرس عند وليه. غير أن المكثر ربما سئم ولم، وفي الخبر: أفضل الأعمال أدومها وإن قل. وما تزال كتب الخدم تشكر ما توالى من الإكرام المشتهر، والإنعام المنهمر. فإن كان المقصود فيه الإبانة عن كرم النفس، فهو أشهر في الآفاق من الشمس، وإن كان يراد به تملك الرق، فقد استخلص من قبله واستحق).

ومن أخرى: (ثم المقترح على معاليه، ستر هذا المكتوب عمن ينتقد معانيه، ويفتقد التناقض والتعارض المودعين فيه. ولعمر الله إن من أعجب العجاب، أن يجمع بني إبداء التكليف والتخفيف في كتاب، إلا من

يحب أن يتطول، جدير بأن يسمح ويتأول. وفيما أخبره من اهتزاز الأريحية، وبواعث العصبية، ما يغني عن تذكار الهمة العلية).

ومن أخرى: (فأما شكري فلم يكن ناقصاً فأتممه، ولا ساذجاً فأنمنمه. غير أني معترف بالقصور عن موازنة مثاقله، والاستثقال بأثقاله).

أخرى: (إن أخذت في شرح ثنائي كنت كمن عرضه بيانه للفهاهة، وأقام نفسه في طبقة أولي السفاهة؛ إذ لو ساعدني الفصحاء بألسنتهم، وأمدوني بمعونتهم، لاستولى علي وعليهم الحصر وكنت وهم بمنزلة من أوجز واختصر).

أخرى: (من حل محل المجلس الفلاني في المناقب، الموفية المراقب، والمكارم، المخجلة الأكارم، توجهت إلى قبلة مجده الآمال، وضربت ببدائع كرمه الأمثال، وأنيخت بأرجائه مطايا الطلب والرجاء، واستغنى

وراد شريعته عن أرشية الشفعاء، وهنئ بالنجاح كل من عشا إلى ضوء ناره، وانتجع روضة أزهاره ونواره).

وله من تعزية: (الدنيا سحابة صوبها المصائب، وكنانة نبلها النوائب وحقيبة ملؤها العجائب. متباينة المقاصد والأنحاء، دائمة التحامل والإنحاء. إن أضحكت مرة أبكت مراراً، وإن أحلت نهلة تلتها إمراراً، وإن واتت ساعة عاصت أياماً، وإن أنكحت حلائل أصارتهن أيامى. تأنيسها محفوف بخديعة، وصلتها موصولة بفجيعة، وهديتها مشفوعة بوقيعة، وعدتها كسراب بقيعة، ما سرت نفساً إلا وقذتها، ولا أقرت مقلة إلا أقذتها، ولا أنمت نبعة إلا جذتها، ولا وهبت هبة

إلا أخذتها. وسواءٌ في حكمها الخلائف والأكاسر، والذئب العاسل، والأسد الكاسر، والنائي النازح والجار المكاسر لا ترؤف بوليد ولا جنين، ولا مزية فيها لهجان على هجين، تنشئ مع الأنفاس عبرة غب عبرةٍ، وتسيل من الآماق عبرة إثر عبرةٍ، وتشن على الساعات غارة بعد غارة، وترتجع العارات: عارة تلو عارة.

استأثرت من فلان بعين الكمال، ونظام الجمال، وقطاف الآمال: أية ديانة رمست، وشمس مست، ومروءة درست، وشقشقة خرست، وأية عفةٍ تعفت، ورجاحة خفت، وكرمٍ كفت! فيا أسفا على رئاسة ثل عرشها، وسماحة رفع نعشها!).

وله، وقد رد هدية أهديت إليه في مولود له، وكتب معها: (إنما يخلص بفضل الإكرام لا بفواضل الإنعام، وخلاصة المكرمة إنما تحصل بتوخي ما يحبه المسدي إليه، ويحسن موقعه لديه، ولهذا جاء في الأثر: (لا تكرم أخاك بما يشق عليه). وأنا أعيذ المجلس من أن يكدر عندي مورد إكرامه العذب، بما ينكأ القلب، أو يعرضني بعد اختبار ولائي ومودتي، لما يعلم أنه يباين عادتي، ولا يلائم إرادتي. فإن كان قصد من هذه الأكرومة، إطلاعي على خصائص المروءة المعلومة، فأنا بحقائقها شاهد، ولطرائقها مشاهد. وغن بغى به تأكيد الأنسة، فإنه من المباغي المنعكسة، إذ لا خير في المودات النامية بالمهاداة، ولا فيمن يرجح وزن العطيات على حسن النيات. وأرجو أن يصادف هذا العذر قوبلاً لا يبقى على القلب الشريف معه غبار، ولا يتجدد بعده إلي الاعتذار، حتى لا تتنغص لي المسرة بهذا البسط، ولا ألجأ إلى تمني حلوله محل السقط).

ومن أخرى: (من شيم السادات، حفظ العادات. فما بال سيدنا أغلق باب الوصال بعد فتحه، وأصلد زند الإيناس عقيب قدحه، وأوردني أولاً شريعة بره، ثم حلأني عن شاطئ بحره؟ إن كان ذلك عن ملل، فأنا أنزهه عنه، أو لعثور على زلل، فأنا أستغفر الله منه. ولفرط رغبتي في استحفاظ

وداده، واستخلاص اعتقاده، هززت عطفه الكريم لمعاودة طوله الجسمي، وترويح قلبي بمؤانساته الأرجة النسيم. وفيما ألمحه من كلفه بإيلاء الجميل، ما يغني عن الإطالة والتطويل).

وله من أخرى:

(وصل من سيدنا كتاب: خليته صحيفة سر، وحقيبة بر، بل ظننته لطيمة عطر، وعتيدة تبر، فجذلت به جذل من آل إلى استعداد أحواله وأوى إلى مآله، ظافراً بآماله، وسررت به مسرة من أطلق من إساره، بعدَ طول إساره، أو قبضت راحة يساره على يساره. واجتليتُ منه ما أزرى في نور الناظر، بالنور الناضر، الحدائق، وأخمل صيت الخمائل، عند ذوي المخايل. ولم أزل أمتع

طرفي بمنظومه البديع، ومنثوره الزاري على منثور الربيع. وهذا شوط إن أجر يد القلم في مضماره، وسامه القلب أن يبوح فيه بإضماره، لم أظفر بدرك الإيثار، ولا آمن شرك العثار، فقل من طلق عنان الإكثار، وإلا استثار تقبيح الآثار. ورعى الله من إن وعى حسناً رواه، أو رأى زللاً واراه).

ومن أخرى: (ثم قبلتها ألفاً، وتخذتها إلفاً، وسحبت من التجميل بها برداً، ووجدت لها على كبدي برداً، وما اكتفيت بما رأيت ولا ارتويت بما رويت حتى أقرأتها خلاني، وأحدقت بها أحداق خلصاني، فكل تأملها جداً، وهام بها وجداً، وتناهب حسنها حادٍ وشادٍ، وطربها العراق والشام، وحث بها المطايا والمدام. فأمتع الله بمنشيها وموشيها، وصرف عين الكمال عن مبديها ومهديها، ورزقه إبلاء الأعمار، في اجتلاء الأقمار، ومعاطاة العقار، ومناغاة الأوتار وإدراك

الأوطار والأوتار، حتى يجتلي الحور العين ويرد الوريد المعين.

فأما إفصاحه، دامت أفراحه، عما يجده من التهيام، بمن هو عزيز المرام فلقد استدللت بنفثه، عن بثه، ومن شرحه، على برحه، وساءني استعار غرامه، وأوار أوامه، وتسلط الحرق على جنانه، وتهدي الأرق إلى أجفانه).

ومن أخرى: (سلام الله على فلان ما أهدي سلام، وهدت أعلام. ليت شعري ما الذي عرض، فأوجب أن اعرض؟ أي لسان هجر، حتى استوجب أن هجر؟ وأحاشيه مع دينه المتين، وفضله المبين، أن يهم، أو يتهم أو يتوهم؛ كما أعيذه مع عقله الرصين، وفهمه الحصين، ن يجرم أو يتجرم، فإن رأى - أراه الله ما يهواه، ويقهر أبداً هواه -

أن يعاود الأنسة، ويعاصي الوسوسة، كان كمن أولى براً مبراً، أو أمر وداً مستمراً، وزار أخاً يُحِله في سواده وسويدائه، ويثبت اسمه أول جريدة أودائه، والسلام).

ومن أخرى: (وعلى كل الأحوال، فثقته بما له من الرأفة والاشتمال، كثقته باليمن والشمال).

ومن أخرى: (من الجذل الذي أطربته راحه، وأطاره جناحه، مما أوتي من النعم التي أضحكت ثغور الآمال، وآذنت بصلاح فاسد الأحوال).

ومن أخرى: (أدام الله اقتداره على تلبية من يناديه، وإغاثة من يؤم ناديه، ويستمطر سحب أياديه، حتى يسترق بالإحسان كل إنسان، ويستحق الشكر والمدح من كل لسان).

ومن أخرى: (جنابه المنيع قبلة الكرم، وحرم أولي الحرم).

ومن أخرى: (وحين تسنى له الغرض، بادر مبادرة السهم إلى الغرض، ومليت بالأعياد ما لاح كوكب، وما ناح قمري، وما فاح عنبر. وهو على أتم الثقة في كل ما يقضي بتصفية رنقه، وتطرية رونقه، وإحلال أطواق المنن في عنقه).

ومن أخرى: (إخلاصاً يناسب جوهر الخلاص، وثناء يستهديه علم العام والخاص).

ومن أخرى: (وكان يترقبه ترقب المجدب الغيث، والملهوف الغوث).

ومن أخرى: (جراد سد نهار الأفق وليل الطرق).

ومن أخرى: (المراتب تتفاضل مراقيها بتفاضل راقيها، وتتفاوت معاليها لتفاوت من يليها. فأسماها قلة، وأبهاها حلة وأشرقها أهلة، وأوضحها أدلة، رتبة زفت إلى أكفأ أكفائها، وخصت بمن يقوم بأعبائها، كالتي ألقت بالجناب السامي عصا التخييم، واعتصمت منه بالكف الكريم. فهذه التي تغتبط بوصله، وتقول: (الحمد لله الذي أحلنا دار المقامة من فضله)).

ومن أخرى: (أسعد الله فلاناً بما أمطاه من ذروة الرتبة العلياء، وحظوة الرفعة الرافعة نواظر الأولياء، ولا أخلي أبداً من تملي الهناء، واستملاء الثناء.

الخادم يأمل من الشيم الحسنى، والمكارم التي تروي

وتروى، أن ينزل هذه الخدمة حين تقرا، منزلة الضيف الذي يستوجب أن يقرى).

ومن أخرى: (حتى تتحلى التواريخ برقم مآثره، وتتناول الركبان تسيير مفاخره، وتطابق الرواة على نشر محامده وممادحه، وتتأرج الآفاق بنشر مناقبه ومنائحه).

ومن أخرى: (أسعد الله جنابه المنيع بغرة كل شهر وسراره، سعادة تكفل بروح إسراره، وتتابع مواد مساره).

ومن أخرى: (مرفه الإسرار موفر المسار، يعتزي إلى الجناب العزيز، ويمت

بالإخلاص الموفي على خلاصه الإبريز، حتى يملك الهمة العلية نواصي الرتب، وقواصي الأرب، ويؤطيء القدم، أعالي القمم، والدرج الغوالي القيم).

ومن أخرى: (وإنه يجد من الكرب، عند تراخي النوب، ما يوهن قوى جلده، ويسقطه في يده).

ومن أخرى: (نواصل حتى يقال: حسبك، قد أبرمت كتبك).

هذا ما أثبتناه من ملح رسائله، ولمح فضائله، على سبيل الاختصار، واكتفينا بالأحداق والأبصار. على أنه لا يباريه فصيح، ولا يجاريه منطيق، في المقامات، وكلمها المرصعات.

وقد أوردت من أبياته التي ما سبق إلى نظم مثلها، وقد أفحم البلغاء بفضلها. فمنها، قوله في التجنيس:

لم يبقَ صافٍ ولا مُصافٍولا مَعِينٌ ولا مُعِينُ
وفي المَساوِي بدا التَّساويفلا أَمينٌ ولا ثَمينُ

وقوله في ما لا يستحيل بالانعكاس:

أُسْ أَرْمَلاُ إذا عراوارْعَ إِذا المرءُ أسا
أَسنِدْ أخا نَباهةٍأَبِنْ إخاءً دُنِّسا
أُسْلُ جَنَابَ غاشمٍمُشاغبٍ إن جَلسَا
أُسْرُ إِذا هَبَّ مِراوارْمِ به إِذا رَسا
أُسكُنْ تَقَوَّ فعسىيُسْعِفُ وقتٌ نكَسَا

ومن المنثور المذكور، من الجنس الذي لا يستحل بالانعكاس، قوله: (ساكب كاسٍ. لم أخامل. كبر رجاء أجر ربك. من يرب إذا برينم. سكت كل من نم لك تكس. لذ بكل مؤملٍ إذا لمَّ وملك بذل).

وما أفصح قوله في هذه المقامة: (فلم يزل فكري يصوغ ويكسر، ويثري ويعسر، وفي ضمن ذلك أستطعم، فلا أجد من يطعم، إلى أن ركد النسيم، وحصحص التسليم).

وقوله نصيحة في هذه المقامة:

إذا ما حَوَيْتَ جَنَى نخلةٍفلا تَقْرَبَنْها إلى قابلِ
وإِمّا سقَطت على بَيْدَرفحَوْصِلْ من السُّنْبُل الحاصلِ
ولا تَلْبَثَنَّ إِذا ما لَقَطْتَفَتَنْشَبَ في كِفَّة الحابلِ
ولا تُوغِلَنَّ إِذا ما سبَحْتَفإِنَّ السَّلامةَ في السّاحلِ
وخاطِبْ بهاتِ وجاوِبْ بِسَوْفَوبِعْ آجِلاً منك بالعاجلِ
ولا تُكثِرَنَّ على صاحبفما مُلَّ قَطُّ سِوى الواصلِ

وقوله في أخرى:

اسِمَعْ أُخَيَّ وصيّةً من ناصحما شابَ مَحْضَ النُّصحِ منه بغِشِّهِ
لا تَعْجَلَنْ بقضيّة مبتوتةفي مدحِ مَنْ لم تَبْلُهُ أو خَدْشهِ
وقِفِ القضيّةَ فيه حتّى تجتليِوَصْفَيْهِ في حالَيْ رِضاهُ وبطشهِ
ويَبِينَ خُلَّبُ برقِه من صدقهللشّائمينَ ووَبْلُه من طَشِّهِ
فهناك إِنْ تَرَ ما يَشِينُ فَوارِهِكرماً وإِنْ تَرَ ما يَزِينُ فأَفْشِهِ
ومَنِ استحقَّ الارتقاءَ فرَقِّهِومَنِ استحطَّ فحُطَّهُ في حُشِّهِ
واعَلمْ بأنَّ التِبْرَ في عِرق الثَّرَىخافٍ إلى أن يُستثارَ بنَبْشِهِ
وفضيلةُ الدّينارِ يظهَرُ سِرُّهامن حكّهِ لا من ملاحة نقشِهِ
ومن الغباوة أن تعظِّم جاهلاًلصِقال ملبسِه ورونقِ رَقْشِهِ
أو أن تُهينَ مهذَّباً في نفسهلدُروس بِزَّتِه ورَثَّةِ فُرْشِهِ
ولَكَمْ أخي طِمْرَيْنِ هِيبَ لفضلهومُفَوَّفِ البُرْدَيْنِ عِيبَ لفُحشهِ
وإذا الفتى لم يَغْشَى عاراً لم تكنأَسمالُه إلا مَراقِيَ عرشِهِ
ما إِنْ يضُرُّ العَضْبَ كَوْنُ قِرابهخَلَقاً ولا البازي حقارةُ عُشِّهِ

وقوله في رسالته الرقطاء:

سيّدٌ قُلَّبٌ سَبُوقٌ مُبِرٌّفَطِنٌ مُعرِبٌ عَزُوفٌ عَيُوفُ
مُخْلِفٌ مُتلِفٌ أَغَرُّ فَرِيدٌنابِهٌ فاضلٌ ذكيٌّ أَنوفُ
مُفْلِقٌ إِنْ أَبانَ طَبٌّ إذا نابَ هِياجٌ وحَلَّ خَطْبٌ مَخُوفُ

وفيها:

فلِذا يُحَبُّ ويُستَحبُّ عَفافهُشَغَفاً به فلُبابُه خَلابُ
أخلاقُه غُرٌّ تَرِفُّ وفُوقُهفُوقٌ إذا ناضَلْتَه غَلابُ
سُجُحٌ يَهَشُّ وذو تَلافٍ إن هفاخِلٌّ فليس بحقذه يرتابُ
لا باخلٌ بل باذلٌ خِرْقٌ إذايُعْتَرُّ بَرْزٌ لا يَلِيهِ بابُ
إِنْ عَضَّ أَزْلٌ فَلَّ عَرْبَ عِضاضِهبمَنابِهِ فانْحَتَّ منه نابُ

وفيها:

فلا خَلا ذا بهجةٍيمتدُّ ظِلُّ خِصْبِهِ
فإِنَّه بَرٌّ بمَ،آنَسَ ضوءَ شُهْبِهِ
زانَ مزايا ظَرْفِهبلُبْسِ خوفِ ربِّهِ

وقوله في مقامة أخرى:

لا تسألِ المرءَ مَنْ أَبوه ورزْخِلالَهُ ثمَّ واصِلْهُ أو فاصْرِمْ
فما يَشِينُ السُّلافَ حينَ حلامَذاقُها كونُها ابْنَةَ الحِصْرِمْ

وقوله في أخرى:

يقولون إِنَّ جمالَ الفتىوزينتَهُ أَدبٌ راسخ
وما إِنْ يَزِينُ سِوى المُكْثِرينَومَنْ طَوْدُ سُؤدَدِه شامخ
وأمّا الفقيرُ فخيرٌ لهمن الأدب القُرْصُ والكامِخ
وأيُّ جمالٍ له أن يقالَأديبٌ يعلِّمُ أو ناسخ

وقوله في الأبيات العواطل:

أَعْدِدْ لحُسّادك حَدَّ السِّلاحْوأورِدِ الآمِلَ وِردَ السَّماحْ
وصارِمِ اللهوَ ووصلَ المَهاوَأعمِلِ الكْومَ وسُمْرَ الرِّماحْ
واسْعَ لإدراكِ محلٍّ سماعِمادُه لا لادّرِاع المِراحْ
واللهِ ما السُّؤُدَدُ حَسْوُ الطِّلاوملا مَرادُ الحمدِ رُؤْدٌ رَداحْ
واهاً لحُرٍّ صدرُه واسعٌوهمُّه ما سَرَّ أهلَ الصَّلاحْ
مَوْرِدْه حُلْوٌ لِسُؤّالِهوما لهُ ما سألُوه مُطاحْ
ما أسمعَ الآمِلَ رَدّاً ولاماطَلَهُ والمَطُّلُ لؤمٌ صُراحْ
ولا أَطاعَ اللهوَ لمّا دعاولا كسا راحاً له كأسَ راحْ
سَوَّدَهُ إِصلاحُه سِرَّهُورَدْعُه أهواءَه والطِمّاحْ
وحصَّلَ المدحَ له علمُهُما مُهِرَ العُورُ مُهورَ الصِّحاحْ

وقوله في الأبيات التي حروفها كلها معجمة:

فَتَنَني فجنَّنَتْنِي تَجَنِّيبتَجَنٍّ يَفْتَنُّ غِبَّ تَجَنّ
شَغَفَتْني بجَفْن ظَبْيٍ غَضيضٍغَنِجٍ يَقْتَضي تغيُّضَ جَفْنِي
غِشيَتْني بزينتَيْنِ فشفَّتْني بزِيّ يَشِفُّ بينَ تَثَنِّ
فتظنَّيْت تجتبيني فتَجْزِيني بنَفْثٍ يَشْفي فخُيِّب ظنِّي
ثبَّتَتْ فيَّ غِشَّ جيبٍ بتزَيينِ خبيثٍ يَبغي تشفّيَ ضِغْنِ
فنزت في تجَنُّبي فثَنَتْنيبنَشيجٍ يُشجي بفَنٍّ ففَنِّ

وقوله في الأبيات الأخياف: كلمة مهملة وكلمة معجمة:

اِسمَحْ فبَثُّ السَّماحِ زينٌولا تُخِبْ آمِلاً تضَيَّفْ
ولا تُجِزْ ردَّ ذي سؤالٍفَنَّنَ أَمْ في السُّؤال خَفَّفْ
ولا تظُنَّ الدُّهورَ تُبْقيمالَ ضَنِينٍ ولو تقَشَّفْ
واحلُمْ فجَفْنُ الكرامِ يُغضيوصدرُهم في العطاء نَفْنَفْ
ولا تَخُنْ عهدَ ذي وِدادٍثَبْتٍ ولا تَبْغِ ما تَزَيَّفْ

وقوله في الأبيات المتائيم:

زُيِّنَتْ زينب بقَدٍّ يَقُدُّوتَلاهُ وَيْلاه نَهندٌ يَهُدُّ
جُنْدُها جِيدُها وظَرْفٌ وطَرْفٌناعسٌ ناعِشٌ بخَدٍّ يَخُدُّ
فارَقَتْني فأَرَّقَتْنِي وشَطَّتْوسَطَتْ ثمَّ نَمَّ وَجْدٌ وجِدُّ
قدرْها قد زَهَا وباهت وتاهتواعتدتْ واغتدت بحدّ يحدّ
فدَنَتْ فُدِّيَتْ وحَنَّتْ وحَيَّتْمُغْضَباً مُغْضِياً بوُدّ يُوَدُ

وقوله في المقامات: وأنشد البيتين المطرفين، المشتبهي الطرفين اللذين أسكتا كل نافث وأمنا أن يعززا بثالث:

سِمْ سِمَةً تَحْمَدُ آثارهافاشكُرْ لمن أعطى ولو سِمْسِمَهْ
للشاعر ابن المُقري، من قصيدة «سم سمة تحمد آثارها»
والمكرْ مَهْما اسْطَعْتَ لا تَأْتِهِلِتقتني السُّؤْدُدُ والمَكْرُمَهْ
للشاعر ابن المُقري، من قصيدة «سم سمة تحمد آثارها»

وقد تصدى جماعة بعده لمعارضته في هذين البيتين وتعسفوا نظم الثالث والرابع، ولم يبلغوا درجته في صنعته وصحته.

وقوله في النصح:

عِشْ في الخِداع فأنت فيزمنٍ بَنُوه كأُسْدِ بِيشَهْ
وأدِرْ قَناةَ المكَرْ حَتَى تستديرَ رَحى المَعيشَهْ
وصِدِ النُّسورَ فإِنْ تعذَّرَ صيدُها فاقنَعْ برِيشَهْ
واجْنِ الثِّمارَ فإِنْ تَفْتْك فَرَضِّ نفسَك بالحشيشَهْ
وَأرِحْ فؤادَكَ إِنْ نبادهرٌ من الفِكرَ المُطِيشَهْ
فتغايُرُ الأحداث يُؤْذِنُ باستحالةِ كلِّ عِيشَهْ

وقد التقطت من رسائله هذه الكلمات: خلد الله الدولة ما ذر ضوء النجوم ودر نوء الغيوم. ما تكرر الصوم والفطر، وتضوع الروض والعطر. ما استهلت الأهلة، واستهلت الأنواء المنهلة. ما نفثت الأقلام، وانبعثت الأقدام. ما تكررت الأعوام، ونهدت الأعلام. ما سرت سرية، وسارت في برية مطية. ما عبئت الكتائب، وسرت الركائب، وسنحت

النجائب، وتبلجت العجائب. ما در صوب الغمام، وشاق صوت الحمام. ما تعاقب العصران، وتقابل النسران. ما أهديت التحيات، وتليت الآيات. ما خطت الأقلام، وحطت الأقدام. ما رق النسيم، وراق وسيم، وانتجع الكلأ مسيم، وقطع الفلا رسيم. ما بزغت الشموس، ورقمت الطروس، وتعوطيت الكؤوس، وقرمت إلى أحبابها النفوس.

النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.