تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الفقيه الطرطوشي

هو أبو بكر بن أبي محمد الفهري المعروف بالطرشوشي كبير الشان، جليل المقدار والميزان، سكن مصر وانتفع به الفقهاء وتفقهوا عليه، وشدت رواحل الطلبة إليه، ورشدت لديه. حكي أنه سعى بولده الى القصبة المصرية، فخرج أمرها بنفيه الى الاسكندرية، وطالت عليه غيبته واشتدت لوعته فكتب إليه بهذه الرسالة وليس فيها من شعره إلا القصيدة التي ختمها بها، أولها: جُرَعُ الفراق شراب الأحبة والأصفياء، وغصص النأي والبعاد كؤوس أهل المودة والوفاء، كأس وأي كأس، تزعج الأرواح، وتضني الأشباح، كأس أمر من المنون، وأدهى من الحرب الزبون:

يقولون ثَكْلاً ومن لم يذقْفراق الأحبة لم يثكل
لقد جرعتني لياي الفراقكؤوساً أمرّ من الحنظل
فيا ليلة الوصل عودي لناكما كنت في الزمن الأول

ومنها: يا بني، فارقتكم على حكم الأقدار، ونأيت عنكم بسبب الاضطرار:

وما كان تركي للأحبة عن قلىولكنه حكم تناهى وأقدار
أراع لذكر البين في كل حالةكأنّ صروف البين عندي لها ثار

يا بني، إذا هاج شوقي وتضعضع اصطباري، واضطرب عزائمي واضطرمت بلابلي، أسَرّحُ طرفي فلا أراكم، وأستقبل الركبان فلا ألقاكم، فلا نسيمك أشمه، ولا شخصك أعتنقه وأضمه، ولا وجهك أستدنيه وألتزمه، وأبسط كفاً، وأرفع الى السماء طرفاً، وأذرف الدموع ذرفاً، وأقول كما قال من فهم عن الله أمره، ولم يعارض قضاءه وقدره، لما ابتلي بفراق أحبّائه، وصبر على بلائه: صبر جميل، والله المستعان على ما تصفون. يا بني كلما ذكرتكم، هاج شوقي الى رؤيتكم، ألحظ السماء لعلّي ألحظ النّجم الذي تلحظونه وأنا أقول:

أقلب طرفي في السماء مردّداًلعلي أرى النّجم الذي أنت تنظر
وأستعرض الركبان في كل وجهةلعلي بمن قد شمّ ريحك أظفر
وأستقبل الأرواح عند هبوبهالعل نسيم الريح عنك تخبر
وأمشي وما لي في الطريق مآربعسى نعمة باسم الحبيب تذكر
وألمح من ألقاه من غير حاجةعسى لمحة من حسن وجهك تسفر
وإن قرعت سمعي بذكراك قرعةفمن مقلتي تبكي السحاب وتقطر

ومنها:

ومن ظلّ في عيد يسر بأهلهفما لي من الأهلين إلا التحيّر
وإن زار إلفاً إلفه زرت منزلاًوحولي من أهل الحفيظة معشر
يضاحك في ذا العيد كل حبيبهوما لي منكم من أناجي وأنظر
يؤوب الى الأوطان من كان غائباًوما لي من الأوطان إلا التذكّر
ويأوي الى الأحباب من كان حاضراًومن دون أحبابي ليالي وأشهر
كأنّا خلقنا للنوى وكأنّماعلى شملنا خُطّت من البين أسطر
أأحبابنا هل يجمع الله شملناعسى نلتقي قبل الممات ونحضر
أما حذر الواشي من الدهر صرعةفللدهر واش لا ينام ويسهر
لعل الذي لا يرتجي الخلق غيرهيُجمع ذا الشمل الشتيت ويُجْبِرُ
وأرجو من الرحمان إنجاز وعدهفتقوى أجور الصابرين وتظفر
فيا ربّ فاحكم بين عبديك واحدضعيف وعبد يستطيل ويقدر

توفي ﵀ في حدود سنة ستين وخمسمائة.

النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.