من «خريدة القصر: قسم شعراء العراق، الجزء الرابع» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأمير شهاب الملك أبو المرجى بن الدقوقاني البصري
من ربيعة.
شاعر مجيد وفاضل مفيد، جياش الخاطر فياض القريحة، حسن الأسلوب.
لقيته لما كنت بالبصرة في النيابة الوزيرية، في صفر سنة ثمان وخمسين وخمس مئة، وهو كهل لكل فضيلة أهل. وشعره ممتنع سهل. وتنشأت بيني وبينه مودة. وقطع الزيارة أياماً بسبب ما تخيله من مطالبتي إياه بخراج عليه في ملاك في معاملة الوزير فخذفته عنه. ثم مدحني بقصيدة وكتب بها إلي. ثم حضر بعد ذلك وأنشدنيها:
سَلْ بِالغُوَيْرِ عن الخَلِيطِ المُنْجِدِوخُذِ الحديثَ عن الغزالِ الأَغْيَدِ
واسمَحْ بدمعِك في مواطئ عِيسِهمكسَماح عُرْوَةَ بالدّموع وعدَدِ
واشْجُ الدِيارَ كما شَجَتْك ونُحْ بهانوحَ الحمامِ على الأرَاكِ بِثَهْمَدِ
راحت بهم خُوصُ الرِكاب لَواغباًمن كلّ قَوْداءٍ وبَكْسرٍ أَقوَدِ
ما رُحْنَ إلا بالبدورِ مضيئةًوظِباءِ شعبةَ والغصونِ المُيَّدِ
فظَلِلْتُ بعدَهُمُ أَسير صَبابةحيرانَ بينَ عزيمةٍ وتجلُّدِ
متجرِّعاً غُصَصَ الكآبةِ والِهاًأشكو الشَّجا متشبِّثاً بالعُوَّد
لا أستلذُّ كَرىً إذا وَقَبَ الدُّجىَوخَبَتْ على الهَضَابِ نارُ المَوْقِدِ
متطِلَباً سهلَ الخليقةِ ماجداًثَبْتَ الدِّعامةِ كالهِزَبْرِ الأَلْبَدِ
حتّى أتاحَ لي الإلهُ بلطفهلُقْيا العِمادِ محمّدٍ بْنِ محمَدِ
العالمُ الحَبْرُ النَّقِيُّ من الخَناالأَرْيَحِيُّ السَّيّدَ ابْنُ السَّيِّدِ
مُفتي الزَّمانِ أخو النَّدَى وخَدِينُهمتيقَظُ الأفكار عَذْبُ الموردِ
تتكسّبُ الأعناقُ منه إفادةًيومَ الجِدالِ إذا احتبى في مشهدِ
كشّافُ أغطيةِ الأمورِ بحكمةمأخوذةٍ عن واحدٍ عن أوحدِ
متردِّدٌ في المجد مندمجُ القُوَىوارِي الزِّنادِ قديمُ عهدِ السُّؤددِ
نافثتُهُ فرأيتُ طوداً شامخاًفي العلم متَّصلاً ببحر مُزبدٍ
رَيّان من ماء العلوم كأنّهغُصنٌ على ممطورة لم تُحصِدِ
من معشر نصَرُوا النَّبيِّ وجاهدوافيه بكلّ مُثَقَّف ومُهَنَّدِ
نسبٌ إلى المجد الأَثيل رُجُوعُهأمسى وأعلامُ الهدى في قُعْدُدِ
بأنامِلٍ لو جَلْمَدا عَبِثَتْ بهلَتَبَجَّسَتْ منه مِياهُ الجَلْمَدِ
يرمي بسهم العث عن عَزَماتهغَرَضَ الخطوب السُّود غيرَ مُفَنَّدِ
ويَسُلُّ من آرائه فيما عراشُعَلاً كمثل الكوكب المتوقَدِ
سمَحَ الزَّمانُ بأن أراه وذادَنيعن أَنْ أَلُوذَ به لِياذَ المعتدي
أصبحتُ من نكَد الحوادث مطلقاًفي حال معتقَلٍ وزِيِّ مُقَيَّدِ
لا آمناً حَتْفاً ولا متخوِّفاًكالوحش آنَسَ هيأةَ المتصِيّدِ
بين الغِنى طمعاً وبين خَصاصةٍومسرَّةٍ بالوعد ضِمْنَ تَوعُّدِ
هذا الَّذي قطَع الزِّيارةَ رغبةًجُهْدَ المُقِلِّ مع الثَّناءِ الجيّدِ
لكِنْ أواصِلُ بالدُّعاء ديانةًجُهْدَ المُقِلِّ مع الثَّناءِ الجيّدِ
فاسْلَمْ لتدبير الأمورِ ودُمْ لمنيرجوك للدُّنيا دوَامَ الفَرْقَدِ
تُهدي لك الدُّنيا جميلَ فَعالِهاوتُجِدُّه أبداً برُغْمِ الحُسَّدِ
وأنشدني من قصيدة أولها، ونقلته من خط الوزير عون الدين، نفذها إلى بغداد، فأعيدت إلى البصرة، ورسم لي تأملها:
هل للخليطِ أَ، يَفِيءَ آئباوأَنْ تهُزَّ الأَيْنُقُ المراكبا
وهل يَدُ القربِ على شحط النَّوَىبرُغْمِ دهرٍ لم يَزَلْ مُحاربا
يا نوقُ ما حَمَلْتِ يومَ بَيْنِهمإِلا بدوراً جانَستْ أَعارِبا
ضَمَّت بأجراعِ النَّقا قِبابُهمجَآذِراً واكتنفتْ رَبارِبا
كلُّ مَهاةٍ يسجُدُ البدرُ لهايَفْتَرُّ عمّا يَفْضَحُ الكواكبا
أفاضتِ الليلَ على مَفْرِقهاوأرسلتْ من جُنِحْهِ ذَوائبا
تَميسُ كالبانِ أمالَتْهُ الصَّباظَلَّ له حِقْفُ النَّقا مُجاذِبا
سَفَرْنَ إصباحاً وأرسلن علىأكتافهنَ في الضُّحى غَياهِبا
ومنها:
وا عَجَبا مَنْ ذا رأى جَآذِراًتكتنسُ الْفازاتِ والمَضارِبا
إذا خَشِينَ واشياً مُكاشحاًأو خِفْنَ في حكم الهوى مُراقبا
وإن ضَرَبْنَ موعداً لوامقٍلَزِمْنَ بالأَنامِلِ التَّرائبا
أُلِينُ لفظي للحِسانِ رقّةًويَنْبَرِينَ في الهوى عقاربا
ساعَدْنَ أيّامي عليَّ فانبرتتَسُومُني خَسْفاً وهَمّاً ناصِبا
ومن مديحها:
أسيافُهُ للحادثاتِ قُطَّعٌتقُدُّ من صَرْف الرِّدَى مُضارِبا
قد جَعَلَتْ عمودَها مَشارِفاًتطلُعُ منها والطُّلَى مَضارِبا
أُحصي إِذا شئتُ رمالَ عالِجٍعَدّاً ولا أُحصي لهم مَناقِبا
ومنها:
يا صارماً يَبْتِكُ غَرْبُ حِدّهحوادثَ الأزمانِ والنَّوائبا
متى أرى دهري وقد أوعدتهقد جاءَ مرتاعاً إليَّ تائبا
ومنها:
دَعِ العِدا على مَساوِيها فقدأرسلت بالنُّعْمى عليَّ حاصِبا
وحِصّلِ الدُّنيا بكلّ ممكنفَهْيَ لِمَنْ أصبحَ فيها غالبا
ولا تُذِقْ ضِدَّك عفواً صادقاًفإِنّه يُظهِر وُداً كاذبا
النص من طبعة وزارة الإعلام العراقية، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع