من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو بكر يحيى بن بقيّ القرطبي الأندلسي
الشاعر، توفي سنة أربعين وخمسمائة. أنشدني عبد الله المغربي قال أنشدني أبو عبد الله ابن مطرّز المغربي لابن بقي قطعة استحسنت هذا البيت فيها وهو:
أبعدته عن أضلع تشتاقهكيلا ينام على فراش خافق
وتمام القطعة:
بأبي غزال، غازلته مقلتيبين العذيب، وبين شطي بارق
وسألت منه زيارة تشفي الجوىفأجابني منها بوعد صادق
بتنا ونحن من الدجى في لجّةومن النّجوم الزهر تحت سرادق
عاطيته والليل يسحب ذيلهصهباء كالمسك الفتيق لناشق
وضممته ضم الكمي لسيفهوذؤابتاه حمائل في عاتقي
حتى إذا أخذت به سنة الكرىزحزحته عنّي وكان معانقي
أبعدته عن أضلع تشتاقهكيلا ينام على فراش خافق
لما رأيت الليل آخر عهدهقد شاب في لمم له ومفارق
ودّعت من أهوى وقلت تأسّفاًأعزز عليّ بأن أراك مفارقي
وأورده عثمان ابن بشرون المهدوي في كتابه المختار، وذكر أنه ذو النظم الرائق المليح، وإن جلّ شعره في التوشيح، وله ما ينيف على ثلاثة آلاف موشحة، ومثلها قصائد ومقطعات منقّحة. أورد لابن بقي هذه القصيدة مصححة:
منازل لك يا سلمي بذي ضالهيّجن لاعج أوصابي وبلبالي
تعاقرتها الليالي بعد قاطنهابماجنين لها ساف وهطّال
هنّ المنازل قد أودت معالمهاوبدّلت من برود سحق أسْمال
وإن عهدت بها الآرام كامنةلله ما هاجني من رسمها البالي
كالوشم في أذرع كالوحي في صحفكالحبل في حلل، أفضت لإحلال
لم يبق مما يهيج الشوق باقيةإلا تلوّم عشاق بأطلال
حقاً سلوت ولم تحفظ عهودهموإنما ذاك فعل الخائن السالي
هلا حننت الى ربع أقمت بهمع الكواكب في تجرير أذيال
وكم قضيت مع الحسناء في أربالدهر قد نام عنا نوم إغفال
تضمنا حيث لا يدري الرقيب بنازنجية بالدراري جيدها حالي
كأنما البدر إذا عمّ البلادَ سناملك تطلع من إيوانِه العالي
فرقعة الأرض قد أبدت مساحتهاشهب أفاضت زواياها بأشكال
ليت الغزال الذي وافى المساء بهكانت إقامته من غير ترحال
وليت مكتوبة الظلماء ما محيتله بماء من الأشباح سيّال
يا مشفقاً من سقام كنت ألبسهأنا جنيت على نفسي وأولى لي
هي الصبابة إلا أنّها مرضلا قرّب الله منه يوم إبلالي
بيض الكواعب لا بيض القواضب ليفمن لصبّ مشوق رهن بلبال
دع الكماة لدَى الهيجاء بينهمرجم الأسنّة وارجمني بخلخال
وإن تساقوا كؤوس الموت عن حنقفسقِّني الريَّ من صهباء جريال
ما لي وللهمّ ليس الهم من أربيأنا الغني بنفسي ليس بالمال
وقد وثقت على العلات من زمنيأن سوف ينسخ إدباري بإقبالي
أما وتبريز بختي في السيادة لابكيتُ دهريَ من حط وإخمال
أليس في الأرض للطاوي مسارحهامندوحة بين إملال وإقبال
قالوا تغربت عن أقطار أندلسومن يقيم على هون وإقلال
ما لي وإيطانها داراً وقد سئمتمن المقام بها خيلي وأحمالي
نفضت فيها من العيش الهنيّ يديوهل يعيش كريم بين بخّال
وكم لئيم تجافي بي فصلت بهإذ غرّه اللين من مسّي وتسهالي
لم ينجه أحد مني وقد كثرتله القصائد عن أبيات أعوال
اليوم أهللت من سلمى الى قمريجلو الظلام الذي استولى على حالي
حسبي به من أبيّ الدهر مبتغضأرمي به الدهر رءّاباً لأبال
لا بالقنوط إذا ما الدهر أسحتهولا بمستكثر في الخصب مُحْتال
له من المجد أخلاق معشّقةمن يسل عنه فإني لست بالسالي
مشبّه الناس في الفضل المبين بهشتان ما بين صلصال وسلسال
يا من تظلّم في أيامه فغدايرعى العشيم ويستسقي من الآل
إن شئت قطف الأقاحي من حدائقهافارم العقود على وجناء شملال
ففي يد ابن عليّ ما تؤملهسحاب جود كفانا كل إمحال
كأنّما الضيف إذ يحتل ساحتهفي روضة من رياض الحسن محلال
كم نلت منه بلا منّ ولا عدةمن المكارم ما لم يجر في بالي
ما كنت في مدحه إذ هزه كلميإلا كما شعف المهوة الطالي
أقالني من عثاري آخذاً بيديندب به أورقت أغصان آمالي
ولم تفق نفسه حتى تملكنيبالمسترقين من بِرّ وإجمال
حملت أثقال نأي الدهر معترفاًإن الكريم لحمّال لأثقال
فخذ مديحاً أبا بكر يعنّ الىزهر النجوم ويَلقاها بإخجال
من أجل تشريفكم بالجود أرض سلامات الحسود بنيران الهوى صال
سلا: بلد في المغرب.
فأصبحت من تحلّيها بسؤددكمكالقود أعلمته من بعد إغفال
وقد ورثت عن القاضي أبيك علاأضحى قسيمك فيها صنوك الغالي
وكلكم سيد يُنْمَى الى نفرشمّ الأنوفِ كفاة غير أكفال
تنافسوا في معاليهم كأنّهمكعوب رمح من الخطيّ عسّال
يا أيّها الدهر أغمد كل ذي شطبفلا سبيل الى تضييق أوصالي
إنّي استجرت بميمون نقيبتهماضي العزيم كريم العم والخال
إذا بدا لك في نادي عشيرتهأبصرت أروع هوناً غير مختال
إذا جرى الذكر في حلم وفي كرمفما أملّ به من ضرب أمثال
أهدي له من قريضي كل شاردةرمح لأعزل أو حلي لمعطال
وحاش لله أن أرضى به بدلاًوالمرء ما بين تعويض وإبدال
أو أن أكون وأيدي العيس توضع بيإلا الى قصده نصي وإرقالي
أما الصيام فقد قضّيت لازمهولم تكله لتضييع وإهمال
وإن لوى رمضان من سروركموعدا فمنجزه إقبال شوّال
ما أبتغي بهلال الفطر أرقبهأنت الهلال الذي يُلقى بإهلال
وذكره صاحب قلائد العقيان وحكى أنه بلي من الزمان بالحدثان، ومن الحظ بالحرمان، وأورد من شعره قوله:
وقالوا ألا تبكي وتلك مطيّهمعلى الشّهب يحملن الأوانس كالدمى
لئن نفدت مني الدموع تغامزواوقالوا سلا أو لم يكن قبل مغرما
فهلا أقاموا كالبكاء تنهديإذا ما بكى القمريّ قالوا ترنما
وقوله:
عندي حشاشة نفس في سبيل ردىإن شنتها اليوم لم أمطل بها لغد
وكيف أقوى على السلوان عنك وقدربيت حبك حتى شب في خلدي
خذها وهات ولا تمزج فتفسدهاالماء في النار شيء غير مطرد
وقوله:
أكلّ بني الآداب مثلي ضائعفأجعل ظلمي أسوة في المظالم
ستبكي قوافي الشعر ملء جفونهاعلى عربيّ ضاع بين أعاجم
قوله من قصيدة:
وضيّعني قومي لأني لسانهمإذا أفحم الأقوام عند التكلم
وطالبني دهري لأني دنتهوإني فيه غرة فوق أدهم
وقوله:
وفتية لبسوا الأدراع تحسبهاسلخ الأراقم إلا أنها رسب
إذا الغدير كسا أعطافهم حلقاًطفا من البيض في هاماتهم حبب
وقوله:
أما ترى الليل قد أدهبته شمعاًمثل الكواكب بانت حوله حرسا
من كل ناشرة فرعاً له شعبعند القيام وإسبال إذا نكسا
تطغى إذا نهنهوها من سجيتهاكالماء إن دفعوا في صدره انسجما
وقوله:
يا أقتل الناس ألحاظاً وأطيبهمريقاً، متى كان فيك الصاب والعسل
في صحن خدك وهي الشمس طالعةورد يزيدك فيه الراح والخجل
إيمان حبك في قلبي يجحّدهفي خدك الكتب أو من لحظك الرسل
إن كنت تجحد أني عبد مملكةمرني بما شئت آتيه وأمتثل
لو اطلعت على قلبي وجدت بهمن فعل عينيك جرحاً ليس يندمل
وقوله من قصيدة يشكو أهل المغرب وقد ذم عندهم مثواه وصفرت من نائلهم يداه:
أقمت فيكم على الإقتار والعدملو كنت حراً أبي النّفس لم أقم
وظلت أبكي بكم عذراً لعلكمتستيقظون وقد نمتم عن الكرم
فلا حديقتكم يجنى لها ثمرولا سماؤكم تنهلّ بالديم
لا رزق لي عندكم لكن سأطلبهفي الأرض إن كانت الأرزاق بالقسم
أنا امرؤ إن نبت بي أرض أندلسجئت العراق فقامت لي على قدم
إن كان سهماً فلا تنمي رميّتهأو كان سيفاً فمسلول على البهم
ما العيش بالعلم إلا حيلة ضعفتوحرفة وكلت بالقعدد البرم
لا يكسر الله متن الرّمح إن بهنيل العلى وأتاح الكسر للقلم
ولا أراق دماً من باسل بطلومات كل أديب غبطة بدم
أوغلت بالمغرب الأقصى وأعجزنينيل الرّغائب حتى أبت بالندم
ومنها:
وساقط نال من عرضي فقلت لهإليك عنّي فليس السبّ من شيمي
أعرضت عنه ولو أنّي عرضت لهسقيته حمة الأفعى من الكلم
وقوله من قصيدة:
لا ينفذ العزم إلا أن تنفّذهوالسيف يكهم إلا في يد البطل
تهويمة في بساط البيد يهجعهاأشهى إليه من التهويم في الكلل
ونَوبةٍ من صهيل الخيل يسمعهابالرّمل أطرب ألحاناً من الرمل
يا كوكباً يغرق العافون في دفعمنه ويحترق الأعداء في شعل
لا يدرك الناس لو راموا ولو جهدوابالريث بعض الذي أدركت بالعجل
جماعة من شعراء الأندلس العصريين
أوردهم ابن بشرون الصقلي المهدوي ونقلته من خطّه في مصنفه
ابن الوضّاح المرسي المعروف ب
البقيرة
وصفه بالآداب البارعة، والعلوم الجامعة، والكتابة الرائقة، والإجادة الرائعة، وذكر أنه توفي سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة وهو طرير الشبا، طريّ الشباب، نضير العود، نمير الشراب. قال أنشدني له محمد بن محمد اليثربي أنه أنشده لنفسه بقرطبة:
هل تذكرون غريباً عاده طربمن ذكركم وجفا أجفانه الوسن
أخفى لواعجه والدمع يفضحهافقد تساوى لديه السر والعلن
يا ويلتي كيف يبقى في جوانحهفؤاده وهو بالأطلال مرتهن
هل شاق صحبي ما قد شاقني سحراًورقاء قد شفّها أو شفني شجن
فبت أشكو وباتت فوق أيكتهاوبات يهفو ارتياحاً تحتها الغصن
يا هل أجالس أقواماً أحبهمكنا وكانوا على عهد وقد ظعنوا
ما للركائب ما تهدي لنا خبراًسدّت مسالكها أم صمّت الأذن
أسائل البرق هل وافى بربعكموهل أناخ عليه الوابل الهتن
إن كان عادكمُ عيدٌ فربّ فتىبالشوق قد عاده من أجلكم حزن
قد أفردته الليالي عن أحبتهفبات يشدوكم مما جنى الزمن
بمَ التعلل؟ لا أهل ولا وطنولا نديم ولا كأس ولا سكن
وقوله في الفراق:
حرام على عينيّ أن تطعم الكرىالى أن يعود الحي ملتئم الشعب
وكيف تنام العين بعد رحيلهموقد رحل القلب المشوق مع الركب
يقولون: سلّ القلب بعد فراقهمفقلت: وهل قلب فيسلو عن الحب
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع