من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأسعد ابن بليطة الشاعر الأندلسي
ذكر أنّه شاعر الأندلس، وأديبها ومصقعها وخطيبها، ووصفه بانفجار عيون الأدب بخاطره، والغوص في بحر المعاني الأبكار واستخراج جواهره،
والنفث في عقد السجر بنكته ونوادره، ومعظم أشعاره في بني صمادح ملوك المرية، وأنه كان سمح البديهة والرويّة، ولم يمت حتى نيف على التسعين، ونزف برشائها من ركية العمر ماءها المعين، وقد أورد من شعره ما يناسب نسيبه النسيم ويماثل مزاجه التسنيم.
فمن ذلك قوله:
دع دمي بالدمع يمزجوالهوى بالنفس يلهج
ربّت الحزن لقلبيربة الصدغ المصولج
ودجى الفرع على صبح الجبين المتبلج
والقضيب المتثنّيوالكثيب المترجرج
أحسني يا عمرة الحسن فقتلي بك يسمج
وقوله:
عج بذي الأيْكتين عجوهج الأدهمين هج
وصل الوخد نحو منترك الوجد يعتلج
وارق نجد الغوير واهبط على دوحة الأرج
والتمس روضة المحاسن في روضه البهج
فعسى أن ترى نويرة والعين تختلج
وعسى غمّة الفؤاد بمرأى تنفرج
فدوائي بها دوائي فقل لي متى الفرج
قمر في دقائقمن ضميري وفي درج
أيها المعرض الذيبات رحماه مرتج
فنهاري به ظلام وليلي به حجج
أجملن أيها الجميل فاعراضكم سمج
وترفق بمهجةهي من أنفس المهج
وتحرّج فقتلنافي أناجيلكم حرج
فبعيسى بن مريموبما فيكم نهج
والصليب الذي عليهـ على زعمكم عرج
وبتثليثك الذيليس بالعقل يزدوج
وفصوحاتك التيبك تزهى وتبتهج
يوم يأتون بالدواجن والصلب والسرج
والسواقين في الأناشيد كالطير في الهزج
وبأجفانك التيهي للسحر والدعج
وبخدين كالعقيق وصدغين كالسبج
وبثغر وددت لوثلج الصدر بالفلج
وبأعطافك التيطوت الخصر فاندمج
وبزنّارك الشحيح وخلخالك الحرج
عطفة عطفة علىمستهام بكم لهج
دينه في هواكمدون أمت ولا عوج
قل لمن لجّ في الملام وتَهْيامُنا ألج
كيف أسطيع ترك منهو بالنّفس ممتزج
فالهوى في نويرةغرق العين في لجج
وفؤادي الى نويرة ما دمت منزعج
وقوله:
ليل حبي فيك داجفاجعل الوصل سراجي
فبمنآك اكترابيوبلقياك ابتهاجي
وبقلبي نار شجووكذاك البعد شاج
وهوى العشاق يرجووهوانا غير راج
واحتياج الناس شتّىولكم كل احتياجي
والهوى حين ومن ينج فإنّي غير ناج
وقوله:
بنفسي من دهري إذا غاب ليلةمحيّاه حيّاه الإلاه سراجها
إذا رمت عنه الصبر عزّ مرامهوإن لمت فيه النفس زاد لجاجها
وكيف بقلبي أن يسكن لوعةأبى الشوق إلا أن يدوم اهتياجها
وقوله من قصيدة في صفة الديك:
وقام لنا ينعي الدجى وشقيقهيدير لنا من بين أجفانه سقطا
إذا صاح أصغى سمعه لندائهوبادر ضرباً من قوادمه الإبطا
ومهما أطابت نفسه قام صارخاًعلى خيزران نيط من ظفره خرطا
كأنّ أنوشروان أعلاه تاجهوناطت عليه كفّ مارية القرطا
ومنها في العذار:
أرى صورة المسواك في حمرة اللهىوشاربك المخضرّ بالمسك قد خطّا
عسى قُزَحٌ قبّلته فإخالهعلى الشّفة اللمياء قد جاء مختطّا
توهّم عطف الصّدغ نوناً بخدّهافباتت بمسك الخال تنقطه نقطا
وقوله:
من لمشتد لوعتي بانفراجولممتدّ كربتي بابتهاج
من مجيري من أجوَر الناس حكماًوعَذيري من داء صعب العلاج
يجمح القلب فيه أي جماحوتلج الدموع أي لجاج
فضلوعي كالجاحم المتلظّيودموعي كالوابل الثّجاج
برشا القصر لا رشا القَفْرِ أصبحْت ويومي شبيه ليلي داج
وجفوني من فقده في ظلاموبتخييل طرفه في سراج
قمر للقنا لديه نجومولمجرى الجياد ليل عجاج
وقوله:
بنيت للمنى لعل وليْتولشكوى الغرام كيت وكيْت
فبماذا تعللي من معلّمؤيس من جنابه ما ارتجيت
قد شجاني جفاؤه وبرانيوطواني من حبّه ما طويت
فيخال العذول أني حيوأنا من هوى نويرة ميت
فهي ظبي له فؤادي كناسوهي شمس لها ضلوعي بيت
فرعى الله بالغوير مقيماًلا يراعي من حبّه ما رعيت
عجباً للجمال دلّه لبّيبعدما طعت للهوى فارعويت
فبقصر اللوى رأيت محباًسلب اللب منه ما قد رأيت
أسفر الصبح منه إذ سفر النقب فأجلى تصبري ما اجتليت
وكميت الصبا تميل بعينيهـ وعطفيه لا العقار الكميت
ليتني ما رميت أسهم لحظيففؤادي أصبت حين رميت
لذّ لي ما جنيت من وجنتيهوعلى ناظري جنا ما جنيت
ومنها:
واتباع الهوى ضلال وإنّيلو تهدّيت للسلوّ اهتديت
أيها المبعدي ونفسي لديههات نفسي فيا لها منك هيت
وقوله:
قلبي في ذات الأثيلاترهين لوعات وروعات
فعرسا من عقدات اللوىبالهضبات الزهريّات
وعرّجا يا فتيي عامربالفتيات العيساويات
فإن بي للروم رئميةتكنس ما بين الكنيسات
أهيم فيها والهوى ضلةبين صواميع وبيعات
وفي ظباء البدو من يزدريبالظبيات الحضريات
أفصح وحدي يوم فصح لهمبين الأريطى والدويحات
وقد أتوا منه الى موعدواجتمعوا فيه لميقات
بموقف بين يدي أسقفممسك مصباح ومنساة
وكل قس مظهر للتقىبآي إنصات وإخبات
وعينه تسرح في عِينِهمْكالذئب يبغي فرس نعجات
وأي مرء سالم من هوىوقد رأى تلك الظبيات
فمن خدود قمرياتعلى قدود غصينات
وقد جلوا صحف أناجيلهمبحسن ألحان وأصوات
والشمس شمس الحسن من بينهمتحت غمامات لثامات
وناظري مختلس لمحهاولمحها يضرم لوعاتي
ففي الحشا نار نويريةصليها منذ سنيات
لا تنطفي وقتاً فكم رمتهابل تلتظي في كل أوقات
فحي عنّي رشأ المنحنىوإن أبى رجع تحيات
قوله:
نأت باصطباري مثلها يصل النأياولم ترع مني هائماً يدمن الرعيا
وفي الجنة الالفاف للحسن جنةتلازم أنهار الدموع بها جريا
وفي شرع التثليث فرد محاسنتنزل شرع الحب من طرفه وحيا
وأذهل نفسي في هوى عيسويةبها ضلت النفس الحنيفية الهديا
غزالية المرأى هلالية الرنامنارية المجلى نوارية اللقيا
رمتنا بألحاظ تلذ سهامهافيا ليتها في القلب لم ترم الرميا
ومن لجفوني بالتماح نويرةفتاة هي المردى لنفسي والمحيا
سبتني على عهد من السلم بينناولو أنّها حرب لكانت هي السَّبْيا
فقد صاد ليثَ الغاب ظبيُ كنيسةفاعجب به ليثاً وأعجب به ظبيا
ومن أشعاره في الأوصاف والتشبيهات قوله في وصف الياسمين والنارنج معاً:
قد أعجز الياسمين حسناًفويق نارنجه صفاتي
كأنّه لؤلؤ نظيمفوق ثديّ مزعفرات
أو كفراش اللجين صيغتعلى كرات مذهبات
وقوله:
وروضة غنّاء أزهارهامعلنة أسحار هاروت
رَوْحاءُ في ضفّتي جدولكأنّه أزرق ياقوت
والكأس تجري منه في زورقكأنّها البِرْجِيسُ في الحوت
وقوله في الخمر:
أشرقت في الكؤوس هذي المداموأنارت حتّى أنار الظلام
فاسقنيها مسنة إن تمشتفي عظام المسنّ فهو غلام
فبها للسرور فيك احْتِلالٌوبها للهموم عنها انهزام
ولابن بلّيطة:
سكران لا أدري وقد وافى بهاأمن الملاحة أم من الجريال
تتنفّس الصهباء في لهواتهكتنفّس الريحان في الآصال
وكأنّما الخِيلانُ في وجناتهساعات هجر لا زمان وصال
وقوله:
جرت بمسك الدّجى كافورة السَّحَرفغاب إلاّ بقايا منه في الطُّور
صبح يفيض وشخص الليل منغمسفيه كما غرق الزنجيّ في نهر
قد حار بينهما عن برزخ قمريلوح كالشّنف بين الخدّ والشَّعر
وقال في مجدور الوجه:
من رأى الورد تحت قطر نداهلم يعب فوق وجنتي جدريّا
أنا شمس أردت في الأرض شيئاًفنثرت النجوم فوقي حُليّا
وقوله ينسب الى غيره:
لبسوا من الزرد المضاعف نسجهما قد طفا للبيض فيه حباب
صفٌّ لحاشية الرّداء يؤمهصفّ القنا فكأنّه هدّاب
وإليه ينظر قول ابن خفاجة:
وغدت تحفّ به الغصون كأنّهاهدب يحفّ بمقلة زرقاء
وقوله في تهيّب المحبوب:
ألا بأبي رشأ مرّ بيوكنت الى لمحه شيّقا
فمادت بي الأرض من هيبةفكاد ذمائي أن يزهقا
كأني موسى دعا ربّهفألزمه الروع أن يصعقا
وقوله في العناق:
ألا بأبي ليلة أسمحتبوصل لذيذ الجنى والمذاق
فبتّ وجسمي بها لاصقعناقاً لصوق السها بالعناق
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع