تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

محمد بن محمد يعرف بابن اليثربي

القرطبي. معظم ما يذكره ابن بشرون في المختار من الأندلسيين يرويه عنه ويذكر أنه لقيه في مدينة صقلية وقد صنف لمتملكها رجار الإفرنجي في مسالك الأرض وممالكها كتاباً كبيراً سماه نزهة المشتاق في مخترق الآفاق، ثم ألّف بعده لولده غليوم صاحب صقلية كتاباً في المعنى أكبر منه سماه روض الأنس ونزهة النفس. ووصف ابن بشرون بتوليد المعاني في الشعر وتجويدها، وتوطيد المباني في السحر وتشييدها، لا سيما في توشية التوشيح، وتوشيع نظمه المليح، فإنّه حاذق زمانه، وسابق ميدانه، وهو قريب في عصرنا هذا. وقد أورد من شعره ما يروع ويروق، ويضوع ويفوق، ويطرب ويشوق، ويحسد عقوده وسعوده العقيان والعيوق، ويصف مزجه ووهجه الرحيق والحريق. فمن ذلك قوله:

وزائر زار في الظلماء إذ هجعتعين الرقيب ولم يشعر بنا بشر
فقلت أهلاً وسهلاً قال من دهشدعني من القول إنّي خائف حذر
فقلت لا خوف إن الحي قد رقدواوالليل محلولك الأرجاء معتكر
ثم اعتنقنا كغصني بانة وفميبين الترائب أشكو وهو معتذر
حتى إذا نمّ واشي الفجر قام وقدخاف الفضيحة مغتاظاً له ضجر
وقال لما اعتنقنا للوداع وقدرأى التياعي ودمعي مسبل همر
لا تَبْكِ عيناك بعدي سوف يضحكهامني اقتراب وزورات لنا أخَر
ثم افترقنا ولو أعطى الخيار بهلما افترقنا ولكن عاقنا القدر

وقوله:

كم ليلة جمعتنا دار بارقةفي عصبة من ذوي الأخطار والرتب
حيتهم الراح في ثوب معصفرةوقلدت جيدها عقداً من الحبب
بتنا بها والرحيق الصرف تصرعنابين الجداول والأنهار والعشب
حتى أتى الصبح في جيش النهار وقدولت عساكر ليل جدّ في الهرب
قمنا حيارى ندير الكأس ثانيةبقهوة ترتمي للمزج باللهب
الى عشاء نهار عيب آخرهبفرقة سلبتنا بردة الطرب

وقوله من أخرى:

بأبي الذي أذكى الجوانح ناراوفّى فوافى في الظلام وزارا
متحملاً من صرف راح نمةصفراء يخطف نورها الأبصارا
ناولته كأساً فظل يشجهامتمززاً لمذاقها إطهارا
ثم استمر يسيغها وكأنّهينوي العتاب ويؤثر الإسرارا
حتى إذا لوت المدام بعقلهوسطا به والي الخمار وجارا
نبذ الوقار وقام يثني طرفهغضباً وأعلن بالعتاب جهارا
ما زال يسقيني مدامة عتبهحتى سكرت وما شربت عقارا
ونوى المسير فلم تجبه لسيرهقدم وقيده الخمار عثارا
قبلت أخمص نعله وصددتهعما أراد من المسير وحارا

منها:

حتى إذا ما الليل شمر ذيلهوغدا الصباح يضاحك الأنوارا
نبهته من نومه وكأنّهشمس تجلّت للعيون نهارا
أعلمته ما كان منه بسكرهفأتى الجحود ولازم الإنكارا
وأجاب يمزح عند آخر قولهمن حبّ ذلّ ومن تعزّز جارا

وقوله في لزوم ما لا يلزم:

أفدي التي زارت وجنح الدجىمنسدل تخطو بنا ساريه
أثقلها المشي فلاحت لناكأنّها في ذاتها ساريه
قلت لها أمزح: من أنت ذيقالت أنا جئتك من ساريه
فبت مسروراً بها ليلتيوالجوّ صاف ما به ساريه

وقوله في الزهد:

أرى كل يوم للمقيمين رحلةولا شك أنّي فيهم سوف أرحل
وليس معي زاد أعد لرحلتيولا لي عذر عندما أنا أسأل
وعندي ذنوب لا أقوم بعدِّهايقلّ لها وزن الجبال وتثقل
وليس سوى عفو الإله فإنّهكريم له عند الرجوع التفضّل

النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.