من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأمير حسام الدولة أبو الغيث محمد بن المغيث بن حفص الحنفي
من أمراء ربيعة بالبصرة.
أباً لغيث الماطر، تشبيه أبي الغيث في غزارة الخاطر؟ أم بالليث الخادر، تمثيله في بسالته القاسرة للقساور؟ كان من أمراء العرب والعربية، شاعراً مُجيداً مفلقاً. بذَّ أهل مدرته في نظمه ونثره، وجزالة شعره، ورقة قوافيه، ودقة معانيه.
أنشدني ولده بركة، وهو شاب فاضل كثير الأدب غزير الفضل، بالبصرة، في شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، وكتب لي بخطه هذه الكلمة من شعر والده، من غزل قصيدة طويلة:
أرى الغانياتِ نَكِرْنَ النَّكِيراوأعرَضْنَ عن مُخْلِسِ الرّأسِ زُورا
وعاصَيْنَ شيبي وكنتُ المُطاعَ أَيّامَ كان شبابي أميرا
وقالت سُلَيْمى أتاك الوَقارُوما يمنَحُ الوُدَّ إلا غَرِيرا
بما يا سُلَيْمى إذا ما مَرَرْتِبَتَكْتِ العُرا وهَتَكْتِ السُّرورا
ونازعتِ لا ترقُبِينَ الرَّقِيبَ نَحْوِي ولا تَرْهَبِينَ الغَيُورا
لقد جُرْتِ في هِجرتي والجيبُ لا يُكْمِلُ الظَّرْفَ حتّى يجورا
أتَنْسْنَ أيّامَنا بِالسَّدِيرِسقى اللهُ بالمُعْصِرات السَّدِيرا
وأنتِ تَرَيْنَ الزَّمانَ الطويلَإذا فُزْتِ باللهو منّي قصيرا
وما حالَ إِلا سوادُ العِذارِولا زادني الشَّيبُ إلا غرورا
وعندي من الجهل لو تعلَمينَ ما يخلَعُ العقلَ إِلا يسيرا
أرى أقربَ الصَّحْبِ منّي الغُواةَوأغلى الشَّرابِ عليَّ العصيرا
وَأوْلى المَجالسِ لي أَنْ أُرَىلمُطْرِبةٍ بينَ دَنَّيْنِ زِيرا
يُرَنّحِهُا الدَّلُّ سُكراً عليَّفأَنشَقُ من عارِضَيْها عَبِيرا
وَأرشُفُ من رِيقها بارداًبِفِيَّ وفي صَدْعِ قلبي سعيرا
وقالت سُلَيْمى متى سُمْنَهُ التَّصَابيَ أَرْخَى لهنَّ الجَريرا
يُعاني وراءَ العيونِ العيونَويُجْشِمُ دُرَّ الثُّغورِ الثُّغورا
طلَعْنَ شموساً فَرُمْنَ الغروبَحِذارَ العُلى وسَبَلْنَ الشُّعورا
ومِسْنَ غصوناً أحالَ النَّعِيمُ أوراقَهنَّ لعيني حريرا
يُفِدّينَ زهراءَ مثلَ الغَزالِ يأبى من الإِنْس إلا نُفورا
أَراها فيحُدِثُ لي وجهُهاعلى القلب ناراً وفي الطَّرْف نُورا
خَلِيلَيِّ هل يُكْتَرى لي كَرىًلَعَلَّ خَيالاتِها أَن تزورا
لَعلَّ المنامَ يُداوِي الغرامَبوصل الحبيبِ ولو كان زُورا
ومن مدحها:
لك السَّيفُ والقلمُ الأَعْلَيانِ تَرُبُّ بهذا وذاك الأُمورا
فذا إِن برى لم يَفِلْ شَرُّهوذا إن جرى قالَ دُرّاً نَثيرا
يفُضُّ الكتيبةَ منك الكتابُكأنَّك بالرُّعبِ تُنشي السُّطورا
وأهدى إلي ولده كُراسة بخط والده من شعره، ورواه لي وفيها: له وأنشدني أيضاً علي العبدي عنه:
سقانيَ برداً صدَّعَ الثَّغْرَ بردُهوأودعَ قلبي حينَ صافحه جمرا
فَبِتُّ أرى عمري الّذي فاتَ ليلةًوليلةَ وَصلي في زيارته عُمرا
فلو مات سكراناً من الرِّيق عاشقٌلَمْتُّ وقد أسرفتُ من ريقه سكرا
فيا ليلُ طُلْ لي قد ظفِرتُ بمُنْيَتيويا صبحُ لا تبعَثْ إلى ليلتي فجرا
وأنشداني من قصيدة طويلة وكتبها بخطه:
حِدْ ولُمْنِي يا عاذلي مثلَ وَجْديأو تَرفَّقْ فليس عَذْلٌ بمُجْدِ
لا تَكِدْ لي فالعينُ عيني إذا أَسخَنْتُها بالبكاء والكِبْدُ كِبْدي
لم يضمَّنْ قلبي وقد مزج الشوقُ دموعي في رَبْع سُعْدَى بسَعْدِ
أَسْبِل الدَّمْعَ مَسْقَطَ العِقْدِ بالسِّقطِ وَأبْرِدْه في مَجَرّ البُرْدِ
خَلِّ لومي إِنْ كنت خلِّي وَأنْجِدْني على نحب كلِّ رَبْعٍ بِنَجْدِ
هذه دارُها فأين الظِّباءُ الْإنْسُ فيها أَلْوَى بها الدَّهرُ بعدي
قد دهاني من بينِ سُعْدَى فهل أَنْتَ مُعِيني ما هوَّنَ الهجرَ عندي
أيُّ شيءٍ في الحبِّ أَفنتَكُ للمَعْشُوق بالصَّبّ من نَوىَ بعدَ صَدِّ
وبخطه أيضاً أنشدانيه:
أَتُراكم استوحشتُمُ لمَفارِقٍأمسى لِوَشْكِ فراقِكم مستوحشا
ضَمِنَ الهوى قلباً وفَتَّ من الجَوىكَبِداً وحرَّقَ من لَظَى شوقٍ حَشا
فلَو أَنَّ ما يَلْقَى من البُرَحاء فيحَجَرٍ صَغا أو مُقْعَدٍ زَمِنٍ مشى
وأنشدني له أيضاً وكتبته من خطه من قصيدة في مدح الأمير
أبي سنان، محمد بن فضل الله بن عبد الله بن علي صاحب البحرين:
قِفا تُسْعِدا في رَبع هند على الهوىحزيناً عليه لم يُلِمِّ به عهدُ
ألا حَبَّذا تلك الرُّبا بِمُحَجّرِوذاك الكَثيبُ الفَرْدُ والأجْرَعُ الفَرْدُ
ويا حَبَّذا جَرّي على الأرض مِئْزَراًتَضَوَّعَ من أهدابه الشِّيحْ والرَّنْدُ
ولمّا أَمَرَّ الحيٌُّ عنّيَ أمرَهُوشَطَّ بهندٍ أَنْ أُراوِدَها البُعدُ
ووَلَّوْا وما أَسْدَوْا يداً عندَ عاشقٍولا شُدَّ في شرع الهوى لهمُ عَقْدُ
وقد بقِيت في نفس يعقوبَ حاجةٌولم يَقْضِ زَيْدٌ منهمُ وَطَراً بعدُ
ظنَنْت بقلبي سلوةً فإِذا الهوىيَزيدُ وحامي شوقِها منه يحتَدُّ
فلا غَرْوَ أَنْ خانت وفيّاً خريدةٌولا عجَبٌ أَنْ لا يَصِحَّ لها وعدُ
وفاءُ الغَواني للشَّباب فإِنْ بدالهنَّ مَشيبٌ منك أعرضنَ إِذْ يبدو
ترى البِيضُ بِيضَ الشَّعْرِ في الرَأس وحشةًويَقْرُبْنَ منه البِيضُ إذْ مُسْوَدُّ
فيا عَجَبا يَنْفُرْنَ عن ذي قرابةٍشبيهٍ ويُدنيهِنَّ من وصلها صَدُّ
ومن مديحه:
أَمِيلا صُدورَ العِيسِ نحوَ محمَّدٍفثَمَّ الجَنابُ الرَّحْبُ والكَرمُ العِدُّ
أَميلا فمن بحر الأمير محمَّدِ بْنِ فضلِ بْنِ عبد اللهِ يُستعذَبُ الوِردُ
ونِعْمَ مُناخُ الرَّكْبِ بابُ محمَّدٍإذا ضَنَّتِ الأَنْواءُ وامتنعَ الرِّفدُ
فما بعدَ أن تُلقي إليه رِحالَهايَمَسُّ ولا رُكبْانَها أبداً جَهْدُ
هُمامٌ إليه يُنْسَبُ السَّرْوُ والنَّدَىفيلقاهما في عرضه الشّكرُ والحمدُ
له عندَ تقطيبِ الوجوهِ طَلاقةٌإلى الرّاغبِ الرّاجي ومَكْرُمَةٌ شُكْدُ
وله وأنشدنيها وكتبتها نم خطه. فمنها، في وصف الفرس:
يعدو به طِرْفٌ أَقَبُّ كأنَّهوَعِلٌ تَوَقَّلَ في مَزَلِّ صعودِهِ
متمطِرٌ كالسِّيدِ أصبحَ طاوياًفارتادَ يَعْسِلُ مطمعاً في بِيدهِ
وبعده:
إن جرَّدَ الهِنديَّ يومَ كريهةفالموتُ يحسُدُه على تجريدهِ
أو جَرَّ خَطِّيّاً كأنَّ سِنانَهُرَجْمٌ شَرِي فهوَى على مِرِّ يديهِ
مشروعة في قلب ثُغرةِ بُهْمَةٍيومَ الوَغَى أوحشي حبلِ وَرِيدهِ
وفيها:
وأبْيَضَّ وجُهك في زمان أعربتبين الأَشائمِ بِيضُه في سُودهِ
وفيها:
رَحْبُ الفِناءِ تَرى الضُّيوفَ ببابهحِزَقاً كأَسْرابِ القَطا لوُرودهِ
يَلْقى العُفاةَ بفضلٍ من نَيلهقبلَ السؤالِ وعاجلٍ من جودهِ
وترى به النُّوّابُ عندَ لِقائهمَرْأَى هِلالِ الفِطرِ ليلةَ عيدهِ
وله:
الكَيْسُ لا يَجْلُبُ رزقاً ولايمنَعُ منه قلَّةُ الحِيلَهْ
واللهُ جَلَّ اللهُ في ملكهيَقْسِم للذَّرَّة والفِيلَهْ
فاقنَعْ ولا تَجْشَعْ فما قدرةٌتَزِيدُ أو تنقُصُ في كِيلَهْ
وكتبت في خطه الذي أهداه لي ولده، ورواه:
أنشدت بيت (العباس بن الأحنف):
لها روحي الغَداةَ وروحُها ليفنحن كذاك في جسدينِ روحُ
فقلت:
فلا بُعدٌ يُغيِّرُنا لِودّولا سِرٌّ لنا أبداً يبوحُ
نروحُ كما اغتدينا في صفاءونغدو في الصَّفاء كم نروحُ
وله من الخمريّات نقلته من خطّه أيضاً:
عوفيت من حُرَقي ومن أشجانيورجَعْت عن عشقي إلى سُلْواني
وأطَعْتُ فيك عَواذِلي وتملّكتأيدي الوُشاةِ العْائِبِيكِ عِناني
إِن كنتُ خُنْتُكِ في المغيب بلحظةمن ناظري أو لفظة بلساني
قَسَماً أَبُرُّ به إليكِ وإن يكنريبٌ حلفتُ لكم يميناً ثانِ
يا هندُ لا حمَلَتْ ثلاثُ أَنامِليكأساً وأرعشتِ القِداحُ بَناني
وبحلت في حدر القِيانِ وصاحَ بي النَّدْمانُ يا بَرَ ما على النَّدْمانِ
إن كان سِرُّكِ ذاعَ مُذْ أوْدَعْتُهقلبي وبُحْتُ به إلى إنسانِ
أُخفِيه عن فِكّرِ الضَّمير فتعتليمن دُونهِ محجوبةً بصِيانِ
ويَحِلُّ حيثُ يُرَى السُّرورُ مُوَلِّياًعنه ومطَّلِعاً على الأضغانِ
وحلاوةُ النِّعَم الجِسامِ وضَجَّة النّاياتِ تبهَرُ ضجَّةَ العيدانِ
وجلالةُ الخمّارِ يخرُجُ رائعاًفي مَسْحَة من ظلمة الدُّكانِ
وبِطانُه حولَ الدِّنانِ لِتتَّقِيمن سَوْرة الصَّهباءِ بالأَقْرانِ
وبروزُها مثل الشُّعاعِ تَميسُ فيحُلَل من الياقوت والمَرْجانِ
صفراء ما مُزِجتْ فإِنْ باشرتَهاصِرفاً أتتك شَقائقُ النُّعْمانِ
تَهْوَى النِّكاحَ وتختشي من بأسهفتَظَلُّ تُرْعَد رِعدةَ السَّكرانِ
فِإذا أراقَ الفحلُ فيها ماءهجَعَلَتْ تُكِبُّ على لسان الزّاني
مبسوطة السُّلطانِ إلا أَنَّهاكِسْرَى قُباذَ ولا أَنُوِشَرْوانِ
ولها الشَّجاعةُ لا ابنُ كُلثومٍ يُسامِيها ولا شَهْلٌ فتى زِمّانِ
حتى تَتِيهَ ولا تزالُ بتِيههاتُفضي مراتبُها إلى النُّقصانِ
وترومُها الخُلَعاء من متطايبفَكِهٍ ومن متمسخرٍ صَفْعانِ
وتزيدُ في حدِّ الخلاعة أو تُرّىفي رتبة الصِّبْيان والنِّسوانِ
وبحِلْمها وبجهلها قَسَماً أرىعندي له فضلاً على الأَيْمانِ
ما حَلَّ قلبي غيرُ حِبّكِ فاعْلَمييا هندُ عِلماً واضحَ البرهانِ
ولنَظْرَةٌ منّي إليكِ على الَّذيألْقاه من صدّ ومن هِجرانِ
أشهى إليَّ من الشّفاء إلى أخيمرضٍ ومن ماء إلى عطشانِ
وله أيضاً بخطه:
لقد ضَمَّ قلبيّ شوقٌ إِلَيْكِ لو ضَمَّهُ حجرٌ لانْفَرَقْ
ولو مازج الماءَ في الزَّمْهَرِيرِ من حرّه لاَلْتَظَى واحترقْ
وله بخطه أيضاً:
قالا نراك ولم تَغِبْ عن دارهيومينِ قد أوهَى قُواك فِراقُهُ
قلت اعذُرا في الوَجْد دُفْتُ لبَيْنِهِكأساً يُفَتُّ مع المحبِّ مَذاقُهُ
فارقتُه وتركتُ قلبي عندَهيا صاحبَيِّ فكيفَ لا أشتاقُهُ
وله من مدح قصيدة من خطه نقلته:
تغايرتْ فيك للعلياء وائْتلفتْضرائرٌ وتلاقت فيه أضدادُ
حامٍ مُبيحٌ مُفيدٌ مُتلِفٌ مُقِرٌحُلْوٌ عَفُوٌّ سريعُ الحَلِّ سَدّادُ
وبخطه من الخمريات له أيضاً، من قصيدة طويلة:
ما شاقني حاتِمٌ ولا صُرَدُولا شجاني رَبْعٌ به وَتِدُ
لولا نويت الوقوفَ في عرص الدّار عليها السَّرابْ يَطَّرِدُ
والعِيسُ في البِيد لا أُكلّفُهاتُعْنِقُ بي راكباً ولا تَخِدُ
لا أَمتطي في الفَلا الجَدِيلَ ولاتنقُلُ رحل عَيْرانَةٌ أجُدُ
لم تُبْكِ عيني دارٌ بكاظِمةولا استباني العَلْياءُ والسَّنَد
ما لي ولِلمَهْمَهِ القِفارِ وقدجمَّعَ لذّاتِ عيشِنا البلدُ
أُصبِحُ بينَ الصِّحابِ مُنتشياًمن خمرة كالشُّعاع تَتَّقِدُ
قد عَبِقت في دِنانها ومضىلها وما فُضَّ ختمُها أَبَدُ
روى لنا القسُّ حين ناظَرَنافيها وثارَ الجِدالُ واللَدَدُ
أنَّ أبا جَدِّه وكان بهايَضِنُّ عن مثلنا إذا رقَدْوا
أفضى إلى ابن ابنه بأنَّ لهافي الدَّنّ مُذْ كان بيضةً لُبَدُ
فحينَ أبدى لنا سرائرهاحُلَّت لنا من نُقودنا العُقَدُ
وقام يمشي مُحْدَوْدِباً وعلىعصاه بينَ الدِّنانِ يعتمدُ
ثُمَّ تَوخَّى بمنزِلٍ معهفؤادَ دَنٍّ لرُوحه زَبَدُ
فأقبلت كالدَّم المُراقِ فهلرأيتَ دَناً يا صاحِ ينفصدْ
وضاعَ في البيت نَشْرُ رائحةٍيهرُبُ منها الزُّكامُ والرَّمَدُ
وابتدر القوم بالرَّقِين وبالعَسْجَد لا يحفْلون ما وجَدوا
وكالَنا مسرعاً وصاح هَيَاعجوزُ نادي الغلامَ ينتقدُ
فجاء بدرٌ يُقِلُّه غُصُنٌيكادُ ليناً إِنْ ماسَ ينحصدُ
فقبَضَ الشَّيخ مَهْرَ خمرتِهوقد دهاني من حبّه الكَمَدْ
فقلتُ قُمْ يا غلامُ نرتضعِ الكأسَ فكلُّ لِثَدْيها وَلَدُ
ولم أزَلْ بالكلام أَخلُبُهيقرُبُ منّي طوراً ويبتعدُ
حتّى سخا بالوِصال عن بَخَلٍوالمرءُ فيما يهواه يجتهدُ
وقام يسعى بكأسها رَشَأٌمسلَّطٌ ما لِعَمْده قَوَدُ
يُديرُ من طَرْفه ومن يدهخمرَيْنِ ينحاز عنهما الرَّشَدُ
ومن رُضابٍ بفِيهِ ثالثةًتجري بثَغْر كأنّه بَرَدُ
إذا حذا بابْنَة العصير فميأقبلتُ بابْنِ العصيرِ أَبْتَرِدُ
أَلْحَظُهُ وَهْوَ مُطرِقٌ خجِلٌيَكسِرُ من لَحْظ عينهِ الحَرَدُ
والقومُ قد صاحت المُدام بهممُوتُوا فإِنّي لقتلكم صَدَدْ
وقد تمشّت فيه الشَّمُولُ فماله على شُرْب كأسِها جَلَدْ
ولا لسانٌ له فيُسْمِعنيقولاً ولا للدِّفاع عنه يَدُ
وقلت قُمْ يا غلامُ قد سكِر الرُّفقةُ وارقُدْ فالنَاسُ قد رَقَدُوا
فقام يُومي نحوي بإِصْبَعهِلا تَجْنِ ذنباً لم يَجْنِهِ أحد
فجئتُ أحبو إليه ليس يرىصُنْعيَ إلا المُهَيْمِنُ الصَّمَدُ
وكان منّي ما لا أُفسِّرُهُوالقومُ مثلُ الجُذوعِ قد خَمَدُوا
ذلك دهرٌ مضى نَعِمْتُ بهوالمرءُ يَشقَى حيناً ويرتعدُ
وكُلُّ يومٍ لبِست جِدَّتَهيَمضي ويأتي بما سِواه غَدُ
قد وَعَظ الشَّيبُ فانزجرتُ لهوكان منّي الخلافُ والفَنَدُ
وثابَ حِلْمي فصِرتُ أنكِرُ ماكنت إليه أسعى وَأحْتَفِدُ
وله من غزل قصيدة نقلها من خطه أيضاً:
أَلَمٌّ برَحْلي بعدَما هَجَع السَّفْرُخَيالٌ سرى عهدي بإِلمّامه عُفْرُ
وأَهدى إليَّ المالكيَةَ في مِنَىلقد بَعُد المَرْمى ومنزلُها العَمْرُ
وما زارَ منّي الطَّيْفُ إلا حُشاشةًبراها النَّوَى والقربُ والوصلُ والهجرُ
وباتت تجلّى لي مَعانٍ يَزْفُّهاإليَّ الكَرَى والذّكرُ والشَّوقُ والفكرُ
وأصبح عندي خفّة ظَنَّ صحبتيوقد أنكروا أَشراطَها أَنَّها ذُعْرُ
ويُقسِم لي عمرو وقد شَمَّ مِطْرَفيلقد بات في دارِينَ أو مَسَّه عِطرُ
نَعَمْ أودعته الطِّيب كيف تولَّعتبأهدابه في آخرِ الليل يا عمرو
يخاف النَّوَى بالحلف قلبي صَبابةًويَنْفِرُ رُعباً كلَّما رَمَلَ السَّفْرُ
رمى الوفدُ أفرادَ الجِمار وقد رمىجنوناً بِلَيْلَى حَرَّ أحشائيَ الجمرُ
وحَجُّوا وحجّت كعبة الحسن همّتيفهل لذنوبي عندَها في الهوى غَفْرُ
ألا هل مُجيرٌ من ضَنَى أُمِّ سالموما عُذْتُ إلا حينَ أسلمني الصَّبرُ
وله من قصيدة وكتبتها من خطه أيضاً:
مَغانٍ لِسَلْمَى أقفرتْ ورُسومُعَفَتْهُنَّ أرواحٌ جرت وغُيومُ
وَقَفْتُ بها بينَ القَليبِ فراكسٍقِلاصاً عليها لائمٌ ومَلْومُ
فمَنْ مُسعِدٌ لي بالبكاء وزاجرٌله في خلافِ العاشقينَ عَزِيمُ
فريقانِ أَمّا من أخافُ فراحلٌمُجِدٌّ وَأَمّا ذو الهوى فمقيمُ
فلمّا تَبيَّنّا الدِّيارَ كأنّهامَهارقُ من طول البِلى ورُسومُ
عَرَفْت برَبْع العامريَة معهداًوعهدي به لولا الغرامْ قديمُ
فأذكرني دهراً مضى لي بقُربهسَقِيٌّ ولم يُحْزَنْ عليه سَليمُ
لياليَ غُصني ناضرٌ ومؤَنَبيعَذِيرٌ وعيشي في الشَّباب نعيمُ
وسَلْمَى إذا ناديتُ سَلْمَى مجيبةٌولو غارَ ذو قُرْبَى لها وحَميمُ
وما روضةٌ باتت وللطَّلّ فوقَهاعيونٌ لها بينَ الكِمامِ سُجومُ
وأضحت وأنوارُ الأَقاحِ كأَنّهاقَسِيمةُ تَجْرٍ بالعِراق تسومُ
بأحسنَ من سَلْمَى إذا ما نظرتُهاوقد حانَ من شمس النَّهار وُجُومُ
وَأطْيَبَ منها نفحةً إِذْ تحرَّكَتْفيأتيك بالمسك الفَتِيق نسيمُ
وما نُطفةٌ من ماء مُزْن ترقرقتعلى قُنَّةٍ تصفو بها وتدومُ
قَرَعتُ بها صَهْباءَ جوَّدَ عَصْرَهاوتعتيقَها جَوْفَ الدِّنانِ حليمُ
أتت دونَها الأَيّامُ أَما نِجارُهافباقٍ وَأمّا جسمُها فرَمِيمُ
ومازَجَها ماذِيُّ مسكٍ حبا لهمن الصَّحْر عَسَالُ اليدينِ عليمُ
ترى من طِعان الدَّنِّ وَهْوَ مُصَمِّمإليها على كِلْتا يَدَيْه كُلومُ
بأعذبَ من أَنْياب سلمى إذا بدتإلى الغَوْرِ أَعقابَ النُّجوم تعومُ
وإنّي وسلمى بعدَ ما طالَ هجرهُاوشطَّتْ بها بُزْلٌ لهنّ رَسِيمُ
كذي ظمأٍ يبدو له لَمْعُ بارقٍبقيظٍ فيرجو وَدْقَهُ ويَشِيمُ
فيا قلبُ كان الجهلُ والشَّعرُ فاحمٌيَطيب وأفراخُ الشَّبابِ جُثومُ
فأَما وقد شاب العِذارُ وأصبحتلِداتي على ما استحسنته تلومُ
فخَلِّ الهوى وارجِعْ حميداً عن الخَنافإِنَّ التَّصابي بالشيُّوخ ذَميمُ
وفي الدَّهر لي عن لذَة اللهو شاغلٌومن مَضْجَع الأمرِ الوطيءِ مُقيمُ
ومن مدحها:
هُمامٌ ترى أفعالُه البِيضُ غُرّةًتلوحُ بوجه الدّهرِ وَهْوَ بَهِيمْ
يَرُبُّ عُلَى موروثِهِ عن جدودهوكم من عُلىً ليست لهن أَرُومُ
إذا ضَنَّ بالبِشر المُنِيلُ فبِشرُهُبنيل العلى للمعتفينَ زعيمْ
وأنشدني له الأديب علي العبدي بالبصرة قال: سمعته ينشد في الوداع:
أُوَدّعُ منك بدرَ عُلىً منيراًوبحرَ نَدىً يَطُمُّ على البُحورِ
وأرحَلُ عن جَنابك لا مَلالاًولا أَنّي طرِبْتُ إلى المَسِيرِ
ولكنّ الشُّقورَ بحيثُ أَمضىدعَتْ فأجَبتُ داعية الشُّقورِ
النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع