من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
المؤيّد الآلوسي
بغدادي الدّار. ترفّع قدره، وأثرت حاله، ونفق شعره، وكان له قبول حسن، واقتنى أملاكاً وعقاراً، وكثُر رياشه، وحسُن معاشه، ثمّ عثر به الدّهر عثرةً صعُب منها انتعاشه، وبقي في حبس أمير المؤمنين المقتفي بأمر الله أكثر من عشر سنين، الى أن خرج في زمان أمير المؤمنين المستنجد بالله سنة خمس وخمسين وخمس مئة عند توليته، من الحبس. ولقيته حينئذ، وقد عشي بصره من ظلمة المطمورة التي كان فيها محبوساً، وكان زيّه زيّ الأجناد.
سافر الى الموصل، وتوفّي - بعد ذلك - بثلاث سنين. وله شعر حسن غزِل، وأسلوب مطرب، ونظم معجب. وقد يقع له من المعاني ما يندر، فمن ذلك ما أنشدني له شمس الدولة عليّ، ابن أخي الوزير عون الدّين بن هُبيرة في صفة القلم:
ومثقّفٍ يُغني ويُفني دائماًفي طورَي الميعادِ والإيعادِ
وهبَتْ له الآجامُ حين نشا بهاكرمَ السّيولِ وهيبةَ الآسادِ
وله هذه الأبيات السائرة التي يغنّى بها:
لعُتبةَ من قلبي طريفٌ وتالدٌوعتبةُ لي حتى الممات حبيبُ
وعتبةُ أقصى مُنيتي وأعزّ منْعليّ وأشهى منْ إليه أثوبُ
غلاميّةُ الأعطاف تهتزّ للصِّباكما اهتزّ في ريحِ الشّمال قضيبُ
تعلّقتُها طفلاً صغيراً وناشئاًكبيراً وها رأسي بها سيشيبُ
وصيّرتُها ديني ودنيايَ لا أرىسوى حُبِّها إنّي إذنْ لمُصيبُ
وقد أخلقتْ أيدي الحوادث جِدّتيوثوبُ الهوى ضافي الدّروعِ قشيبُ
سقى عهدَها صوْبُ العِهاد بجودِهملِثٌّ كتيّار الفرات سكوبُ
وليلتنا والغربُ مُلقٍ جِرانَهوعودُ الهوى داني القُطوفِ رطيبُ
ونحن كأمثال الثّريّا يضمّناودادٌ على ضيق الزمان رحيبُ
وبِتّ أديرُ الكأسَ حتى لثغرهاشبيهاتُ طعمٍ في المدام وطيبُ
الى أن تقضّى الليلُ وامتدّ فجرُهوعاودَ قلبي للفراقِ وجيبُ
فيا ليتَ دهري كان ليلاً جميعُهوإنْ لم يكن لي فيه منكِ نصيبُ
أحبّكِ حتى يبعثَ اللهُ خلقَهولي منك في يوم الحسابِ حسيبُ
وألهَجُ بالتّذكارِ باسمِك داعياًوإنّي إذا سُمّيت لي لطَروب
فلو كان ذنبي أن أُديم لودّكمجنوني بذكراكم فلست أتوبُ
إذا حضرت هاجت وساوسُ مُهجتيوتزداد بي الأشواقُ حين تغيبُ
فوا أسفا لا في الدّنوّ ولا النّوىأرى عيشتي يا عتْبُ منك تَطيبُ
بقلبي من جُبيك نارٌ وجنّةٌولي منك داءٌ قاتلٌ وطبيب
فأنتِ التي لولاكِ ما بتّ ساهراًولا عاودتني زفرة ونحيبُ
وطالعتُ في مجموع من مدائح المكين أبي عليّ، في دار كتبه بأصفهان للمؤيّد فيه قصيدة، أولها:
باحَ الغرامُ من النّجوى بما كتَماولْهانَ لو عطَفَتْ سلمى له سلِما
مُغرىً بفاترةِ الألحاظِ فاتنةِ الألفاظِ يجلو سَنا لألائِها الظُّلَما
ترنو بعينَين نجلاوَين لحظُهماأعدى الى جسدي من سُقمِه السّقَما
وتستبيك برِيقٍ باردٍ شبِمأفدي بنفسي ذاك الباردَ الشّبِما
لولاهُ لم ينْمِ حرُّ الوجدِ في كبِديوليس حَرّ هوىً إلا لبرْدِ لَمى
أستودعُ اللهَ في الأظعان ظالمةًأحبّها وألذُّ الحبِّ ما ظلَما
