من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو العرب
مصعب بن محمد بن أبي الفرات القرشي ولد بصقلية في سنة ثلاث وعشرين وأربعمئة وخرج عنها لما تغلب الروم عليها في سنة أربع وستين وأربعمئة قاصداً المعتمد محمد بن عباد. قال أبو القاسم علي منجب في تعليقه: وبلغني في سنة سبع وخمسمائة أنه حي بالأندلس. قال من قصيدة مدح بها المعتمد أول ما لقيه في سنة خمس وستين وأربعمائة:
أحَادِيَنا هذا الربيع فخيّموأمنية المرتاد والمتيمم
وحط به عن ناجيات كأنّهاقسيٌّ رمت منا البلاد بأسهم
ومنها:
يشاهد أسرار الزمان جليةبفطنة مدلول البصيرة ملهم
أياد أبانت عنه وهي صوامتوربّ مبين ليس بالمتكلّم
فلا الغرض الأقصى عليه بعازِبٍبعيد ولا المعتاص عنه بمبهم
وقال:
تخشى بوادِرُه والحلم حاجزهاأنّ السّيوف لتخشى وهي في القرب
ويضرب الذكر صفحاً عن مواهبهكأنّه لم يجُد يوماً ولم يهب
أولها:
اهجر رشادك في وصل ابنة العنبولا تعقّنّ أمر اللهو واللعب
متّع شبابك واستمتع بجدّتهفهو الحبيب إذا ما بان لم يؤب
من ضيّع اللهو في بدء الشباب طوىكشحاً على أسف لم يغن في العقب
والحلم قيدٌ فدعه واخْطُ في مرحوالجد داء فداو النفس باللعب
والهمّ للنفس شيطان يوسوسهافاقذفه من أنجم الصهباء بالشهب
لله درّه لقد أجاد:
بكر حَصَانٌ إذا ما الماء واقعهاأبدت لنا زبداً في سورة الغضب
كادت تطير نفاراً حين نافسهالولا الشباك التي صيغَتْ من الحبب
هذا معنى بديع. وقال:
وما لحظت عيناي في الدهر قبلهفريداً أرى كل الورى منه وحده
ومن معجزات المجد والفضل أنّنيأشاهد منه الضد ينصر ضده
دنا كرماً لما تباعد رفعةدنو الغمام المستهل وبعده
أقرت به هام الأعادي فحالفتقلوباً عرفن الحق واعتدن جحده
وقال:
أبهى المناظر في عيني وأحسنهاكأس بكف رخيم الدل سحّار
كأنّه إذ يسقّي سادة زهراًنجم يوزع نجماً بين أقمار
وقال:
كأنّ فجاج الأرض يمناك إن يسربها خائف تجمع عليه الأناملا
فأنّى يفرّ المرء عنك بجُرْمِهإذا كان يطوي في يديك المراحلا
ليس يخرج هذا في الجودة عن قول النابغة الذبياني:
فإنّك كالليل الذي هو مدركيوإن خلت أن المنتأى عنك واسع
وقال:
لم لقوا جيشك المنصور منتظماًظلت رؤوسهم بالبيض تنتثر
أولغت شبلك في الهيجا دماءهمحتى تورد منه الناب والظفر
إنّ الدماء لمكروه مغبّتهالكنّها عند آساد الهدى هدر
وقال:
وإنّي لأستشفي بطيف مسلّميبلّ غليلي باللقاء ويبرد
وما خاف طيف في الزيارة رِقْبَةًولكن رقيب الطيف طرف مسهّد
وهل في ضمير الدهر للقرب عودةفتغني كما كنا أم الصبر أعود
ليالي ترضينا الليالي كأنّهاإلينا بإهداء المنى تتردد
همام يجر الجيش جماً عديدُهلأرض الأعادي زائر متعمد
كأنّ الضحى يعتل منه فيكتسيشُحوباً وعين الشمس تُقْذَى وترمد
فقل هو ليل في الظّهيرة مظلموقل هو بحر في البسيطة مزبد
كأنّ الردى فيه تضل نفوسهمفيهديه من صوت القواضب منشد
نجوت فعمري مستجد وإنّمانجاة الفتى بعد المخافة مولد
وأحسنت الأيام حتى كأنّماتنافس في الإحسان يومي والغد
وقال:
عرفت فودعت الصبا والغوانياوقلت لدعي الحلم لبيك داعيا
فما يزدهيني دل كل غَريرةٍتزيّن للكهل الحليم التصابيا
ولكن قصرت العين عن كل منظرفما أرسلت لحظاً على القلب جانيا
غضوب لدين الله في كل موطنيعاف الرضى حتى يرى الدين راضيا
ألا إنني لما عددتك أولاًختمت وما استثنيت بعدك ثانيا
استثنيت هاهنا عددت ثانيا، لا من الاستثناء الذي هو إخراج بعض من كل. وقال:
إلى مَ اتّباعي للأماني الكواذبوهذا طريق المجد بادي المذاهب
أهم ولي عزمان عزم مشرقوآخر يُغْري همتي بالمغارب
نسخة يثني همتي للمغارب:
ولا بد لي أن أسأل العيس حاجةتشق على أخفافها والغوارب
عليّ لآمالي اضطراب مؤملولكن على الأقدار نجح المطالب
فيا نفس لا تستصحبي الهون إنّهوإن خدعت أسبابه شرّ صاحب
ويا وطني إن بنت عنّي فإنّنيسأوطن أكوار العتاق النجائب
إذا كان أصلي من تراب فكلّهابلادي وكل العالمين أقاربي
وهذا من قول ابن المعتز:
إذا كنت في الناس ذا ثروةفأنت المسوّد في العالم
وحسبك من نسب صورةتخبّر أنّك من آدم
وكقول الآخر:
الناس من جهة التمثال أكفاءأبوهمُ آدم والأم حوّاء
رجعنا الى القصيدة:
وما ضاق عنّي في البسيطة جانبوإن جل إلا اعتضت منه بجانب
إذا كنت ذا هم فكن ذا عزيمةفما غائب نال النجاح بغائب
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع