من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأديب أبو طاهر محمد بن حيدر بن عبد الله بن شعيبان البغدادي الشاعر
كان شاعراً بليغاً مُجيداً، حسن الشّعر، رقيقه.
يسكن سوق الثّلاثاء. أعور.
سمعت شيخنا عبد الرّحيم بن الأخوة البغدادي، بأصفهان، يقول: كان له شعر حسن، وكان من مادحي سيف الدّولة صدقة بن منصور.
قال: أنشدني أكثر أشعاره، فما وجدت فيها أحسن من قوله في الخمر:
ومُدامةٍ كدم الذّبيحِ سخا بهاللشّرْبِ من لهَواته الإبريقُ
رقّت، فراقَ بها السّرورُ ولم تزلْنُطَفُ السّرورِ ترقّ حين تروقُ
حتى إذا ضحِكَ الزُجاجُ لقربهامنه بكى لفراقها الرّاووقُ
وقوله:
يا جاحدي فضلي وقد نطقتبفضائلي بدَهاتُه عنه
هل أنت إلا البدرُ توضحُهشمسُ الضّحى وكسوفُها منه
وقوله:
ما لي إذا أنا لُمْتُ أُسرةَ مزْيَدٍوالغُرّ من سرَواتهم لم أُعذَرِ
أم ما لقلبي كلّما كلّفتُهصبراً على فعَلاتِهم لم يصبِرِ
وإذا هممتُ ببسط عذرِهمُ علىمنعي وهم سُحُبُ النّدى لم أقدِرِ
وقوله في رقّاصة:
رقّاصتي هذه لخفّتهاتكادُ تحت الثّيابِ تنسبكُ
خفيفةُ الجسم ما لها كفَلٌيُثقلُها شحمُه ولا وَرِكُ
كأنّما الأرضُ تحتها كُرةٌتحمِلُها وهي فوقَها فلَكُ
وقوله في صفراء:
أنت يا لائمي على شعَفِ النّفسِ بحبّ الوليدةِ الصّفراءِ
لا تلُمْني على صبابةِ قلبٍملكته مولّداتُ الإماءِ
أيما في العيون أحسنُ لوناًصفرةُ الرّاحِ أم بياضُ الماءِ
وقوله:
فتى من نَداهُ الغمْرِ يسترسلُ الحَياومن وجهه الميمونِ يطّلعُ البدرُ
وما سلّ سيفَ العزمِ إلا تجعّدتسِباطُ القنا واحمرّتِ الأنصُلُ الخُضرُ
هو البحرُ يحلو في فم الخلقِ طعمُهويصفو وماءُ البحرِ ذو كدرٍ مُرُّ
وقوله:
أراك إذا عددتَ ذوي التّصافيوجدتَهُم أقلّ من القليل
كماءِ البحرِ تحسِبُه كثيراًوقلّته تبينُ مع الغليلِ
ذكر صديقنا عمر بن الواسطيّ الصّفّار - ببغداد - سة إحدى وستّين، قال: دخلت على ابن حيدر الشاعر في أيام المسترشد، وأنا صغير، وعنده جماعة يعودونه في مرضه الذي مات فيه، وهو يُنشد، فحفظتُه بعد ذلك من بعض الحاضرين:
خليليّ هذا آخرُ العهدِ منكمُومني فهل من موعدٍ نستجدّهُ
لأنّ أخاكم حلّ في دار غُربةٍيطولُ بها عن هذه الدّارِ عهدُه
فلا تعجَبوا إذْ خفّ للبَينِ رحلُهوقد جدّ في إثر الأحبّةِ جِدّهُ
على أنّ في الدّارينِ تلك وهذهله صاحبٌ يهْوى وإلفٌ يودّهُ
وقد أزمع المسكينُ عنكم ترحُّلاًفهل فيكمُ من صادقٍ يستردّهُ
وأُنشدت له ببغداد:
خفِ الأمرَ وإنْ هانولا يطْغَ بك الشِّبْعُ
ولا تُصْدِ بك الكلفةُ ما يصقُلُه الطبْعُ
فقد يُخشى من الفأر على من عضّهُ السّبْعُ
وله في سيف الدولة:
هواء بغداد أشهى لي ودجلتُهاأمرا لغلّةِ صدري منك يا نيلُ
لو لم يكن فيك من دودانَ بحرُ ندىًإنعامُه في بني الآمالِ مبذولُ
تاجٌ ولكن على العلياءِ منعقدٌسيفٌ ولكن على الأعداءِ مسلولُ
وله من قصيدة في سيف الدولة صدقة، أوّلها:
خُذ بي على قطَنٍ يمينافعسى أريك به القَطينا
حتّى إذا طلَعت به الأقمارُ رنّحتِ الغصونا
يُخلِفْن ميعادَ الوفاءِ لنا ويمطُلْنَ الدّيونا
من كلّ ذاتِ روادفٍكالرّملِ رجرجةً ولِينا
منْطَقْن بالنّحَفِ الخصورَ وصُنّ بالتّرفِ البطونا
وأقَمن من تلك العُيونِ على خواطرِنا عُيونا
ومنها:
يا بانةَ العلَمَين منقرَنٍ كفى بكِ لي قرينا
أأمِنتِ داعيةَ الصّبابةِ لي وقولَك لي يمينا
وعليّ أيمانٌ مغلّظةٌ أُجلُّك أن تَمينا
أنْ لا أعُدّ سوى مَعينِ الدّمعِ بعدَك لي مُعينا
ومنها:
يا من تسمّح للعواذِل بي وكنتُ به ضَنينا
أحسنتُ ظنّي في هواك فلِمْ أسأتَ بي الظّنونا
قد كان ما قد كنتُ خِفْتُ من التّجنّبِ أن يكونا
ورأيتُ فيك قبيحَ ماظنّ الوُشاةُ بنا يقينا
حتى كأنّك كنتَ للهِجرانِ للواشي ضَمينا
ولقد دعوتُك قبلَ غدرِك بي على قلبي أمينا
جرّدتَ من حدَق القِيانِ ظُباً ذعرْتَ بها القيونا
حدَقاً جعلتَ فتورَ أعيُنِها لأنفسنا فُتونا
وجعلْتَ من تلك الجفون على قواضبها جُفونا
أو لم تخفْ سيفاً تخونَ حدّهُ الزّمنَ الخؤونا
سيفٌ تقُدّ صدورُهقمَمَ الفوارسِ والمُتونا
وأنشدني - ببغداد - مَن نسبه إليه في الخمر:
مرحباً بالتي بها قُتِل الهمُّ وعاشت مكارمُ الأخلاقِ
وهي في رقّة الصّبابةِ والشّوقِ وفي قسوةِ النّوى والفِراقِ
لستُ أدري أمن خُدودِ الغوانيسلبوها أم أدمعِ العُشّاقِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع