من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأمير مجد العرب مُصطفى الدولة أبو فراس علي بن محمد بن غالب العامري
شاعر مبرّز محقّق، وله خاطر معجِزُ مُفلق. هو الدّاهية الدّهيا، وأعجوبة الدنيا، وله العزّة القَعساء والغُرة الزهراء، والرتبة الشّمّاء.
يصبّ الشعر في قالب السحر، ويباهي الفضلاء بالنّظم والنّثر، ويصوغه في أسلوب غري، ويمّهده في قانون عجي.
له اليد البيضاء في استخراج جواهر الأفكار من بحار الخواطر، والقدم الرّاسخة في اختراع معانٍ هي على فلَك الفضل بمنزلة النّجوم الزّواهر. كلماته متوافقة المعنى واللفظ، مستوفية من الحسن أكمل الحظّ.
بدرٌ طالع من ديار بكر، وبحر طامٍ على كل بحر. إن جال في مِضمار القريض، وجرى في ميدانه الطّويل العريض، أفحم أبا الطيّب وأبا تمّام، وردّ عقودهم واهية النِّظام. ينسج على مِنوال أبي فراس، ويكنى بأبي فراس. قال في حقّه بعض شعراء أصفهان من قطعة:
فأشعارُ الأمير أبي فراسٍكأشعارِ الأمير أبي فراسِ
هو في الطبع والمنشأ شاميّ، وفي النّظم والنشيد تِهاميّ، ومولده عراقيّ.
قدم في شهور سنة سبع وثلاثين وخمس مئة أصفهان، وكان مقيماً بها الى سنة ثمان وأربعين، وانثالت التّلامذة عليه، ومالت أعناق المستفيدين إليه، ومدح بقصائده الصّدور، وشرح بفوائده الصّدور. ضاع بها عَرْفُه، ولكن ضاع فيها عُرفُه؛ فإنّه غير مجدود بفضله، وكذا الزمان غدّار بمثله، والحُرّ فيه مضيّع، والكريم مودَّع.
لقيته يوماً بالجامع، في بعض المجامع، ضيّقَ الصّدر، متوزّعَ الفكر، مُطرقاً رأسه، مصعّداً أنفاسه. فسألته عن حاله، فأنشدني ما ذكر أنّه من مقاله:
هجَرتُ للعُدم كلّ خِدْنٍوصرتُ للإنقباض خِدنا
فلا أعزّي ولا أُعَزّىولا أهنّي ولا أهنّى
وكان أملى ديوان على الأخ الهمام، الأجلّ الإمام، فخر الدّين نجيب الإسلام، محمد بن مسعود القسّام، الذي هو باكورة العصر، في النّظم والنّثر. فكتبَه، وجمعه، ورتّبه. وقصائده التي أنشأها بالشام أجزل وأحسن مما أنشأه بالعراق. وقِدْماً قيل: اللَها تفتَه اللَّها، والبِقاع تغيّر الطباع.
وديوانه ضخم الحجم. لكنّي اخترت منه قصائد، وإن كان الكل فرائد.
ولما وصلت الى الشام، لقيته بالموصل، وقد غيّر زِيّه، وهو يلبس الأتراك، جليس الأملاك، قريباً من صاحبها بعيداً من مذهب النّسّاك.
وآخر عهدي به سنة سبعين.
فمن شاميّاته: قال يمدح الأمير حسام الدين، تاج الدولة، قطب الملوك، أبا سعيد تمرتاش بن إيل غازي بن أرْتَق؛ ويذكر ظفره بالفرنج بعد عوده من الشّام، وأنشدها إياه بماردين في شوّال سنة أربع وثلاثين وخمس مئة:
أطاعك فيما ساءَ حاسدَك الدهرُووالاك ما عادى مُعاديك العمرُ
ولا استعرتْ إلا بحملاتك الوغىولا سار إلا تحت راياتِك النّصرُ
فأنت الذي أرضى عن الدهر قربَهوجمّلتِ الأيامَ أيامُه الغُرُّ
كرُمتَ فمنْ كعبُ السّماحِ وحاتمٌوصُلتَ فمن زيدُ الفوارس أو عمْرو
ملوكُ البرايا أنجمٌ أنتَ شمسُهاإذا الشمسُ ذرّت غابتِ الأنجمُ الزُهرُ
هو من قول النابغة:
وإنّك شمسٌ والملوكُ كواكبٌإذا طلعَتْ لم يبْدُ منهنّ كوكبُ
حويت حسامَ الدين كلّ فضيلةٍسِواك لها طيٌّ وأنت لها نشرُ
فما ينتهي إلا الى كفّك الندىولا يعزي إلا الى بيتك الفخرُ
سُطاً كلّما تابعتَها جزِعَ الرّدىونُعمى متى فرّقتَها جُمِع الشكرُ
ونفسٌ كأنْ من طبعها خُلِقَ السّخاوبأسٌ كأنْ من حرِّه طُبِع الجمرُ
الأبيات الأربعة حقّها أن تكتب بذوب التّبر، على صفحة الدهر، وترقم بسويداء الفؤاد على سواد الحدَق، وترتاح لها النفوس ارتياحَ الرّياض للدّيمة الغدَق.
مناقبُ لا الغوثُ الذي شمخَتْ بهعلى العُرْب طيٌ يدّعيها ولا النّضْرُ
أنالك ما أعيا سواك من العلىبهنّ الطِّعانُ الشّزْرُ والنّائل الغمْرُ
ومُقرَبةٌ شُقرٌ وماذيةُ خُضرُوهنديةٌ حُمرٌ وخطيّةٌ سُمرُ
نُصولٌ إذا استمطرتَها ذرّتِ الطُلاوخيلٌ إذا استحضرتَها أطلم الفجرُ
معوّدةٌ ألا تجوسَ عمارةًفترجَلَ إلا وهي من سكنِها قفْرُ
هزمْتَ بها جيشَ العدوّ مجاهداًفعزّ بك الإسلامُ وامتهن الكفرُ
وروّيتَ بيضَ الهندِ من مُهَجاتهمفهنّ قَوانٍ من دمائِهمُ حُمْرُ
وهذه أيضاً في الغاية القُصوى والدّرجة العلي.
بقيّة من نجّاه من سجنِك الفِداوأعتقه من سيف والدِك الأسرُ
تركت بأطراف اللُّقانِ جسومَهمتذُمّ من الأرماح ما يحمَدُ النّسرُ
ما أحسن ذكرَ الذمّ والحمد في هذا البيت!
وما عُدت مُذ عامين ثانٍ وأولٍوما عاد عنهم من مَهابتك الذُعرُ
فإنْ غرَبَ النّجمُ الذي انقرضوا بهفقد كشف الظّلماءَ من نجمه بدرُ
كان والد ممدوحه يلقّب بالنّجم. وقد سلك هذا الطريق قبلَه من قال:
فإن يكُ سيّارُ بنُ مُكرمٍ انقضىفإنّك ماءُ الوردِ إنْ ذهبَ الوردُ
رضعتم لُبان العزِّ يا آل أرْتَقٍفلا دَرَّ إلا حيثُ كنتم لها دَرُّ
عُلىً شاد منها ما بنته جدودُكمقِراعُكُم من دونها الخيلُ والكرُّ
سحائبُ جذْبٍ لا يغبُّ لها حياًمُحاربُ حربٍ من جواشنها الصبرُ
قوله: من جواشها الصبر، يكاد يُذهب الألباب، ويعيد سماعه الى الشيخ الفاني عهدَ الشّباب!
مضوا لم يَضِفْ خبْلُ الغرامِ نفوسَهمولم يخترقْ أخْراتَ أسماعِهم هُجْرُ
أي: لم يصر لهم ضيفاً.
ولم يذخَروا غير الصّوارم والثّناكذا وأبي العلياء فليكنِ الذُخرُ
فإن يذهبوا مثلَ الغمائم مُثْنياًعليها بما أهدت له البدوُ والحضرُ
فقد لمّ أشتاتَ المكارمِ بعدَهمأغرُّ كريمُ الأصلِ فتكتُه بِكرُ
جوادٌ يخافُ المالُ سَورةَ جُودِهإذا رنّحته الأريحيّةُ لا الخمرُ
تملّكتَ يا قطبَ الملوكِ محامديورِقّي ولولا الطّوْلُ لم يُملَكِ الحُرُّ
وهبتَ العلى والمجدَ فيما وهبتَهفما العسجد القاني وما النّشَبُ الدّثرُ
هذه مدائح، لم تدرك شأوَها القرائح.
عطاءٌ لو انّ القَطرَ كاثرَ بعضَهلأصبح قُلاً عندَ أيسرِه القطْرُ
تعذّرَ إلا حين عُذْتُ بك الغنىوأقصر إلا عندَ مدحي لك الشّعرُ
أبى قدرُه أن يسترِقّ قِيادَهُويملكَهُ إلا مليكٌ له قدرُ
وقد زارَ منه البدرَ بدرٌ محجّبٌوجاورَ منه البحرَ حين طما بحرُ
مديحٌ هو السّحرُ الذي فُتقَتْ بهعقولُ الورى من قبلُ أو دونَه السِّحرُ
لقد أصاب شاكلة الصّدق، ونطق بالحقّ.
وإني لأرجو أن يفخمَ أمرهمن النّاس من أمسى له النّهيُ والأمرُ
فما لفقير ذيدَ عن نيله غنىًولا لكَسيرٍ حاد عن ظلّه جبْرُ
وقال يمدحه، ويصف بعض حروبه؛ وعرض فيه بما جرى لجدّه أرْتَق مع مسلم بن قريش وقومه بني بَدران، وأنشده بمَيّافارقين من رجب سنة سبع وعشرين وخمس مئة:
سلْ بالكثيبِ سوانحَ الغِزلانِأهي الموائسُ أم غصونُ البانِ
واحفَظْ من الألحاظِ لُبَّك إنّهاشغلُ الخَليِّ ولوعةُ اللهفانِ
تلك السيوفُ البيضُ تُسْمى أعيناًللبيض والأجفان كالأجفانِ
لقد وفّى التّشبيه حقّه لفظاً ومعنى.
منْ جازئات ظِباءِ وجْرَةَ من لهافتكاتُ ليثِ الغابِ من خَفّانِ
سعديّةٌ لولا هواها لم يشُقْقلبي برامةَ منبِتُ السّعدانِ
يدنو المزارُ ودون حُمرِ قِبابِهالحظُ الرّقيبِ وهبّةُ الغَيْرانِ
ما للأقاربِ من ذويك تباعدواحنقاً كأنهمُ ذوو شنآن
عُربٌ أضاعوا فيك ذِمّةَ جارِهموالعُرْبُ تحفظُ ذمّةَ الجيران
هذا من أحسن ما وقع للشّعراء في ردّ الأعجاز على الصّدور.
فُنفِيتُ من عدنانَ إن جازيتُهمإلا بخُزْرِ أسنّةِ المُرّان
متقدماً لجِباً يحلّقُ فوقَهمستبشراً لجِبٌ من العِقبان
خُذْ بالشهامة لا الكرامة أهلَهاتردَعْ عِداك بها عن العُدوانِ
فالحزمُ أن تضَعَ العقابَ إذا فشاسرُّ المظالمِ موضعَ الغُفرانِ
فاق الشعراء في إيراد هذا المعنى في هذا المعرِض، مع أنّه سبق إليه الأستاذ الشّهيد مؤيّد الدّين أبو إسماعيل ﵀ حيث يقول:
وما الجهلُ في كلّ الأمور مذمَّمٌوما الحلمُ في كلّ المواطنِ محبوبُ
مع أنّه سبق إليه المتنبي:
ووضعُ النّدى في موضع السيف بالعُلىمُضرٌّ كوضع السيف في موضع النّدى
وهو أيضاً أخذه من قول القائل:
وبعضُ الحلمِ عندَ الجهلِ للذّلّةِ إذعانُ
وفي الشرّ نجاةٌ حينَ لا يُنجيك إحسانُ
من سؤدَدِ الرّجلِ الكريمِ وفضلِهما يستمرّ عليه من نقصانِ
يعني: من نقصان حالٍ ومال، وهي من فِقَر الحِكم.
لا يوكِسُ السيفَ الصّقيلَ غِرارُهشعْثُ القِراب إذا مضى الحدّان
هذا مأخوذ من قول إمامنا الشافعيّ المطّلبيّ، ﵁:
وما ضرّ نصلَ السيف إخلاقُ غِمدِهإذا كان عضْباً حيثُ أنفذتَهُ برى
ما أجهلَ المتوعّدي ومُهنّديوالنّهدَ من صحبي ومن أخداني
بين الهِجانِ وبين فتكي عزمةٌتُدني الى نادي أغرَّ هِجانِ
الهِجان: جمع هجين، ولد الأمَة. والهِجان: الكريم.
حيثُ النّدى عذبُ الموارد رائقٌللوارد المتهافتِ الظمآنِ
والحُجْبُ تُرفَعُ عن أسرّة ماجدٍكالنّصْلِ لم يكهَمْ له غَرْبانِ
عن غُرّةِ التّاج الذي تعنو لهغُرُّ الأماجدِ من ذوي التّيجانِ
عن خيرِ من يردي به متمطّرٌفي يوم مكرُمةٍ ويومِ طِعانِ
ملك متى هبطَتْ عروقُ أرومةٍبمُمَلّكٍ بسقَتْ به العِرقانِ
عافت قِرى الكومِ الأواركِ نفسُهوقَرى الضّيوفَ خزائنَ العِقيان
وتحرّقت أسيافُهُ إذ فارقتأغمادَهنّ مفارِقَ الأقرانِ
وتشكّتِ الأرماحُ إذ غشيَ الوغىمما يدقّقهنّ في الأبدانِ
كم موقفٍ لك لو أراد توقّفاًفيه الرّدى زلّتْ به القدَمانِ
هذه اللّمعة الغرّاء، التي دونَها الجوزاء، لو كشفت وجهَها في أفق السماء، كسف منه القمران، واستنار به الثّقَلان.
طأطأتَ فيه الكفرَ بعدَ بُذوخِهورفعتَ فيه دعائمَ الإيمانِ
ولو رام شاعر توقفاً في هذا الموقف، زلّت به القدمان.
جمعَتْ عليك به الفِرِنْجُ جموعَهاوتفرّقتْ لمّا التقى الجَمعان
ظنّوك ما لاقَوْا فأبطل ظنّهمْطعنٌ أحقّ مظنّةَ السِّرحانِ
بذوابلٍ أبدت أسنتُهُنّ ماأخفت قلوبُهمُ من الأضغانِ
كأنّه فارس الميدان، ومبارز الشُجعان.
ومُدَرّبينَ على القتال كأنّماشربوهُ وِلداناً مع الألبانِ
من كلِّ مشبوحِ الذّراع يهُزّهُقرْعُ العوالي هِزّةَ النّشوانِ
نظروا الى البيضِ الخِفاف كأنّهابأكفّكم مشبوبةُ النّيرانِ
والخيلُ قد عادت وِراداً شُهبُهامما لبِسنَ من النّجيعِ القاني
يسبَحْن طوراً في الدِّماء وتارةًيركُضْنَ فوق جماجمِ الشّجعانِ
هذه الأبيات كأنّها بيوت للكواكب. المعاني في كلّ بيتِ نظم، بيتُ نجم، وفي ضمن كل عبارة إشارة لطيفة، وتحت كلّ كلمة فِقرة شريفة، أو درّة يتيمة، ما لها قيمة، أو كأنّها خزائن دفائن الضّمائر، وسفائن زواخر السّرائر.
في مأزقٍ ضنْكِ المجال كأنّهمغْنى المبخَّلِ أو فؤادُ العاني
هذا المعنى مغْنى الحسنات، وقلب معاني الأبيات.
ستر السّماءَ عجاجُه فسماؤهنقْعٌ وأنجمُهُ من الخُرصان
فالصبحُ مما سُلّ فيه واحدٌوالليل مما ثار فيه اثنانِ
والدهُ أخوفُ من به من فارسصبَّ الحِمام به على الفُرسان
إحسانُه للمجتدي وجنابُهللملتجي وذِمامُه للجاني
ناهيك يا قُطبَ الملوكِ من امرئقطبَ النّهى بتنمّرِ الشّيْحانِ
تركت به الأعرابُ للتُرْكِ العُلىوتعلّلت بعُلالة السُقْبانِ
تخشى بوادرَهُ إذا ادّكرتْ لهما تمّ من دُكْر على بدران
أيامَ خفّضَ جدُّهُ من جدِّهمما كان معتلياً على كيوانِ
أجرى دماءَهُمُ فسال بآمِدٍمنها ومن أمواهها مَدّانِ
تَهْمي على أعدائه وعُفاتهبثوابه وعقابه سَجْلانِ
فسَحابُ ذاك بنانُه وسحابُ ذاتسديدُ كلِّ حنيّةٍ مِرْنان
أغليتَ كاسِدةَ المحامدِ فاغتدتبعدَ الكسادِ غواليَ الأثمان
ورفعتَ قدري عن ذويك مبجِّلاًحتى تمنّوا منك مثلَ مكاني
فاكفُفْ أياديَ لم أطِقْ شكراً لهاهل فيّ غيرُ إطاقة الإنسانِ
أسرفتَ في الإحسان حتى ما أرىإحسانَك الضّافي من الإحسان
هذا - لعَمري - مع مبالغته في المدح، أشبه بسلوك طريق القدح. وليس من الإنصاف، نسبة الممدوح الى الإسراف، وهو ذمٌّ في الحقيقة. قال الله تعالى في ذمّ فرعون: (إنّه كان عالياً من المُسرِفين).
وقوله: ما أرى إحسنك من الإحسان، وإن كان في أقصى غاية الحُسن، لكنّه معزيّ الى نوع من الهُجَن؛ فإنّه تصريح بكفران النّعم، الذي لا يليق بالكرم. وهو إنّما شرع مشرع المتنبي حيث قال:
حتى يقول الناس ماذا عاقلاًويقولَ بيتُ المل ماذا مسلما
لكنّ أبا الطّيب أضافه الى قصور في الناس، وهذا أضافه الى نفسه.
وأرى غرامي يقتضي فُرقةًهي والرّدى من قبحها سِيّان
فإن استفدتُ الربحَ عندَك بُرهةًفالربحُ قد يدعو الى الخُسران
ليَطُلْ مدى يومي القصير فما غداًإلا ردىً ألقاهُ أو يلقاني
أنأى وشخصُك في فؤادي شاهدٌبالغيب حين يَغيبُ عن إنساني
يشير الى قول القائل:
إن كنتَ لستَ معي فالذّكرُ منك معيقلبي يراك وإن غُيّبتَ عن بصري
وتكادُ من حُبّيك كلّ جوارحيعند ادّكارِك أن تكون لساني
هذه القصيدة فريدة، رصّعت بها الكتاب، وخَريدة، أتحفت بمحاسنها الألباب، ولم أتجنّب مما أوردته منها الصواب، وراعبت حقّ الفضل، بالإطراء والعذْل، تحقيقاً لقضيّة العدل.
وهذه قصيدة أخرى، حقّها أن تحرّر بذوب اللُجين، على قرن الفرقدَين. مدح بها الأمير عز الدين، عماد الدولة، شرف الملوك، أبا العساكر، سلطان بن عليّ بن مُقلَّد بن مُنقِذ الكنانيّ؛ وأنشدها بشَيزَر سنة أربع وعشرين وخمس مئة:
لمعتْ وأسرارُ الدُجى لم تُنشَرِنارٌ كحاشية الرّداء الأحمرِ
هذا مطلع، كأنّه للفجر مُطلِع.
وللأبيوردي ﵀ مطلع قصيدة، وافق هذا في الوزن والرّويّ واللفظ، وسأكتبها في موضعها إن شاء الله:
لمعت كناصية الحِصان الأشقرنارٌ بمعتلِجِ الكثيبِ الأعفرِ
تخبو وتوقدها ولائدُ عامرٍبالمندليّ على القنا المتكسّرِ
ولست أدري أيهما أحسن وأجود.
رجعنا الى قصيدة العامريّ:
فعلمت أنّ وراءَه من عامرٍغيْرانَ يفرَح بالنّزيلِ المُقتِرِ
يا أخت موقِدِها وما من مَوقِدٍفوقَ الثّنيّةِ والكثيبِ الأعفرِ
لسواي عندي من سوامِكُم قِرىًوقِراي قُبلة ناظرٍ أو مَحجِرِ
وللأبيورديّ من تلك القصيدة، نسج على منواله:
يا أختَ مقتحِمِ الأسنّة في الوغىلولا مراقبةُ العِدى لم تهجري
هل تأمُرين بزورةٍ من دونِهاحدَقٌ تشقّ دُجى الظلامِ الأخضرِ
وللعامريّ منها:
فارعَيْ رعاك الله مُسعفةً بهضيفاً متى ما يُرْعَ يوماً يشكُرِ
وافى يؤمّكِ راكباً جُنْحَ الدُجىمتقلّداً ضوءَ الصباحِ المُسفِرِ
أحسن الصنعة حيث شبّه أدهمَهُ بالدجى، وصارمَه بالصّباح، وإنْ طبعه في قالب الأبيوردي بقوله:
فلكم هززتُ إليك أعطافَ الدُجىوركبتُ هاديةَ الصباحِ المسفِرِ
والفضل للمتقدّم.
ومنها للعامريّ:
فالحُسن للحسناء نوءٌ مُقلعٌلا تُحمَدُ الأنواءُ ما لم تُمطِرِ
أنا ذو علمْتِ بلاغةً ونباهةًبين الأنامِ فخرتُ أو لم أفخَرِ
لا تُعرَفُ الفحشاءُ في بيتي ولاتدنو الدّنايا من جلالة عُنصُري
صارمتُ إذ صارمتُ ألأمَ معشرٍووصلتُ حينَ وصلتُ أكرمَ معشرِ
ناسٌ إذا الدّاعي دعا لمُلمّةلبّاه منهم كلّ أغلب مُخدِر
غضبانُ نصّل بالسّماكِ قناتَهعزاً وأنعلَ طِرفَه بالمشتري
فلتعلمِ الأمراءُ أنّي بعدَهاجارٌ لمولانا الأميرِ الأكبرِ
للمنقِذيّ أبي العساكرِ والذيهو وحدَه من نفسه في عسكرِ
من ذاتُه من جوهرٍ ويمينُهمن كوثرٍ ونسيمُه من عنبرِ
من لا يَني يستصغر النُعمى إذاأعطاكَها عفواً وإن لم تصغُرِ
من لا تراه العينُ إلا خائضاًفي عِثْيَرٍ أو صادراً عن عِثيَرِ
بأسٌ لمستعر الضِّرامِ وهمّةٌعلياءُ أنست همّة الإسكندرِ
ويدٌ لها في كل أرضٍ منةٌإثْرَ الحيا في كلّ عامٍ أغبرِ
أما الزمانُ فقد عنت أملاكُهطُرّاً لمَلْكٍ لا يُضامُ بشيزَرِ
غَمْرُ الرِّدا جزْلُ العَطا غدِقُ النّدىضافي التُقى، صافي العلى والمفخرِ
قد خفّتِ الدنيا عليه لعُظمهحتى لكادَ يُقلّها بالخِنصَرِ
وأراه صائبُ رأيِه في يومهما كان في غدهِ الذي لم يقدرِ
وأنشدني مجد العرب لنفسه:
حمِدتُ رجالاً قبل معرفتي بهمفلمّا تعارفنا ندِمتُ على الحمدِ
إبائي الذي لم يُبقِ لي الدهرُ غيرَهأبى لي مُقامي بينهم ضائعَ المجدِ
إذا قلتُ دانت لي سما كلِّ قائلٍوإن صُلْتُ هانت صولةُ الأسد الورْدِ
وإلا فجانبت العلاءَ ونكّبتْجَنابَ عميدِ الملكِ خيلي على عمدِ
وأنشدني لنفسه:
صبرنا على أشياءَ منكم مُمضّةٍوما كلّ أبّاء مَضيمِ بصابرِ
وكم قد حلُمنا قادرينَ عليكُمُوما قدْرُ حِلمٍ لا يكونُ لقادِر
وله في عمَر المَلاّ بالموصل:
لا تُنكِرَنّ عليّ يا شمسَ الهدىأني مررتُ عليك غيرَ مُسلِّمِ
فالشمسُ لا تخفى ولكنْ ضوؤهامُخْفٍ له عن ناظر المتوسّمِ
وأنشدني لنفسه بأصبهان رُباعية:
مالي ولمن أطاع عذْلي ماليالقلبُ لمن يلومُ فيه لا لي
لم يخطُر لي سلوّكم في بالِمن أقبح ما قيل محبّ سالي
وأنشدني لنفسه من قصيدة:
إن لم تمَلّ فقد ملِلْتُ من النّدىومظنّةُ العجبِ النّدى المملولُ
وقوله، وقد احتجب عنه بعض أكابرها:
لا تحتجبْ عن قاصِديك فدون مايرجون من جدْواك ألفُ حجابِ
وعلى محيّاك الشّتيم جهامةٌتغنيك عن بابٍ وعن بوّابِ
وقوله:
وفاتنِ الخلْقِ ساحرِ الخُلُقِمنتطق حيثُ حلّ بالحدَقِ
خفتُ ضَلالاً في ليل طُرّتهفنابَ لي وجهُه عن الفلَقِ
بات ضجيعي وبتّ معتنقاًلطيفَ كشْحٍ شهيّ مُعتنَقِ
وقد خفِيا عن الرّقيب فمانمّ بنا غيرُ نشرِه العَبِقِ
وقوله:
وأزهرَ مثلِ البدرِ قد طاف موهِناًعليّ بمثل الشمسِ من قرقَف الخمر
فوالله ما أدري وقد علّني بهاأمن طرْفه أم من مُدامته سُكري
وقوله من قصيدة:
شاهرٌ سيفين مشتبِهٌمنهما ساجٍ ومصقولُ
فسلوه يُنبِ أيُّهمادمُه في الحيّ مطلولُ
لحظُه أم ما تقلّدهُفكِلا العضْبَينِ مسلولُ
ومنها:
يا رفيقيّ الطِّلاءَ ففيليلِ منْ نادمتُما طولُ
وقوله من أخرى:
ما كذا يامن ألِفتُهُمُتهجُرُ الأحبابُ من ألِفوا
شدّ ما أغرى الملامُ بكمرفَقَ اللّوّامُ أو عنُفوا
كلّما لجّوا لججْتُ هوىًإنْ نمى عذْلٌ نمى شغَفُ
وبجسمي مَنْ كلِفتُ بهوالهوى عُنوانُه الكلَفُ
رشأ إنْ أنكرتْ يدُهما جنى فالعينُ تعترفُ
غُصُنٌ أوفى به قمرٌضُمنَتْهُ روضةٌ أنُفُ
إن يعِبْ قومٌ به هيَفاًفالذي أهوى هو الهيَفُ
أو يكنْ في الحبّ منقصةٌفهْيَ في حكمِ العلى شرفُ
وقوله في شكوى الزّمان وفراق الخلاّن:
في كلِّ يومٍ لي نحيبٌ قد علا في إثْرِ حِبِّ
حتى كأن الهمّ لميُخلَق لقلب غير قلبي
يا دهرُ هل ألقاك مشهورَ السلاحِ لغيرِ حربي
أم هل يكرّرُ صرْفُك المذمومُ شرباً غير شربي
أقصيتَ أحبابي وهِضْتَ قوادمي وفللْتَ غرْبي
حسْبي وما تُجدي علىخضِلِ المدامعِ قولُ حسْبي
يكفيك خطبٌ واحدٌإنْ كنتَ تقنَعُ لي بخطْبِ
وقوله:
سلمْتَ مما التقى السّليمُيا جنّةَ دونَها الجحيمُ
سلبْتَ نومي وأيّ نومٍيعرِفُ من صحبُه النّجومُ
أنت بقلبي وأنت أدرىبما به تصنَعُ الهمومُ
فاعطِفْ وكن سيّدي رحيماًلعاشقٍ ما له رحيمُ
أطعتَ فيه العَذولَ غدراًولم يُطِع فيك منْ يلومُ
فكلّ دمعٍ له نجيعٌوكل جفْنٍ به كُلومُ
ولم يكن مُسْقَماً ولكنأسقمه طرْفُك السقيمُ
وقوله في محبوب خائن، وحمل نفسه على السّلوّ عنه:
لما رأيتُ الغدرَ فيك سجيّةًولمحْتُ منك أمارةَ الخوّانِ
ألزمتُ نفسي بالسّلوّ حميّةفسلَتْ وكانت صعبةَ السّلوانِ
والحُرّ يبعثُه على حُبّ الرّدىفي الحبّ بعضُ مواقفِ الخِذلان
وقوله في الحثّ على التغرّب. ولما جمع شعره، حذفها من ديوانه:
ولا تجزَعْ لفُرقة من تُصابيولو ردّتك أرديةُ السَّقامِ
فلولا الافتراقُ لما أصابتمَراميَها مُقَرطِسَةُ السِّهامِ
يَزيدُ الماء طيباً وهْو جارٍويفسُدُ غيرَ جارٍ في الجِمامِ
وقد سار الهلالُ فصار بدراًوكم أجلى مَحاقٌ عن تمامِ
وقوله في المعنى مما أثبته في ديوانه، وقد سار:
فارِقْ تجِدْ عوضاً ممن تفارقُهفي الأرض وانصَبْ تُلاقِ الرّفْهَ في النّصَبِ
فالأُسدُ لولا فِراقُ الخِيسِ ما فرَسَتْوالسّهمُ لولا فراقُ القوسِ لم يُصِبِ
وقوله:
تُسهّلُ عندي كلّ صعبٍ أريغُهُعزائمُ لا تمضي السّيوفُ كما تمضي
ويحسَبُني فوق السماءِ جلالةًعدوّي وضدّي إن مشيتُ على الأرضِ
وقوله:
ما استحسنَ الناس من أُكرومةٍ سلفتْإلا رأوها على استحسانها فيكا
ولا تحلّوا بمعنى يُستحبُّ لهمإلا وكان مُعاراً من معانيكا
وقوله:
يا حاكماً ما مسلمٌ واحدٌيسلَمُ من أحكامِه الجائرهْ
إحتَلْت للدُنيا فحصّلتهاوالرأيُ أن تحتالَ للآخرهْ
وقوله في دار الكتب التي بناها النّطنَزيّ بأصفهان، ونقضه مراراً وأعادها:
دارُ كتبٍ بغيرِ كتبٍ ومالٌمن ترابٍ أنفقتَه في تُرابِ
أنت في عامرٍ بزعمك منهاواللها كلَّ ساعةٍ في خرابِ
وقوله:
تركتُكِ للمُغضينَ فيك على القذىوأشفقتُ من لومِ اللوائم فيكِ
فإنّي وإنْ قلّبتُ قلبي على لظًىلأرفَعُ نفسي عن هوىً بشريكِ
وقوله:
وصفوكِ عندي بالنِّفارِ وما درَوْاأنّ النِّفارَ سجيّةٌ للرّيمِ
ورأوا مَشابِه منه فيك فقابلواعِزَّ الخِلافِ بذِلّةِ التّسليم
وقوله:
إذا سُمتُما في سلوةٍ لم أُطعكماوإن سُمْتُما في الصبرِ كنتُ مطيعا
ومن أملي أنْ يسترقّكُما الهوىفننجو جميعاً أو نُصاب جميعا
وقوله:
تهنّ بالمولود واسعَدْ بهيا أكرمَ الناسِ على الناسِ
ولو قبِلْتَ القصدَ من قاصدٍجئتُ أهنّيك على الرّاسِ
وقوله:
تكلّفتَ إعطاءَنا مرةًفقلنا حبانا ولم يبخَلِ
وعُدْنا نُحاولُ منك الحقيرَ فعُدْتَ الى يومكَ الأوّلِ
وقوله يذمّ مدينة جَيّ:
على جَيَّ العَفاء لقد لقينابها أشياء كنّا نجتويها
سكنّاها فكان الموتُ خيراًقُصارى حظّنا من ساكنيها
وكانت من بضائِعنا اللآليولكنْ لم نجِدْ من يشتريها
وهل فيها لإنسانٍ مقامٌوأنتَ من الكِرام بها وفيها
وقوله:
يقدّمُ الدهرُ لا المساعيكلّ صغيرٍ على كبير
ولو علا الناسُ بالمزايالم يعلُ خلقٌ على الأمير
وقوله:
طال وجْدي حتى ألِفْتُ بك الوجْدَ وسُقمي حتّى ألفت السّقاما
وتجافى الملامَ قومٌ ومن حبي لذكراك قد حبَيتُ الملاما
أشبهَ البدرُ منك وجهاً وحاكى الغصنُ لمّا انثنيت منك قَواما
واستدمت الخلافَ رداً على منْقال إنّ الرُضابَ يحكي المُداما
وقوله، وكتب بها الى الفقيه الموفّق محمد بن الحسن يشكره ويستعين به في أمر عند قاضي أصفهان:
خلاصاتُ المساعي للسُعاةِوللمُعطينَ حظُّ الأُعطياتِ
وفي الإخوان خوّانٌ ووافٍولكنْ أنت من أوفى الثِّقاتِ
فقد أضحى لك اسمُ أبيك معنىأفاد وما المعاني كالسِّماتِ
وبعد الموت لا يُجدي متابٌولكنْ نفعُهُ قبلَ المماتِ
تملّكْ رِقّ أدعيتي وصرّحْبأثنيتي على ملك القُضاة
وخلِّ أبا المكارمِ والعطايافلم يُخلَقْ لغير المكرُماتِ
سحابٌ عمّ وابلُه البراياوليس ينالُني بلُّ اللهاةِ
وبدرٌ تُشرِقُ الآفاقُ منهولكنّي به في داجيات
على جَيّ العَفاء فإنّ جَيّاًعفت فيها رسوم المأثُراتِ
تلاعبنا بناتُ الدهرِ فيهاومن عاداتنا وأدُ البناتِ
ويكفينا من الذّمّ اقتصارٌعلى ما قالاه كافي الكُفاةِ
التي سبق ذكرها، وقال تكتب على هذا الوجه:
أثّر في وجهك النّعيمُوطاب من طيبِك النسيمُ
وهوّن اللومَ فيك حسنٌيلومُ في الحبّ منْ يلومُ
يا رحمة وهْو لي عذابٌوجنّة وهْو لي جحيمُ
طرْفُك فيما أرى وجسميكِلهما فاترٌ سقيمُ
وقوله:
كلِفْتُ به وقلت بياضُ وجهٍفقيل أسأتَ فاكلَفْ بالنهارِ
فلما حفّ بالإصباحِ ليلٌوعُذرٌ قام عُذري بالعِذار
وقوله:
أربى على سائر الرّجالِتِربُ المعالي أبو المعالي
مهذّبُ النفسِ والسّجايامحسّدُ الفضلِ والكمالِ
يبدو لنا كلّما تبدّىمنه سَنا البدرِ لا الهلال
وكلما حاور النّدامىقبلَ كرى تُنثَرُ اللآلي
عمّركَ اللهُ إنّ عمريمنك فما للورى ومالي
يُذيلُ مالاً يصون عِرضاًليس مَدى الدهرِ بالمُذالِ
وقوله:
مزجَتْ لنا الدنيا مُنىً بمَنونوسَطتْ فأخفت شدّةً في لينِ
فليرْفَعِ اليقِظُ المهذّبُ نفسَهعن رقدةِ المتغافلِ المغبونِ
وليغنَمِ الإمكانَ ندْبٌ عالمٌأفضت إليه بسرّها المكنونِ
استروحَ المكروبُ مما شفّهمن كرْبه بتأوهٍ وأنينِ
وأبى الفتى المصدورُ إلا نفثةًما إنْ يَعيها غيرُ صدرِ الدّين
يقظانُ يسحبُ في ميادين العُلَىأذيالَ صبٍّ بالنّدى مفتونِ
وأغرّ تنتسبُ الزّكانةُ والحِجامنه الى ماضي الجَنان رَكينِ
يا سيّد العلماء إنْ عُدّوا وياأوْلاهُمُ بالحمدِ والتأبينِ
قد خصّ جارَك جور عبدِك دهرهبعدَ الغِنى وخصاصة بديونِ
بخِلَ الغَمامُ وجُدْتَ فاستغنى الورىعن جَوْدِ ساريةٍ بجودِ يمين
فلتحْمَدَنّ على جميل صنيعةٍدهراً سخا بك وهْو جِدُّ ضَنينِ
ثم فرّق الدهر بيننا، وطالبتُ الأقدارَ بلقائه، فأبيْنَهُ. وعاد الى الموصل، ولقيته بها في سنة ستّ وستين. وآخرُ عهدي به فيها سنة سبعين وخمسِ مئةٍ.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع