من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو العباس محمد بن القاسم الملقب ب زين الإسلام الحريري
لقيته بالمشان، كبير الشان، في شهور سنة ست وخمسين وخمس مئة، وسمعت عليه من مقامات والده أربعين مقامة. وهو لها متقن، ولشرحها مبين. وفيه فصاحة ولسن، وفضل حسن.
وكنت نائب الوزير عون الدين في الصدريات، وقد توجه على - أعني ابن الحريري - أداء شيء من الخراجات. ولقد كان شديد الانقباض، كثير الاعتراض. فاحتلت عليه، بأن نفذت المطالب بالخراج إليه. فلما حضر عندي أعفيته من الخراج، وتقدمت لأملاكه وأسبابه بالإفراج، وقلت له: كان الغرض وصولك وحصولك، وقد أجيب سؤالك وما خيب سؤلك. ولو أطلت الإقامة، خصصتني بالكرامة، وخلصت من الملامة. فشرح صدراً، وشرح مني صدراً حتى مرضت وأشفيت، فعدت إلى بغداد وشفيت.
لكنه مرض بعدي واشتدت حماه، واستباح الموت حماه، ﵀، وذلك في سنة ست وخمسين وخمس مئة.
فمما كتبه إلي، وقد أوهمته التوكيل، وألزمته في الوزن التعجيل:
يا مَنْ أرى كلَّ مَنْ ألقاه يُخبرنيعنه بأكرمِ أخلاقٍ وأوصافِ
وإن همَّتَهُ مُذْ كان ما صُرِفتإلا إلي الرِّيّ من إحسانه الصّافي
أجْدِرْ بمجديَ تقليد بمَكْرُمَةوما أسومُك فيها غيرَ إنصافي
من خصه الله بما خص به المجلس العالي، أسعد الله جده، وأجد سعده، وضاعف علوه، واضعف عدوه. من البيت الرفيع، والجناب المنيع، وحاز إلى نبله، مزية إفضاله وفضله. تعين على مجده النظر بعينها، والبحث عن صدق الأقوال ومينها، وانقشع لسيادته بأن ينفذ مثله، في مقر المعدلة، بحال رقيب فلا يكشف عن تلك الحال، ويستبين الصدق من المحال.
والكتاب طويل.
فكتبت في جوابه:
يا مُهدياً فِقَراً جلَّتْ قلائدهاعن وصف مُطْرٍ لها أو رَصْفِ رَصّافِ
ومَنْ فضائله عن حَصْرها حَصِرتفي العصر أَلْسُنُ مُدّاحٍ ووصّافِ
رِواتُه في العلى ضافٍ ومَوْرِدُهفي الفضل للمُرْتَجِي إِفضالَهُ ضافِ
ترومُ منّيَ إنصافاً وهل عرَفَتْخلائقي غيرَ إحسانٍ وإنصافِ
وكتب إلي بعد ما فارقته: إذا هممت بإصدار الخدمة إلى فلان، شيد الله معاليه، ولا أخلاه من الأنعام: يوليه ويواليه، نكص قلمي عند الإهابة، واعترف بالخجل والمهابة، وأبى إلا أن يحجم، ولا يعرب عما في ضميره ويترجم، فأخلد إلى إصدار الدعاء الذي أواصل إدمانه، وأتخير مظانه. وما كان أسعدني بتلك الساعات. وأسر قلبي بذلك الترداد والمسعاة. ولقد كان ذلك من إحسان الدهر الذي أسا، وبمقتضى ما عندي كان يردني المورد السامي صباح مسا. وإن كانت خدمتي غير متواصلة، فكليتي بالخدمة ماثلة. وسطرت هذه اللمعة المخففة، مستدعياً من اسمه المشرفة.
النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع