من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
ابن شرف
أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد بن أحمد بن شرف الجذامي القيرواني وأظنه والد جعفر وقد أوردنا شعره.
هو أقدم عصراً من الذين أوردناهم وكان في عصر ابن رشيق والجميع متقاربو العصر. طالعت مصنف محمد ابن شرف الموسوم بأبكار الأفكار ومن منثور كلامه فيه: أذى البراغيث إذا البَرّ أغِيث - بريءَ عليلٌ بَرانا، وأثرى فقيرٌ ثرانا، وتاريخ ذلك انصرام بآخر، وقد بلغت القلوب الحناجر، بحمّارة احمرّت لها خضرة السماء، واغبرّت مرآة الماء، حتّى انهلّ طالع وسميّ، وتلاه تابع وليّ، دنا فأسفّ، ووكف فما كفّ، فما فَتِئ ثرثاراً قَطْرُهْ، مجوباً شمسه وبدره، حتى إذا جاء ركيّه بالطام، وخيف إعظام الاطام، وقال حوض الأرض لماتح المزن حسبي، قد ملأت وطبي، رفع حجاب السماء، وغيض طاغي الماء، وأطلق طلق الهواء، من عقال الظلماء، وجلّيت عروس الشمس، معتذرة من مغيبها بالأمس، وطفقت ترشف ريق الغدران حتى جفت عبراتها، وتعانق أعناق الغدران حتى خفت حسراتها، فعندها مزق عن الدقعاء صحيح إهابها، واختزن درّ البرّ في أصداف ترابها، فلا وأبي الأيام ما مرّت بهن عاسِرة، إلا والقيعان مسندسة، والآكام مطرّسة، قد تجدد الشمل، وتفسح الأمل، وحمل الشمس الحمل، وظهرت تباشير النهاية، في شمائل البداية، فرجاؤنا في التمام، أخْذاً بقول أبي تمام:
إنّ الهلال إذا رأيت نموّهأيقنت أن سيكون بدراً كاملا
فخف من أعباء الهموم ما آد، واطمأن قلب القانط وما كاد، فسبحان مطفئ نيران الجدب الحامية، بمياه الخصب الهامية، وتعالى كاشف تلك الكروب، وآسي تلك الندوب.
من فصل في وصف زرع برد: كان زرعاً يرجى ليوم الحصاد، منتظراً فيه آخر صاد، فأكلته ثغو الغما، قبل ثغور الأنام.
وله يستهدي عمامة: قد اقترحت تاج الملابس، وسماء اللابس، والنازلة بأشرف الحلة مكاناً، وأعلى المحلة بنياناً، ولك بإنفاذها من الثناء، مثل مكانها من البناء.
وله على لسان محبوس: قد حكمت بسجن الأشباح، وهي سجون الأرواح، فامنن على ما شئت منهما بالسراح. فالحبس نزاع الأرواح، والعقلة أخت القتلة، وكلاهما فقد، ومهر للخطوب ونقد، وإنما بينهما نفس متصاعد، وأجل متباعد، فالحق منهما ما أجلت، بما عجلت، وقد أخرنا طلب الدين، الى يوم الدين.
وعلى لسان محبوس أيضاً: لان لنا القوم وخشنت، ورقوا وغلظت، فأصلحت نقمتك ما أبْطرته نعمة سواك، وأدبت غلظتك من يُسحب عن هوى غير هواك، فإطلاق بامتنان، وتسريح بإحسان، أو نزل من حميم، وتصلية جحيم.
ومن منثور كلامه في أبكار الأفكار: لما فنى عمر الأمس، وطفئ سراج الشمس، لاحت بروق الثغور
اللوامع، وخلخلت رعود الأوتار في المسامع، وبعث مخارق وابن جامع، فلم يزل ذلك دأبنا ما أقلع سحابنا حتى متنا بالهجعة، وكلنا يقول بالرجعة.
أخرى: شربنا وقد سحبت أذيال السحب، وضُمِّختْ ترائب الترب، وبكت عين المزن، من غير حزن، مطلنا القيظ بالراح، الى برد الرواح، وعملنا بالمصير، الى الليل القصير، فسألنا غريم النوم، النظرة الى ضحى اليوم، فأجابنا، ولم يهتك حجابنا.
وله في وصف نعيم العيش: ضمّ القدّ المجرد، ولثم الخد المورد، وفقدان المراقب، ونسيان العواقب.
في القرابة: الوجيه بين أقاربه، كالوادي بين مذانبه، يجذبن ماءه، ويطلبن إظماءه.
في العداوة: كم قاطعك، من راضعك، وقابحك، من مالحك، ونافقك، من وافقك، وناصبك، من صاحبك، وحادّك، من وادّك.
في الجود والبخل: الجود، أنصر من الجنود، من بخل بماله، سمح بعرض آله.
في أنواع شتى:
إذا انضمّ جناح الطيش، تم صلاح العيش. ما أحسن، إلا لَسِن. لا كرم، لمن حرم، كيف ينجز، من يعجز. إيّاك وإخلاف العِدَهْ، مع
إسعاف الجِدَهْ، إياك والطعام، مع الطغام، كثرة الأيْمان، من قلة الإيمان، احذر الكريم إذا افتقر، واللئيم إذا قدر.
احذر التقي إذا أنكر، والذكي إذا فكّر، قد ينجز المطول، ويوجز المطيل، المطل أحد المنعين، واليأس أحد الصنفين، العشق أحد الرقين، والسلو أحد العتقين، رفث الكلام أحد السفاحين، وموالاة القبل أحد الناكحين، جميل الرد أحد الجودين، وبقاء الذكر أحد الخلودين، طول الخمول أحد القبرين، وبقاء الثناء أحدالعمرين، بئس النّصير، التقصير، المتجاسر خاسر، الباذل، كثير العاذل، الكريم، كثير الغريم. لا رياضة للأحداث، على الأحداث. أول العقد، وواسطة العقد. من كثُر هُجْرُه، وجب هجره، من كرمت خصاله، وجب وصاله، عيبه عيوب، وذنوبه ذنوب، سحابة صيف، وزيارة طيف، عشرة الصّغار، صَغار، حيث ما حل، عقد وحلّ، وأين ما نزل، ولّى وعزل، المستلئم، أحزم من المستسلم، غرس الإحن، يثمر المحن، نسيم الريح، نسيب الروح، الوسيلة جناح النجاح، ربّ عين إذا رَنَتْ زَنَتْ، إن ظمئت فريقك وِردي، وإن شربت فخدّك وَردي، إذا انحلت عقد السماء، انتظم عقد الندماء. جمالي جمال الغصن بثمره، والأفق بقمره.
ومن أشعاره بيتان لا يختلط فيهما حرف بحرف:
ودرّة نارت ودرّت داريلا درّ درّي إنّ درّي داري
ولا روى راو أداه ولاودّت ودادي إنّ زرّي زار
وقال:
ولقد نعمت بليلة جمد الحيابالأرض فيها والسماء تذوب
والكأس كاسية القميص كأنّهالوناً وقدّاً معصم مخضوب
مشروبة للّبّ شاربة وماشيء سواها شارب مشروب
منّي إليه ومن يديه الى يديكالشمس تطلع بيننا وتغيب
وقال:
خليل النفس لا تخل الزجاجاإذا بحر الدجى في الجو ماجا
وجاهر في المدامة من ترائيفما فوق البسيطة من يُداجَى
أمط عنا الكرى والليل ساجودعنا نلبس الظلماء ساجا
وهات على اهتمام الروح راحاًتعيد هموم أنفسنا افتراجا
إذا مرّيخها اتّقد احمراراصببنا المشتري فيها مزاجا
وله:
إنْ تلقك الغربة في معشرتظافروا فيك على بغضهم
فدارهم ما دمت في دارهموأرضهم ما دمت في أرضهم
وله في مثله:
يا ثاوياً في معشرقد اصطلى بنارهم
فما بقيت جارهموفي هواهم جارهم
وأرضهم في أرضهمودارهم في دارهم
وله:
سأبغي على الدنيا بصولة محربوإلا على الأخرى بوصلة محراب
ولا خير في عيش يكون قوامهبمنحة مكذوب ومدحة كذّاب
وله في عود:
يا عود من أيّة الأشجار أنت فلاجفا ثراها ولا أغصانه الماء
غنّى القيان عليه وهي يابسةبعد الحمام زماناً وهي خضراء
وله في مثله:
سقى الله أرضاً أنبتت عودك الذيزكت منه أغصان وطابت مغارس
تغنّى عليها الطير وهي رطيبةوغنّى عليها الناس والعود يابس
وله في متجسّس:
وناصب نحو أفواه الورى أذناًكالقُعب يلقط منهم كلما سقطا
تراه يلتقط الأخبار مجتهداًحتّى إذا ما وعاها زقّ ما لقطا
ومن شعره في الألغاز قوله في ميزان البنّاء:
ومعلّق بذؤابة في رأسهمن غير ذنب بل له إحسان
ما زال يسأله معذّب جسمهفيجيبه وجوابه تبيان
فيقول ملت كذا وعجت كذا ولميَعْدُ الصواب وما لديه لسان
وقال في مكمدة الثياب وأرزبتها:
ومضروبة في ظهرها حين تكتسيفإن نزعت عنها كساها فلا ضرب
وذات ابنة ما إن تزال تعقّهاوتضربها حتّى يرقّ لها القلب
وما تشتكي منها العقوق ولا الأذىوبينهما مع ذا وذا الحب والقرب
وقال في الحبل الذي تنشر عليه الثياب للغسيل:
ما ضئيل له الهواء مقيلمكتس يومه وفي الليل عار
وترى فوقه صنوف ثيابوهو ذو فاقة حليف افتقار
تعتليه الكسى ثقالاً ويُلقيها خفافاً في أخريات النهار
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع