من «خريدة القصر: قسم شعراء المغرب والأندلس» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
ابن الفخار المالقي الأندلسي
الفقيه المشاور، هو أبو عبد الله محمد بن الحسن بن كامل المعروف بابن الفخار. أنشدني الشيخ الصالح أبو علي الحسن بن علي بن صالح الأندلسي وقد قدم البصرة في ذي الحجة سنة سبع وخمسين وخمسمائة قال: أنشدني الفقيه المشاور هذا لنفسه، وذكر أنّه عمله ارتجالاً يخاطب شاعراً جاراه في التوحيد وهو موشح العروض:
رويدك أيها الرجل المعنّىفإن الرفق أجمل باللبيب
ولا تجعل فرب فتى تأنّىفأدرك غاية القرم النجيب
فكم عقد سديد قد تسنّىبلا تعب ولا طرب مريب
فإن الجيش ليس يطيق شناًلغارته بلا قدر مصيب
ولا يَمضي الحسام يُسَنُّ سَنّاًإذا لم يقض علاّم الغيوب
أخوك محمد لما تغنّىأصاخت نحوه أذن الغريب
وقَفّاها بواحدة فثنّىكمثل الرمح قوّي بالقضيب
فخذها غادة خضبت يُرَنّالها ثوب قد اقْدِمَ بالصّبيب
اليُرَنّا: الحنّاء.
إذا ما رامها من قد تبنّىتعرض دونها شبح الحروب
جميع بيانها لفظاً ومعنىكما جمع الحبيب مع الحبيب
وذكر أنه توفي بالمغرب سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. وأورده أبو النصر القيسي في كتاب قلائد العقيان وقال: صاحب لسن، وراكب هواه من قبيح وحسن، لا يصد إذا صمم، ولا يرد عما يمم، حمي الأنف لا ينام، قوي الشكيمة لا يُضام، وأورد من شعره قوله:
بأي حسام أم بأي سنانأنازل ذاك القِرن حين دعاني
لئن عري اليوم الجواد لعلةفبالأمس شدوا سرجه لطعان
وإن عطل السهم الذي كنت رائشاًففيه دم الأعداء أحمر قاني
ألا إن درعي نثرة تبعيةوسيفي صدق أن هززت يمان
وما قَصَباتُ السبق إلا لأدهميله الخيل جالت في مجال رهان
تمنى لقائي من حللت وثاقهوأعطى غداة المن ذلة عان
وقد علم الأقوام من صحّ ودّهومن كان منا دائم الشنئان
وما يزدهيني قول كل مموهوليس له بالمعضلات يدان
وإني لنهاض بكل عظيمةيضيق عليها ذرع كل جبان
ويزعم أني في البيان مقصرويأبى بياني واقتدار لساني
نهضت بها وحدي وغيري مدعيشارك أهل القول شرك عناني
أينسى مقامي إذ أكافح دونهوقد طار قلب الذعر بالخفقان
ويذكر يوماً قمت فيه بخطبةكآثار عهد الماء بالسيلان
فقرّي جعارُ إن دونك حارِشاًيمنّيك بالإخلاف والولعان
وما هو إلا المرء يقطع رأسهوإن دهنوه حيلة بدهان
تهاون بالأنصاف حتى أحلهوقد كان ذا عز بدار هوان
ولو كان يعطي الزائرين حقوقهملما تركوه في يد الحدثان
وقوله:
الى كم يجدّ المرء والدهر يلعبويبعد عنه الأمن والخوف يقرب
وهل نافعي إن كنت سيفاً مصمماًإذا لم يكن يلقى بحدي مضرب
أبيّتُهُم والليل كالنفس أسودوأهجمهم والصبح كالطرس أشهب
فلا أنا عما رمت من ذاك مُقْصِرٌولا خيل عزمي للمقادير تغلب
أبا حسن سائل لمن شهد الوغىلئن كنت لم أصبح أهش وأطرب
وأعتنق الأبطال حتى كأنّمايعانقني عنهم من البيض ربرب
ومنها:
وفي كل باب قد ولجت لكيدهمولكن أمور ليس تقضى فتصعب
