تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

أبو عبد الله محمّد بن جارية القصّار

كتبت من خطّه أنّه: محمد بن المبارك، بن عليّ، بن القصّار.

جارية القصّار: كانت عوّادة مُحسِنة، مستحسَنة، حافظة للأشعار، عارفة بالأدب. وكانت ممن يعقد عليها الخِنصَر في صِناعتها وبراعتها. ورأيتها في آخر عمرها. وكانت تزوّجت بابن حريقا، عاملِ الجوالي ببغداد، وماتت عندَه في سنة إحدى وخمسين وخمس مئة.

وسمعت أبا المعالي الكتبيّ يقول: إنّه كان لها ابن، يكنى أبا عبد الله، ولا ينسب إلا إليها. وبلغ مبلغَ الشّباب، وجمع أدوات ذي الآداب، فاخترمته يدُ الحدثان في العُنفُوان، وهذه عادة الزّمان الخوّان، بعد سنة أربعين وخمس مئة.

وأنشدني أبو المعالي لأبي عبد الله، في أخي البُدَيوي العوّاد، يهجوه، ويصف برد غنائه بأبيت أرقّ من السحر، وهي:

يا بديويُّ قد نشا لك في العودِ أخٌ يستغيثُ منه العودُ
أنت تدري أنّ الشتاءَ على الأشجارِ صعبٌ إذا أطلّ شديدُ
لو أرادَ الإلهُ بالأرضِ خِصْباًما تغنّى من فوقِه محمودُ
كلّما أنبتت يسيراً من العُشْبِ وغنّى غطّى عليه الجليدُ

وأنشدني أبو المعالي الكتبيّ، قال: أنشدني محمد ابن جارية القصّار لنفسه، ونقلتهما من خطّه:

وأدهمِ اللّونِ ذي حُجولٍقد عقدَتْ صبحَه بليلِهْ
كأنّما البرقُ خاف منهفجاءَ متمسكاً بذيلِهْ

وأتحفني الشيخ أبو المعالي الكتبيّ بكرّاسة من شعره بخطّه، ورواه لي عنه. فمن ذلك قوله من قصيدة:

وصاحبٍ سُمتُه استرفاقَ مُهلتِهبأنْ يدومَ له رِقّي على الزّمنِ
وما تحمّلتُ عِبْأَ من قوارصِهعلى وقوفي إلا ليحملَني

وقوله في كُتّاب الديوان:

الى كم أصون لساني ولاتصونونَ أعراضَكم بالجميلِ
وكم تُحفِظوني ولا تحْفَظونَ مكاني وأدرأ عنكم فُضولي
فأقسِم إنْ خفّ حِلمي لكموهمّتْ عواطفُه بالرّحيلِ
لأنتصِفَنْ منكُمُ للقريضِوللآملين ولابْن السّبيلِ

وقوله يستهدي مِداداً:

إليك اشتكائي يا ابنَ الكِرامِ شَيبَ دواتي قبل الهرمْ
وشيبُ الدّويّ كما قد علمْتَ يعدِلُ في القبح شيبَ اللِّمَمْ
فمُرْ بخِضابٍ كفيلٍ بردِّشبابِ ذوائبِه المنعدِمْ

وقوله في ذمّ الشّيب:

أكرهُ فودي أن يشيبَ وإنقال جهولٌ في الشّيبِ توقيرُ
المرءُ بدرٌ والشمسُ شيبتُهوما له في شُعاعِها نورُ

وقوله في تمني الشيب:

من خاف إن شاب هِجران الحسانِ وإصحارَ النّعيمِ ورفْضَ الكأسِ والنّغمِ
فلي الى الشيبِ شوقٌ ما يُنَهنِهُهُسعيٌ للُقْياهُ من عمري على قدَمِ
ما أرغدَ الدّهرُ عيشي في الشباب ولاأحلى فأبكي شبابي حالةَ الهرمِ

وقوله من قصيدة:

راجع أناتَك أيها الغِرّيدُهذا الفراقُ وما القلوب حديدُ
واستوقفِ العيس المراسِل تدّخِرْأجراً فما تُعيي عليك البيدُ
إن كنتَ تخشى من ترفّعِ خِمسِهاظمأ فمنهَلُ مُقلتي مورودُ
أو كان يُعجلُك المراد فإنّ لينفَساً يُعيدُ الروضَ وهو صَعيدُ
علّ البخيلةَ أنْ تجودَ بنظرةولقد يجودُ بمائه الجُلْمودُ
إن كان موعدنا برامةَ غالَهخُلفٌ فهذا موعدٌ وزَرودُ

ومنها:

وأراكةٍ نشرَتْ ذوائبها الصّباحتى تعقّدَ ظلُّها الممدودُ

ومنها في المدح:

سودُ الأثافي وهْو عامٌ أشهبٌبيضُ الأيادي والنّوائبُ سودُ

وله:

الى كم أعلّلُ بالباطلِولا أستقرّ على حاصلِ
وأُدفَع من باخلٍ لا يَدينُبدين السّماح الى باخِل
يصون بِرضِ جبانِ الفؤادِحِمى عرض بطل باسلِ
أحلّيه بالدُرَرِ المُثْمِناتوأرجِعُ بالأملِ العاطلِ

ومنها:

إذا كان حظّ الفتى صاعداًفلا بأسَ بالأدبِ النازلِ
أحِذْقاً ورزقاً لقد رُمتَ مايزيدُ على أملِ الآملِ
هما خلفان فهذا المقيمُ يُعقَبُ من ذلك الرّاحلِ
لقد ألجأتني صُروف الزّمانلحكمِ ضَرورتِها الحاملِ
الى معشرٍ قد أتمّوا الرّضاعَ من ضرْع لؤمهمُ الحافلِ
شيوخُهمُ بعدُ لم يُفطَمواوعالمُهم ضُحكةُ الجاهلِ
صُدورٌ ولكنّ أعجازهمصُدورٌ لوخْزِ القَنا الذّابلِ
وقوم رأوا أنّني شاعرٌفلم يرفعوني عن الخاملِ
ولم يعلَموا ما رُواةُ القريضِ عنديَ من آلةِ الكاملِ
وما غايةُ الفضلِ نظمَ القريضولكنّه نفثةُ الفاضل

وله الي ابن الدّواميّ أبي المعالي، يطلب منه شراب البلَح في مرضه من القيام:

يا سيّداً جملةُ أوصافِهتُملي في ممتدحيهِ المِدَحْ
قد سال واديّ بما فيه فاسكِرْه بشيء من شراب البلَحْ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.