سارت وعقلي بها في الرّكبِ معتقَليقودُه حبُّها بالشّوقِ محتزما
وأرسلتْ برسولٍ من لواحظِهامستورداً دمعيَ المهريّة الرُّسُما
هيفاء مصقولة الخدّين تحسَبهاإذا مشت قبَساً في البيت مضطرما
تفترّ عن شنَبِ كالفجر مبتسماًوالدُرِّ منتظماص والنجم ملتئما
ضنّت بوصلي وقالت في الخَيال لهغِنىً وفي زورةِ الأحلام لو علِما
وكيف يطمَع مسلوبُ التّصبُّر لميعرِفْ لذيذَ الكرى أن يعرف الحُلُما
ومنها:
ولي بعزّي لو أنصفته شُغُلٌعن الدُّنا والعلى مُغرىً بغيرِهما
عينُ الصوارمِ والأرماحِ طامحةٌالى وُرودي بها الهيجاءَ مقتحما
ومنها في المديح:
سماحةٌ تشدَهُ الضّيفانَ إنْ دهمَتْغُبرُ السّنين وبأسٌ يُشبعُ الرّخَما
إذا تقاصرتِ الآمالُ مدّ لهايداً ببذلِ الأيادي تُخجِلُ الدّيَما
كفٌ متى بسطَتْ كفّ الزمانِ بهافأوجدت وُجدةً أو أعدمت عدما
لما رأى الدهرُ ما تجْني نوائبُهفي الناس جاء به عذراً لِما اجترما
يُنبيك عن فضله ماء الحياءِ ومنماء الفرِنْد عرَفْتُ الصارمَ الخَذِما
ذو همّةٍ تملأ الدّنيا محامدُهطيباً كما ملأ الدُنيا بها كرما
ومنها:
إسمَعْ غرائبَ شعرٍ يستقيدُ لهاصعبُ المعادينَ إذعاناً وإنْ رغما
أثني عليك به حتى تودّ وقدأنشدتُه كلُّ عينٍ أن تكون فما
وما فضَلْتُ زُهيراً في قصائدهإلا لفضلك في تنويله هرِما
وله، أنشدنيها ولده محمد:
ألمّ خيالٌ من لُمَيّاءَ زائرُوقد نام عن ليلي رقيبٌ وسامرُ
سرى والدُجى مُرخي الذوائب حالكٌفخيّلت أنّ الصّبحَ دونيَ سافرُ
وما زارني إلا ولِهْتُ وشاقنيأوائلُ شوقٍ ما لهنّ أواخرُ
وسمراءَ بيضاءَ الثّنايا إذا مشتتسابقُها وطءَ التّرابِ الغدائرُ
تكامل فيها الحسنُ واهتزّ قدُّهاكما اهتزّ مصقولُ الغِراريْنِ باترُ
قوامٌ كخُوطِ البانِ هبّت به الصَّباقويمٌ ولحظٌ فاتنُ الطّرفِ فاترُ
إذا عذَلوا في حُبّها ووصفتُهافلا عاذلٌ إلا انثنى وهْو عاذرُ
تَزيدُ نفوراً كلّما زُرتُ صبوةًإليها على أن الظِّباءَ نوافرُ
وترنو بعينَي جُؤذرٍ من رآهمارأى كيف تصطادُ الرجالَ الجآذرُ
وثغر نقيّ كالأقاحي وريقةكأنّ الحَيا للخمر فيها مُخامرُ
وعهدي بها ليلاً وقد جئتُ زائراًإليها كما يأتي الظِّماءُ العواثرُ
وبدرُ الدُجى يُغري بها كلّما ابتغتإليّ وصولاً والبدورُ ضرائرُ
وإني لتُصبيني إليها صبابةٌتُراوحُني في حبّها وتُباكرُ
على أنّني خُضت الرّدى ولقيُهالِقاءَ محبٍّ أعجلته البوادرُ
وعاتبتها حتى الصّباحِ وحولَهاميامنُ من نُظّارِها ومياسرُ
فأصبحتُ ما بين المطامحِ والأسىفلا الوصلُ موجودٌ ولا القلبُ صابر
أميّاسةَ الأعطافِ عطْفاً على شجٍهواكِ له ما شئتِ ناهٍ وآمرُ
يَبيتُ كما بات السّليمُ من الجوىويُصبحُ كالمأسورِ عاداهُ ثائرُ
أصخْتِ لأقوالِ الوُشاةِ فبِعتِنيوبائعُ مثلي يا لُميّاءُ خاسرُ
وهدّدني أهلوك فيك وإنّنيلتَصغُر عندي في لِقاك الكبائرُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع