من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
فصل في وصف المكان الذي أفضوا إليه عند خروجهم من البحر
وأفضى بنا الرّكب الى رملة بيضاء، مفضية الى قرارة خضراء، تتفجر فيها عين كعين زرقاء، صفاء مائها، كصفاء إنسانها، وقد أحدق بها النبت كهدب أجفانها، فنهلنا من نميرها، وكرعنا في غديرها، وركزنا رماح الخط، وجعلنا عالينا رباط العصب، وافترشنا مطارف الوشي فوق درائك العشب وجعلنا من اللُّجُمِ أوتاداً موتودة، واتخذنا من الأعنّة أسباباً ممدودة، فقام الخِبا، واستوى البِنا، والماء يقهقه في خريره، والقمري يُقرقر في هديره، والنسيم يعبق عن الروض الزكي، والجو مضمخ بزعفران العشي:
تشدو بعيدان الأراك حمامةشدو القيان عزفن بالأعواد
مال النسيم بغصنه فتمايلتمهتزة الأعطاف والأجياد
هذي تودع تلك توديع التيقد أيقنت منها بوشك بعاد
واستعبرت لفراقه عين النّدىفابتل مئزر غصنها الميّاد
وإنّا لكذلك، إذ برقت السماء فسلت مُذهب نصولها، ورعدت فضربت مُنذِرَ طبولها، وجعل يُعَبّئُ مواكبه، وأخذ الرباب يرتب كتائبه،
فبعدنا أغذّ السير وامتدّ طلقه، غلبه البهر فتصبب عرقه، فخر هنالك لقى، فعند ذلك نام الروض فغنّى وسقى، فتنفست الأرض عن نكهة العروس، وتبرجت في حلية الطاووس:
وكأنّ صوت الرعد خلف سحابهحاد إذا ونت السحائب صاحا
مرتجة الأرجاء يحبس سيرهاثقل فتعطيه الرياح سراحا
أخفى مسالكها الظلام فأثبتتمن برقها كي تهتدي مصباحا
جادت على التلعات فاكتست الرباحللاً أقام لها الربيع وشاحا
فساعة خمد البرق، وانقشع ذلك الودق، واعتزمنا على الرحيل، والتحول في برد الأصيل، فبصرنا بمطوّقة قد أفردها الدهر عن إلفها، واستاقها الحَيْن الى حتفها، تصرف من الياقوت طرفاً، وتقلب من المرجان كفّاً، كأنّ الزبرجد نظم عقدها، والفيروزج نمنم بردها، فبينا هي في سرحها تلتقط بفرخي جلم، وتَسْرُطُ بفِلْقَيْ قلم:
أهوى لها أسفع الخدّين مُطّرِقُريش القوادم لم يُنصَب له شرك
فكأنّما اكتحل بلهب، وانتعل بذهب، ملتفت من شَذْرَهْ، وملتحف في حَبْرَهْ، من رماحه أظفاره، ومن سيوفه منقاره، من اللواتي تنافس الملوك فيها، وتمسكها عجباً بها على أيديها، آية بادية، ونعمة من الله نامية، تبذل لك الجهد سراحا، وتُعيرك في بغيتك جناحا، وتتفق معك على طلب الأرزاق، على اختلاف الخلق والأخلاق، ثم تلوذ بك لواذ من يرجوك، وتفي لك وفاء لا يلزمه لك ابنك ولا أخوك، فلما ارتقت في السماء، اتخذ
إليها سلماً من الهواء، وهي تبعد منه بعد الأمل، وهو يقرب منها قرب الأجل، واختطفها أسرع من اللحظ، ولا محيد لها عنه، وانحدر بها أقرب من اللفظ، فكأنما هي منه، فجعل يتناولها بمثل السبعين، وقد أدخلها في أضيق من التسعين، فكان لها موتاً عاجلاً، وكانت له قوتاً حاصلاً، والحمد لله الذي منّ بهذه النعمة على الإنسان، وفضّله بما سخر له من الحيوان، وفيه أقول:
فانقض مثل الدلو خلاه الرشاليس يشا غير الذي منه يُشا
إن طار عنه صيده وإن مشىأو غاب عنه في السماء فتّشا
أو غاص عنه الأرض عليه نبشايسفر عن خد صباح أبرشا
طارت بقايا الليل فيه نمشايخاله من قد رآه أرقشا
عاجا بآبنوسه محرشا
وما زلنا في ذلك نتحول عن تلك المنازل، ونتجول في تلك الخمائل، حتى ثار من حُمُرِها أفراد حِران، كأنّهن أولاد غزلان، قد جمع الأجل منها ما افترق، وأخرجها من كل نفق، فأخذت في الهرب، وأخذنا في اطلب، إثر كل رواع ينعطف انعطاف البرة، ووثّاب يجتمع اجتماع الكرة، وحاك الغضب إزاره، وصاغ التبر حلوقه وسواره، وحلك بالعنبر متنه، وضمخ بالكافور بطنه، ونضج بعبير، ولفّع بحرير، ينام بعيني ساهر، ويفوت بجناحي طائر، قصير اليدين، طويل الساقين، هاتان في الصعود تنجده، وتانك عند الوثوب تؤيّده. فلما طال به الجري، وظن أنّه نجي، ثم أشلينا كلباً حللناه من ساجوره، وخلّيناه الى مسروره، فمرّ يخفي شخصه غباره، وفي شدقه شقرته ناره، إن تنكّب ارتقبه طرفه، وإن
تغيّب أشخصه أنفه، من القَبّ الطامحة العيون، والهُرْت اللاحقة البطون، معرق في نجابته، معم مخول في فراهته، يسمع منك إيماء، ويفهم عنك إيحاء، يمشي فلا يمس الأرض بأربعه، ويجري فلا يسبقه الريح الى منزعه، معترض كالسمهري المعرض، وأبلق كالإبريق المفضض، طرز بالكافور على قدته، ورسم بالمسك على لبّته:
إذا عدا واشتد في طلابهيكاد أن يخرج من إهابه
متقداً كالنار في التهابهلا يطعن الصيد بغير نابه
فغشيه كالغيث، وأخذه كالليث، ففقر فقاره بشفاره، وقد قميصه بأظفاره، وتلاحقنا به وقد أكبّ على صيده وقعد، كأنها فريسة بين ساعدي أسد، فروّيناه من دمه، وحللنا بينه وبين أدمه، فتهيّز لنا من السوانح ما أردناه، وتمكن بالجوارح ما قصدناه، وحمدنا الله تعالى إذ علمنا فعلمناها، وجعلها آلة من آلات الرزق فاستعملناها، ثم أظلّنا ليل كظهر الفيل التف جنحه بإهابه، وافترّ فجره عن نابه، فكأنّ بدره ينبس عن صبحه بمصباح ومرّ يحدوه النسر، الى أن لفّ الرُّبا في ملاءة الفجر، فنمنا نومة النصب، وهدأنا هدأة الوصب، فما صحت العين من رقادها، إلا لتغريد الطير في أعوادها، وذكاء قد أذكت نفسه علينا، وسفت فكشفت عن صفحتها إلينا:
بتنا وبات البرد يضربه الندىمن كل أخضر بارد الأنداء
والليل يخفي نفسه في نفسهوالصبح كشاف لكل غطاء
وكأنّما الإصباح تنشر مهرقاًأثر المداد به من الإمساء
وقُرّبت السوابق فجلنا في متونها، واطمأنت الأوابد فخليناها لشؤونها وعدنا من تلك النزهة وقد تسلّت النفوس، ورجعنا من تلك الوجهة
ولا عطر بعد عروس. فتفرغت إذ ذاك للجواب، وتذكرت ما أوتيه الحاجب أعزه الله من الحكمة وفصْل الخطاب. فسقط في يديّ، واستد دوني باب القول فارتج عليّ، غير أني تخيلت، أبقاه الله، صفاته، فجعلت أكتب ما يحكى، وتأملت مكرماته، فأخذت أنسخ ما يُملى:
يقولون هذا أبلغ الناس كلهمفقلت المعاني علمتني المعاليا
وما لي في قول تضمّن لفظهمناقب قوم غير ما كنت راويا
وعسى الأيام أن تسعف فنلتقي، أو تنصف فنسْتقي، فلو أمكنني مكان كتابي السير، لاستعرت أجنحة الطير، فوافيت حضرة المجد، أسرع من الطرف، ولاقيت غرة السعد، أطوع من الكف، وقلت:
والشعر يُبْدي عطفه ويهزّ ليسيف القريض ورمحه الداسا
من طرّقت عنه صروف زمانهسمعاً أزل وحية نهاس
يسري الى ملك تهلل وجههشمساً وراحَتُه نَدًى رجّاسا
يرمي مع الأقدار رمي مؤيدجعلت لأسهم رأيه أقواسا
قد غادرت عين الزمان وأذنهما تسأم الإيناس والإنحاس
وكتيبة مكتوبة بفوارسيلقون لا كشفاً ولا إنكاسا
فإذا تفهمت الجيوش كتابهدانت لمن راض الأمور وساسا
وكأنّما النقع المثار دجنةتفِدُ الأسنّةُ منهمُ أقباسا
وكأنّما غرر الجياد أهلّةيقطفن من هفواته أغلاسا
وتخاله سلّ المجرة سيفهوتحرّك العيوق فيه لباسا
على أنّي أتمهّد من برّ أمير المؤمنين أعزه الله رق الرئال،
وأحل من إكرامه محل الهلال، قد أينع لي روض المنى، وانتظم زهره، وطاب عن غرس الندى، واجتني حلوه، وفيه أقول أيده الله ونصره:
أيَا ناصر الدين لم أنتصربغيرك من زمن ظالم
إذا ما تحرك أسكنتهكما أسكن الفعل بالجازم
يفيض نداك على المجتديكبحر يفيض على العالم
بمكارم هاشمية، وأفعال علوية:
من القوم الذين سمعت عنهمبني الزهراء واختصر المقالا
وفيهم أقول:
أبناء فاطمة رسل العلا رضعواوبالسماح غُذُوا والجود إذ فطموا
قوم إذا حلف الأقوام أنهمخير البرية لم يحنث لهم قسم
سما لهم في سماء المجد من شرفبيت تداعت إليه العرب والعجم
مناقب سمحت في كل مكرمةكأنّما هي في أنف العلا شمم
والفقيه المذكور يُؤويني كنف رعايته ويُلْحِفُني جناح عنايته، فألوذ بما غمر من فضله، وشمل القريب والبعيد من عدله، وفيه أقول:
فتى واحد في عصره غير أنّهيقوم لراجيه مقام ألوف
وما هو إلا رحمةالله مدهاعلى كل ملهوف وكل ضعيف
وأنفذ في الأحكام آراء فيصللها في قضاياه مضاء سيوف
فقل لليالي عن أياديه إنهاحصوني التي أعددتها وكهوفي
حكم فعدل، وقال ففعل، وزير وضعت به الحرب أوزارها، ومدير جعلت عليه الخلافة مدارها، فتنزّه عن الكبر والعجب ووضع الهِناءَ مواضع النُّقْبِ، وفي ذلك أقول:
لما قدر الأقوام هذا أن يرىأبداً ولكن ذاك فعل قدير
يلقاك بسّام بوجه ضاحكسار السفير إليه دون سفير
ما يسرت يده الكريمة في الورىإلا لوضع يد وجبر كسير
إن جئته يوماً لدهرك شاكياًأغنته فطنته عن التذكير
خشن الزمان لديّ حتى جئتهفرفلت من نُعماه فوق حرير
والفقيه القاضي وفقه الله، ركني الذي آوي إليه من الزمان، ومِجَنّي الذي أتّقي به طوارق الحدثان، علم العلم الذي دل على الفضل دلالة الخطوط على المهارق، وفقيه العصر الذي حلّ من المجد محلّ النواصي من الخيل في المفارق، وفيه أقول:
حسنت بحسون خلافة هاشمقاض تخيّره الخليفة وانتقى
وأغرّ وضاح الجبين مباركيلقي الحياء قناعه عند اللقا
شرفت به الدنيا وأمسى شخصهفي المغرب الأقصى فأضى مشرق
صلى الجميع وصام شكراً واجباًلما تولى أمرهم وتصدّقا
هُديَ في حكمه الى أقوم الطرق، وحُبي على علمه بحسن الخلق، صنع من حكيم عليهم، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
يا هادي الضُّلاّل نهج طريقهوموفي الإسلام كنه حقوقه
وإمام علم الدين والقمر الذيكشف العمى بسنا الهدى وشروقه
وأخا القضاء العدل والحكم الذيسوّاه بين عدوّه وصديقه
ووقفت فاسقصيت أنك واحدوجدوا صلاح الكل في توفيقه
وما حرك الحاجب أعزّه الله سكناً، ولا نبّه بقصده نائماً، وقد طلعت الشمس التي صار بها الغرب شرقاً، وهبت الريح التي عاد بها الحرمان رزقاً، لواء المجد، فارس العقد، يسير صدر الجيش وهو ربه، ويتقلب فيه وهو قلبه:
بكلّ خميس بعيد المدىيضيق بمذهبه المذهب
ثقيل الخطى قاده أدهمولكنّه بالظّبَى أشهب
كأنّ الحديد على متنهلجين بشمس الضّحى مذهب
مياه ترَقْرَقَ رَجْراجُهاوللنقع من فوقها طحلب
يسِحُّ به للندى حاجبإذا جاءه الضيف لا يحجب
تهزّ به الخيل أعطافهاإذا مرّ من فوقه الموكب
عفاها السرور به كأسهفظلّت على ودّه تشرب
وقالت: أفي الحق لو أنّنيأرى مثل هذا ولا أطرب
كلما لاح بارق ارْتحتُ إليه، أو ذر شارق سلّمت من البعد عليه، فإذا بدت النجوم توهمت همته، وإن نهجت الغيوم تذكرت موهبته ولا أسمع العربية إلا قلت إنه من كلماته، ولا رأيت النّجيبة إلا تيقنت أنها من فعلاته، ولا أحل الرياض إلا وأحسبها شمائله، ولا أرِدُ البحار إلا وخلتها نوافله، وفي ذلك أقول:
وما شبهوا بالبحر كفّيه في الندىولكنها إحدى أنامله العشر
يدان إذا أوما بها اشتاق ضاربوحنّ سنان وانبرى سارب يجري
وأظهرت الأيام نخوة قدهتزيد بحسن الذكر كبراً على كبر
أمنت به من كل شر أخافهمن الدهر حتى نمت في مقلة الدهر
يعزّ الملك، ويذل الشرك، ويرفع أعلام الحق، ويبسط العدل بين الخلق، شنشنة أعرفها من أخزم، ومن أشبه أباه فما ظلم، ولا بد أن يمد لي الأمل كفيه، ويهز لي الجذل عطفيه، فلئن أزهى بنظمه، فإنّه من شعره، ولئن أعتزي بفضله، فإنني متعلق بحبله، ومعترف بأن الدر يغترف من بحره، وغير منكر على أن أحلب منأخلاف دره، فخذني أعزك الله إليك، فقد تطارحت بنفسي عليك، ورغبت في حلول فنائك، وآثرت أن أصير تحت لوائك.
وإذا كان عند قلبك قلبيلم يضِرْنا تنازح الأبدان
وتصفح بعين صفحك نظماًقد غدا عن محبّتي ترجمان
قل لريب الزمان كيف ترانيشاكياً بعدها وأنت تراني
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع