من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الفقيهة أم علي الرشيدة بنت الفقيه أبي الفضل بن محمد بن علي بن المؤمل بن تمام التميمي المالكي
لما كننت بالبصرة كانت تعيش، وهي مؤدبة.
وكان ولدها الأديب علي العبدي يتردد إلي، فقال لي: كنت غائباً عن والدتي في بعض أسفاري، فكتبت إليها قصيدة طويلة:
سِيّانٍ إِنْ عذَرُوا فيكم وإنْ عذَلُوالأنَّني عن هواكم لستُ أتنقلُ
لا أكذِبُ الله ما لي غير حِبّكُمُوالاستزادةِ من وجدٍ بكم شُغُلُ
وليس في النّاس لي لو كان ينفَعكُمأَنْ تعلَمُوا ذاك منّي غيركم أَمَلُ
أشتاقُكم وبِوُدّي لو يواصلُنيخَيالكُم لو بنومٍ كنتُ أكتحلُ
وقد صحِبتُ أُناساُ واشترطتُ لكمقلبي ويصحَبُهم جسمي وقد قَبِلُوا
قلبي يميلُ إليكم دونَ غيرِكُمْوإِنْ صدَدْتُم وإِنْ صافَوْا وإِنْ وصَلُوا
ورُبَّما قلتُ للواشي إِليَّ بِكُمْهم الأَحِبَّةُ إِنْ جارُوا وإِنْ عدَلوا
صِلوا وصُدُّوا وجُورُوا واعدِلُوا وقِفُواعمّا أُحِبُّ فعندي بعدُ مُحْتَمَلُ
مهما فعلتم فمحمولٌ ومغتفَرٌوما أمرتم فمسموعٌ ومُمْتَثَلُ
قال: فأجابت والدتي عنها بقصيدة منها:
لولا الأمانيُّ والتَّسويفُ والأمَلُما كان يكنُفُي سهلٌ ولا جَبَلُ
وكلَّما اشتدَّ بي نارٌ تُعَذِبنيفليس إِلا دموعُ العينِ تنهملُ
وقد تعلَّلْتُ أسباباً لرؤيتكمفكيف بي وبكم إن فاتتِ العِلَلُ
أَهْذي بكم حَسْبُ ما أحيا فإِن حضَرَتْمنّي الوفاةُ وَأوْفَى دُونِيَ الأَجَلُ
ناديتُ لا تأخُذُوا ثأري بهم هبةًيا غايةَ السُّؤْلِ قد ضاقت بيَ الحِيَلُ
لأظُهِرَنَّ هوىً قد كنتُ أكتُمُهفليس لي في هوى أمثالِكم خَجلُ
قال: ولها أيضاً جواب شيء كتبته إليها فأجابت:
وَصَل الكتابُ وسِرُّه وضميرُهُفظَلِلْتُ أُسْرِحُ ناظري وأُدِيرُهُ
فيما تضَمَّنه لأَجْلُوَ ناظريوأقول يا مَنْ عَزَّ فيه نظيرُهُ
بأَبي وأُمِّي ما اشتكيتَ من الأَسىفاشتدَّ في قلبي فُدِيتَ زفيرُهُ
ومنها:
فسَلِ المُتَيَّمَ بَعْدَ بُعْدِ ديارِكمْمن غيرِ سُوءٍ كيف كان مصيرُهُ
كلفَتْه صَدّاً وبُعْداً عنكُمْأمراً يَهُدُّ قُوَى الجبالِ عَشِيرُهُ
يا مَنْ تأمَّرَ في الفؤاد تحكُّماًما ذَلَّ من كان الجمالَ أميرُهُ
ما كان تأخيرُ الجواب تثبُّطاًلا بل لأَسباب جرتْ تأخيرُهُ
قال: وكتبت إلي أيضاً وأنا بالبحرين، من قصيدة:
تحيّةُ ربّي كلَّ يومٍ مجدَّدٍعلى رَبْعِ ذاتِ الخالِ ما هَبَّتِ الصَّبا
إذا كنتمُ في الرَّبْع قَرَّتْ بقربهوقلتُ له يا رَبْعَ مَيَّةَ مرحبا
ولا مرحباً بالرَّبْعِ لستم حُلُولَهولو كان مُخْضَلِّ الجوانب مُعْشِبا
ومنها:
صَبَوْتُ إليكم غيرَ طالبِ ريبةٍولا غَرْوَ إِنْ قال العَواذلُ قد صَبا
وأَلَّفْتُ بينَ الشَّوقِ والصَّبرِ عنكُمُفما اجتمعا بل كان شوقُك أغلبا
ولمّا سألتُ القلبَ سلوةَ حُبِّكموشاورتُه فيما أُحاوِلهُ أبى
ومنها:
وما استطعمتْ نفسي طعاماً بلذّةولا استعذبتْ من بَعْدِ بُعْدِك مَشْرَبا
فيا منتهى الآمالِ يا منتهى المُنَىأُردِّدُها حتّى أَهِيمَ وَأَطْرَبا
تَوخَّيْ كتابي وابْعَثي لي رسالةًكتاباً بليغاً عن كتابك مُعْرِبا
وأنشدني أيضاً لوالدته الرشيدة هذه من قصيدة أولها:
عُوجا علي أرضهم غداً ولِجاوالْتَمِسا لي من حبّهم فَرَجا
ثُمَّ اسألا عنهم الدِّيارَ عسىتُظهِرُ لي من جوابها حُجَجا
ومنها:
لا تمدَحَنْ غيرَ مَنْ تُجَرِّبهُفرُبَّما يستحقُّ منك هِجا
فكم دخيلٍ بغيرِ معرفةٍغير عليمٍ بأنَّهُ خَرَجا
واصْبِرْ لصَرْفِ الزَّمان محتسِباًبما طواه الزَّمانُ وانْدَرجا
لا تُؤْكَلُ القِدرُ غيرَ ناضجةٍوجادَ أكلُ الطَّعامِ إِن نَضِجا
ولها أنشدني ولدها علي العبدي:
تضايقتِ الأُمورُ فَدَتكَ نفسيبلا شكوى ويُوشِكُ أن تَضيقا
إذا أعياك أمرٌ في مُهِمٍّولم تلحقْ لمخرجه طريقا
فثِقْ باللهِ فارِجِ كلِّ هَمٍّوسَلْ من بَعْدِ ذالِكُمْ الصَّديقا
وأنشدني أيضاً ولدها علي لها:
دَعْ سالفَ الأمواتِ لا تَبكْهِمْوابْكِ على نفسك يا جاهلُ
ما أنت بالخالد من بعدهمْأنت على آثارهم راحلُ
وأنشدني لها ولدُها مَرْثِيَةً:
أقولُ ولم أبلُغْ نهايةَ فضلِهابكاك ويبكي الوالدُ المتندِّمُ
تشيرُ فلا يَعْيا الصَّواب برأيهايَعِزُّ علينا كيف تُنسَى وتعدمُ
وإِن تَكُ قد ماتت لنا أُسوةٌ بمَنْمضى قبلَها فيما يُظَنُّ ويُعلَمْ
وفاطمةُ الزَّهراءُ بنت مُحَمَّدعليها سلامُ الله ماتت ومَرْيَمُ
النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع