من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو عليّ الفرج بن محمد بن الأخوة
المؤدّب البغدادي. من الشعراء المشهورين، مشهود له بالفضل الوافر، وحدّة الخاطر، واختراع المعاني الأبكار، وافتراع بنات الأفكار. كان أوحد عصره، في نظمه ونثره. سلس اللّفظ، رائق المعنى، سلس الأسلوب، ذو الدُرّ الجَلوب، والبِشر الخَلوب.
توفّي يوم الجمعة، رابع عشر جمادى الآخرة، سنة ستّ وأربعين وخمس مئة.
أنشدني الشيخ أبو المعالي الورّاق، قال: أنشدني أبو عليّ بن الأخوة لنفسه، وقد قصد بعض الرؤساء، فاحتجبه:
شكري لمحتجبٍ عنّي بل سببِخوفاً من المدحِ شكرُ الروضِ للسّحبِ
أعادني والمحيّا ما أُريقَ لهماءٌ وخلّصني من كلفةِ الكذبِ
وله في غلام نصراني، علي ثوبٌ أحمر:
ومُزنّر فتنت محاسنُ وجهِهإذ زار في ثوب كلون العندمِ
ما زال يجهَد في هلاك حُشاشتيمتعمّداً حتى تسربلَ من دمي
عاتبتُه يومَ الفِراق فقال ليأنا لا أرى رَعْيَ الذِّمامِ لمسلمِ
وله من قصيدة في شرف الدين أبي القاسم عليّ بن طراد الوزير، الزّينبي:
أقولُ لأحبابي وللعيسِ وقفةٌوللبينِ فيما بيننا نظرٌ شزْرُ
هَبوني لعينٍ مات فيكم رُقادُهافليس له فيها حياةٌ ولا نشْرُ
لقد بلغتْ منّا النّوى ما تُريدهوفرّقَ ما بيني وبينَكمُ الدّهرُ
بكيتُ على عصرِ الشباب الذي مضىبكاءَ لَبيدٍ ضمّ أرْبدَهُ القبرُ
فأثمر دمعي بالغرام كأنّماعليه لسِيما دمعه ورقٌ خُضرُ
ومنها:
إذا شرفُ الدّين استثار مدائحيتيقّنتُ أنّ الزّهرَ يُنبتُه القَطرُ
يملّى من الأيامِ والمجدِ والعلىمكارمُه شفْعٌ ومحتدُه وِترُ
وأدنيتَني حتى رفعتَ مكانتيكذاك بناتُ البحرِ موضعها النّحرُ
إذا ما رجا الإنسانُ عمراً لنفسِهرجوتُ لنفسي أن يطولَ لك العمرُ
ومنها:
نوالُهمُ في عاجلِ الحالِ لي غنىًوحبُهُمُ في آجلِ الأمرِ لي ذُخرُ
إليك ابنَ أعراقِ الثرى من قلائديفرائدَ لا ينشقّ عن مثلِها البحرُ
قصائدُ تأتيكُم بكلّ غريبةٍوكلّ مديحٍ دون مسموعِها هُجرُ
دقيقُ المعاني فيكمُ غيرُ ضائعكذا في دقيقِ السّلك ينتظمُ الدُرُّ
تحيّر فكري في القَريض فما درىأشعريَ فيك الوصفُ أم وصفُك البدرُ
وله:
خُذْ من شبابِك نوراً تستضيء بهفالشّيبُ إصباحُه في اللهوِ إمساءُ
العمرُ عينان عينٌ منه مبصرةمع الشّبابِ وعينُ الشّيبِ عمياءُ
وربّ ليلٍ مريضٍ كنتَ صحّتَهعزّت أواسيهِ أو عزّتْه أدواءُ
يسيرُ فيه وفي قلبي أذىً وضنىًكأنّني دلَجٌ والسّوءُ إسراءُ
والشّهبُ ثغْرٌ وآفاقُ الظّلامِ فمٌوالقذْفُ لفظٌ وضوءُ الماءِ سحْناءُ
حتّامَ عينُك ما تنفكّ جاريةًماءً ومُقلتُها بالبرقِ قمْراءُ
تضرّم البرقُ فيها وهي باكيةٌكأنّها قبَسٌ من حولِه ماءُ
وله:
يا حاملَ السّيفِ الصّقيل مجرّداًفي جَفنِه المعشوقِ لا في جفنِهِ
اللهَ في كلِفِ الفؤادِ كئيبِهوالنارُ بين ضُلوعِه من حُزنِه
وسجنتَهُ في ناظريك تعمُّداًلتُميتَه وحويته في سجنِه
وله:
ولما أسرّتْ بالوَداعِ وقد دنتإليّ ودمعي في ثرى الأرضِ واقعُ
هو الدرّ لما أودعته بلفظِه المسامعَ ألقتها لدَيها المدامعُ
وله في وصف فرس أغرّ محجّل، وقد أجاد:
لبِس الصُبحَ والدُجُنّةَ بُرْدَيْنِ فأرخى بُرْداً وقلّص بُرْدا
هذا البيت أنشدنيهِ غيرُ واحدٍ عنه.
وله:
وإنّ شباباً للغواني مُسالماًالى النّفس خيرٌ من مشيبٍ مُصانعِ
تفرّقتِ الألاّفُ والحُبّ واحدٌكما الأذُن أذنٌ وهْي شتّى المسامعِ
وله:
خليليّ صبغُ الليلِ ليس يحولُوما للنّجومِ الطّالعاتِ أفولُ
خليليّ قُوما فانظُرا هل لديكمالقلبي الى قلب الصّباحِ رسولُ
لعلّ به مثلَ الذي بي من الهوىفتُخفيه عنّي دِقةٌ ونُحولُ
ولما التقينا بين لُبنان فالنّقاوقد عزّ صبرٌ يا أميْمُ جميلُ
ولاحت أماراتُ الوداعِ وبينناأحاديثُ لا يشفى بهنّ غليلُ
بكيتُ الى أنْ حنّ نِضْوي صَبابةًورقّ وَجيفٌ للبُكا وذَميلُ
وقال الهوى للبَين فيه بقيةٌوقال الغواني إنّه لقَتيلُ
وأنشدني الشيخ أبو المعالي الكتبيّ، قال: أنشدني أبو عليّ بن الأخوة لنفسه:
أنا الحمامة غنّت في فضائلكمفكيفَ أرحلُ عنها وهْيَ بستانُ
أخذه من قول ابن الهبّارية:
المجلسُ التّاجيّ دام جمالُهوجلالُه وكمالُه بستانُ
والعبدُ فيه حمامةٌ تغريدُهافيه المديحُ وطوقُها الإحسانُ
وله:
وشاعر تخدُمُه الأشعارُله القوافي العونُ والأبكارُ
فُرسانُه قد أنجدوا وغاروافي كلّ غارٍ لهمُ مَغارُ
ومنها في غاية اللطف:
أينَ أُهَيلوكِ الألى يا دارُيبقى الأسى وتنفَدُ الأوطارُ
وقرأت بخطّ السّمعاني أبي سعد: أنشدني الفرج بن أحمد لنفسه:
ما لي وللدّهر لزّتْني إساءتُهكما تُلزّ الى الجرباءِ جرباءُ
أساوِدٌ من مساويه تُناقشنيإن فُهْتُ بيضاء فاهت منه سوداءُ
والحظّ يرفعُني طوراً ويخفضُنيكأنّني من قَوافٍ وهْوَ إقواءُ
وبخطّه: أنشدني لنفسه من قصيدة:
نعم هذه الدارُ والأنعُمُأتُنجدُ يا قلبُ أم تُتهِمُ
وقد يستفيقُ هوىً لا يُفيقُويشقى الفتى مثلما ينعَمُ
وقفنا وقد ضرعَتْ للنّوىمدامعُ لو أنّها ترحَمُ
وفوق الرِّكابِ غُلاميّةٌكما ذُعِر الشّادِن المِرجَمُ
تصابِحُ روضاً كأنّ الحبيرَ والوَشْيَ من حوْكه يُرقَمُ
بكت لؤلؤاً كاد لو أنّهتماسَك في جيدِها يُنظَمُ
وشتان ما بيننا في البكاودمعُك ماءٌ ودمعي دمُ
فقالَ الهوى لدواعي الغرامِ إنّ بنا هلَكَ المغرَمُ
من الرّكْبِ تلوي سناتُ الكرىرقابَهمُ كلّما هوّموا
يناجون بالمُقَل الفاتراتِ سماءً مسامعُها الأنجمُ
يقصّون من لفَظاتِ الجفونِ أحاديثَ لو أنّها تفهمُ
وله من قصيدة:
دمي الذي صار مسكاً في نوافجهافكيفَ تنفِرُ عنه وهْيَ غِزلانُ
ومنها:
روضاتُ حسنِك في عينيّ مونِقةٌتسقى بماء جفوني وهْيَ صِنْوانُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع