تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

أبو العباس يحيى بن سعيد الطبيب النصراني البصري

له معرفة بالأدب رائقة، ونظم صالح، وشعر جيد.

وقد عمل ستين مقامةً على منوال المقامات الحريرية، ورأيتها معه، وقد زوقها، قصر فيها، على أنه ما يبلغ شأو ابن الحريري.

كان يتردد إلي للتطبب، حيث كنت في البصرة، ومدحني بقصائد.

وأنشدني لنفسه في الشيب:

نفَرَتْ هِندُ من طلائع شيبيواعترتها سَآمة من وُجْومي
هكذا عادةُ الشّياطينِ يَنَّفِرْنَ إذا ما بدتْ نُجومُ الرُّجُومِ

وأنشدني أيضاً لنفسه من قصيدة:

قَسَماً بسُكّان العَقيقِ وحاجِرِمُذْ غِبْتَ ما لاذَ الرُّقادُ بخاطري
وإِذا أَلَمَّ فما يُلِمُّ بمُقْلَتِيإلا طَماعِيَةً بطَيْفٍ زائرِ
سَلْ صادحاتِ الوُرْقِ عن كَلَفِي بمنضَمَّت تِهامةُ فَهْيَ عينُ الخابرِ
وإذا نطَقْتُ فأنت لفظُ مقالتيوإذا سكَتُّ فأنت سرُّ الخاطرِ
ما غابَ عن نظر المَشُوقِ ولا نأىمَنْ ظَلَّ بين جوانحٍ وضمائرِ
أترى سيوفَ الهِند في أغمادهمللحرب طبعَ نواظرٍ ومحَاجِرِ
وإذا الوِصالُ أفاد ما يُنمي الجَوىوالوجدَ فَهْوَ السُّمُّ في يدِ شائرِ
حقّقتْ مُذْ وَقَعَ الفِراقُ سأَنثنيعن وقع بَيْنِهِمْ بلُبٍّ طائرِ
ودَّعْتُها والصَّبرُ يَطْوي حائناًوالصّبرُ وافِي العهدِ في يد ناشرِ
وغرامُها للبَيْن في يدِ ناظمٍوعقودُها لِلْهَمَ في يدٍ ناثرِ

ومن جملة شعره الذي أودعه المَقاماتِ في حكاية شيخ وغلام، ترافعا إلى القاضي قوله عن الشيخ: أنشدني لنفسه:

أيُّها الحاكمْ الذيفاقَ في الفضل واللُها
والّذي تسجُدُ الجِباهُ لِما فيه من نُهَى
أنا علّمتُه العلومَ ولقّنتُه الدَّهَا
وتناهيتُ في التَّهَذُّب حتَى إذا انتهى
.. لم أزل مُحضِراً لهكلَّ ما اختار واشتهى
فَمُذِ امتدَّ باعُهسارَ في الأرض وازدهى
لا يُراعي حقوقَ مَنْعَقْدُ آمالهِ وَهَى

وقوله جواب الغلام:

يا أيُّها القاضي الَّذيفاق الورى عن غُزْرِ فَهْمِ
وسَحابُ نائِله علىأهل الُّدنا في الجَدْب يَهْمي
لا تَحْمَدَنْ عُوداً يَسْرُّك ظاهراً من غير عَجْمِ
لا تَرْوِ بَتَّ خُصومةٍوحكومةٍ عن فَرْدِ خَصْمِ
يَرمِي فيُصْمي مَقْتَلِيوإِذا رَمَيْتُ يَطِيشُ سهمي
ما فُهْتُ قَطُّ ولا أَفُوهُ ولو بَغَى يوماً بشَتْمِ
لكنّه ختَمَ الجميلَ وما أفادَ بفَرْط ظُلْمِ
رامَ البِعادَ ولم يَسِرْفي مطلع الآدابِ نجمي
وبقيت رَجْماً للجماعة والعِيافة أيَّ رَجْمِ
أشكو الطَّوَى ومدامعيمن شُحَها للشَّأْن تُدمي
وبَقِيتُ خمساً لا أذوقُ الزادَ من خَضْمٍ وقَضْمِ
وجميعْ ما قد حُزتُهُبينَ الورى من فَرْط حزمي
فاللؤلؤُ المنظومُ والمنثورُ من نثري ونظمي
فاحكُمْ فحكمُك في البَرايا والقضايا خيرُ حكمِ

وقوله في أخرى:

بُنَيَّعلى الأرض لا تَثْبُتَنْ ... وفُقْ كلَّ من جالَ أرضاً وجابا
وخَلِّ نديمَك في الاغترابِعُكَيْكِيزَةً ترتضى والجِرابا
ورُزْ زُمَرَ العلمِ لا تحتقرْمشايِخَهُ في الورى والشَّبابا
وأَرهِفْ لفهمك سمعَ النُّهَىوقِفْ لمَراضي البرايا انتسابا
ولا تَدَعِ النَّصْبَ حتّى تَحُوزَبفنّك من كلّ مالٍ نِصابا
وَأنَّى عثرتَ بعيب فكنلبيباً إذا ما رأى العيبَ غابا
فَذُو الحزمِ أَنَّى رأى زلَّةًولم يُمْكِنِ الكفُّ عنها تغابى

وقوله:

إِنَّ الشَجاعةَ صبرُ ساعَهْفازجُرْ عن القلب انخداعَهْ
واقنَعْ بما سَنَّى الإِلهُ فخيرُ ما صُحِبَ القناعَهْ

وقوله من أبيات:

هذا زمانٌ يسودُ فيهمن جاء بالمكر والدَّهاءِ
ومَنْ أرادَ الصَّحيحَ منهينوشُهُ لَهْذَمُ العَناءِ

وقوله في مقامة أخرى:

بِحِمى الفَيْحاء قَوميعَدِيدِي وأناسي
وبها مَرْبَعُ أفراحي وَأطرابي وكاسي
لستُ ما عِشتْ لعيشيفي مَغانيها بناسي
كيف لا وَهْيَ مَقَرِّيوبها مسقَطْ راسي
قادَني للضَّيْم مِقدارٌ غدا حِلْفَ شِماسي
وَألانَ الدّهرُ بالغُرْبَةِ من شدّةِ باسي
وكم خَتَلْتُ الظَّبْيَ والظَّبْيةَ في ظِلِّ الكِناسِ
وأرى الأيّامَ تجريبينَ لِينٍ وشِراسِ
إنما تجري المَقادِيرُ على غير قياسِ

وقوله في أخرى:

كن حازماً في الدّهر لاتَرْكَنْ إلى أحدٍ للِينِهْ
فالليثُ يجتابُ الفَلاسَغبَاً ويكمُنُ في عَرِينِهْ
مَنْ يحفَظُ اليومَ الوِدادَ ومَنْ يَحِنُّ إلى قَرِينِهْ
أو مَنْ يفكِّرُ في المَعادِ نُهىً ويخطِرُ في يقينِهْ
وأخو النَّدَى يشكو الظَّماأَتَي وَرَدْتَ على مَعينِهْ
زَمَنٌ تَذِلُّ أسودُهُلِضباعه وضِعافِ عينهِ

النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.