فوا أسفاً كم قد أبيت بذلةوسيفي ضجيعي والجواد يقرب
وقوله:
أمستنكر شيب المفارق في الصباوهل ينكر النور المفتح في الغصن
أظن طلاب المجد شيّبَ مفرقيوإن كنت في إحدى وعشرين من سنّي
وقوله في أبي عبد الله بن أبي زنغي:
بمن حلّ في سرْغٍ فؤادك هائموهيهات منك اليوم من حل في سرْغِ
وتكلف بالداعي هلم الى الوغىطماعاً بأن ندنو من ابن أبي زنغي
وكنا به نبغي قضاء لبانةولو أنّه يبغي لقضّى الذي نبغي
سلام عليه عذّب النفس بعدهعقارب همّ لا تفيق من اللدغ
وشوقاً إليه أصبح القلب عندهولم تثنه خود معقربة الصدغ
وقوله:
أقلّ عتابك ليس الكريميجاري على حبّه بالقلا
وخل اجتنابك أن الزمانيمرّ بتكديره ما حلا
وواصل أخاك بعلاتهفقد يُلبس الثوب بعد البلى
وقل كالذي قاله شاعرنبيل وحقك أن تنبلا
إذا ما خليل أسا مرّةوقد كان في ما مضى مجملا
ذكرت المقدم من فعلهفلم يفسد الآخر الأوّلا
أبا حسن إن أتى حادثيجرد لي سيفك المنصلا
إذا صيد للشعر طير بغاثرُئِيتَ لها الطائر الأجدلا
ومما أنشدنيه لنفسه في الأمير محمد بن سعد بن مردنيش ملك شرق الأندلس من قصيدة أولها:
إهتز منسم عرفه عن عنبروافترّ مبسم ثغره عن جوهر
ولوى ذوائب ليله في نومهفأنار عن وجه الصباح المسفر
واختال في ثوب الشبيبة وانثنىكالغصن بين مورق ومنوّر
زارت تَثَنّى في الوشاح تفتراًوالردف يُنْبي عنه عقد المئزر
ظنت بأن الليل يكتم سرهاوالحسن يفضحُ غرة المتستر
كالنور لم يفتنك رائق حسنهحتى تبسم في القضيب الأخضر
وأقام زهرة وردها في خدهاماء الصبا وحيا الشباب الأنضر
بَخِلَتْ عليّ وقد سألتُ قطافهوجنته أزرار الرِّدا والمعجر
ساومت هذا الحِبَّ طيب وصالهوالهجر يغمزني بأن لا أشتري
فالحسن ينكرني ويعرفني الهوىشان بين معرف ومنكّر
إن جارَ هذا الحِب في أحكامهفالجَوْرُ في ذا الحب ليس بمنكر
نفسي ألومك كان ينهاني الهوىفأمر قاسي صعبه وتصبري
من منصفي من ظالم ومحللغصَبَ الهوى مني جميل تصبّري
إلاّ المُهَنّا بالسرور الأكبرإلا المُمَدّح بالثناء الأعطر
أمؤمل غير الأمير محمدذاك ابن سعد يا مدائح فابشري
كم جُبْتُمُ من أطهر في أطهرونقلتم من أظهر في أظهر
وجنيتم ثمر الفتوح بروضةللرزق تنبت بالرعاف الممقر
وجلوتم صدأ الدهور فأصبحتكالسيف كشف صقله عن جوهر
وصقلتم مرأى الزمان فمن يشأنظر السرور فهاكه فلينظر
جاءت بك الأفلاك في دورانهاكالغيث جاد على الزمان المعسر
يهتز عطف الحمد منه نافحاًعن مدحة فتقت بمسك أذفر
ما عطرت بل عطرت أمداحهنفس الزمان فيا زمان تعطر
عهدي به شكل الضلوع بأبيضعهدي به نقط القلوب بأسمر
حتى إذا ما البأسُ حل ذمارهصبغ الفضائل في النّجيع الأحمر
وأنشدني له من قصيدة في عبد المؤمن وأنشدني لنفسه في مراكش بأقصى المغرب:
وأرض سكنّاها فيا بئس مسكنبها العيش نكد والجناح مهيض
نروح ونغدو ليس إلا مروععقارب سود أو أراقم بيض
النص من طبعة الدار التونسية للنشر (١٩٧١م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع