من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الشيخ الأديب أبو محمّد الحسن بن أحمد بن حكينا
من الحريم الطّاهريّ.
ظريف الشّعر، مطبوعه. لم يجُدِ الزمان بمثله في رقّة لفظه وسلاسته. وقد أجمع أهل بغداد على أنّه لم يرزَق أحد من الشعراء لطافةَ طبعه.
وله الأبيات النّادرة، المذهبة، التي من حقّها أن تكتب بماء الذّهب.
أنشدني له بعض الأكابر ببغداد في عمي العزيز، ﵀، من قصيدة، هذا البيت، وهو:
فميلوا بنا نحو العِراقِ ركابَكُمْلنكتالَ من مال العزيزِ بصاعِهِ
وطلبت هذه القصيدة، لأكتبها، فلم أجدها.
وأنشدني بعض الفضلاء ببغداد لابن حِكّينا:
قد كنتُ في أرغدِ ما عيشةٍبمعزِلٍ عن كلّ بَلْبالِ
تيّمني خالٌ على خدِّهالويلُ للخالي من الخالِ
وله، وأظنّه في أنوشَروانَ الوزير:
ومُظهِر وُدّهُ لقاصدهيكُفّ عنه الأطماعَ بالياسِ
يقومُ للنّاس مُكرِماً فإذاراموا نَداهُ يقومُ للنّاسِ
وله:
مدحتُهُمُ فازددتُ بُعداً بمدحهمفخُيّلَ لي أنّ المديحَ هِجاءُ
يقولون ما لا يفعلون كأنّهمإذا سُئِلوا رِفداً هم الشّعراءُ
وله في العذار:
لافتضاحي بعدَ عارِضِهسببٌ والناسُ لُوّامُ
كيف يخفَى ما أكتّمُهوالذي أهواهُ نمّامُ
وله:
يا باعثاً طيفَه مثالاًحسنُك قد جلّ عن مثالِ
وإنّما كان ذاك رَشْقاًبعثَ خيالٍ الى خيالِ
وأنشدني بعض أصدقائي ببغداد لأبي محمد بن حِكّينا، في مدح عَوَرِ عينِ الحبيب، ولم يسبق إليه:
يا لائمي والمَلومُ متّهمٌحسبُك ما قلتَ فيه من عوَرِ
يرشُقُ عن فردِ مُقلةٍ ولهألفُ جريحٍ منها على خطرِ
لُم كيف شئتَ لستُ تاركَهالآن صحّ التّشبيهُ بالقمرِ
وأنشدني له ببغداد الشيخ مجد القضاة، في بعض القضاة:
وباردِ التّنميسِ بين الورىيفعلُ ما لا يفعلُ اللصُّ
يصطادُ أموالَ الورى كلهابطرْحةٍ من تحتِها شِصُّ
وله في قصد ابن التّلميذ، لمرض به. أنشدني مجد الدولة أبو غالب بن الحُصين، قال: أنشدني ابن التّلميذ له:
لمّا تيمّمْتُه وبي مرضٌالى التّداوي والبُرءِ محتاجُ
آسى وواسى فعدت أشكرُهُفعلَ امرئٍ للهمّ فرّاجُ
فقلت إذ برّني وأبرأنيهذا طبيبٌ عليه زِرباجُ
وكتب الى الشّريف ابن الشّجَريّ النّحوي، وكان له شعر مقارِب:
يا سيّدي والذي يُعيذُك مننظمِ قريضٍ يصدا به الفِكرُ
ما فيك من جدِّك النّبيّ سوىأنّك ما ينبغي لك الشّعرُ
وأنشدني أبو المعالي الكتبي، قال: ذكر ابن الفضل أنّه كتب الشيخ أبو محمد بنُ حِكّينا الى ابن التّلميذ، وأراد أن يصالحه بعد خصومة، أبياتاً، منها هذا البيت:
وإذا شئتَ أن تُصالحَ بَشّارَ بنَ بُردٍ فاطرَحْ عليه أباهُ
يقال: إطرح فلاناً عليه، حتى يصالحك. فما ألطفَ طلبَه منه بُرداً بهذا البيت المطبوع! وأنشدني له هذا البيت، وهو حسن:
إرضَ لمن غابَ عنك غيبتهفذاك ذنبٌ عِقابُه فيهِ
وأنشدني له أيضاً:
قسا ثمّ أجرى عبْرَني فكأنّنيعلى فقدهِ الخنساءُ تبكي على صخْرِ
وله في أنوشَرْوان الوزير:
سألوني منْ أعظمُ الناسِ قدراًقلت مولاهمُ أنوشَرْوان
لست أحوي صفاتِه غيرَ أنّيما رأيتُ الإعسارَ منذُ رآني
وإذا أظهر التّواضُع فينافهو من آيةِ الرّفيعِ الشّانِ
ومتى لاحِ النّجومُ على صفحةِ ماءٍ فما النّجومُ دَواني
وله:
ما بالُ أشعاري وقد ضُمّنتمدحَكُمُ ترجِعُ بالدّلْقِ
ما فيكُمُ بخلٌ وما بي غنىًعن نائلٍ والنّجْحُ في الصّدقِ
ولست أستبطي ولكنّنيينقطعُ الغيثُ فأستسقي
وله في أمين الدولة أبي الحسن بن صاعد الطّبيب، ويعرف بابن التّلميذ، وقد نفّذ له شيئاً، وكان مريضاً:
جاد واستنقذ المريضَ وقد كاد ضنىً أن يلُفّ ساقاً بساقِ
والذي يدفَعُ المَنونَ عن النّفْسِ جديرٌ بقسمة الأرزاقِ
وله:
ويكتبُ بالبيضِ الصّوارمِ أسطُراًعلى أوجُهِ الفرسان تنقُطُها السُمْرُ
وينظِمُهُم في الرُمحِ نظماً وإنّمارؤوسُهُمُ من بعدِ نظمِهِمُ نثرُ
وله:
لو كنتَ أعلمتَني بهجرك ليلبِستُ من قبلِ صدِّك العُدَدا
عيناك ترمي قلبي بأسهُمهافما لخدّيك تلبَسُ الزّرَدا
ريقتُهُ الشُهْدُ والدّليلُ علىذلك نملٌ في خدِّهِ صعِدا
وله في العِذار:
لا تقولوا من بعد عارضه قد تغيّرا
إنّما الحسن حين مرّ به الحِبّ مسفرا
رامَ تبخيرَهُ فذرّ على الجمرِ عنبرا
وله في المدح:
أتاني بنو الحاجاتِ من كلّ وجهةٍيقولون لي أينَ الموفَّقُ قاعدُ
فقلتُ لهم فوقَ المجرّة دارُهولكنّني فارقتُه وهْو صاعدُ
فإن شئتُمُ ألا تضِلّوا فيمّمواالى حيثُ سارت بالثّناء القصائدُ
وله في تأبين ميت:
ومنتقلٍ بالإثمِ أرساهُ جُرمُهفلم يقدِروا من ثِقلِه أن يُقلّوه
رأى أهلُه إبعادَه مَغْنماً لهموكان كثيراً عندَهم فاستقلّوه
ولم يسمعِ الحفّارُ ساعةَ دفنِهوتوسيدِه إلا خُذوه فغُلّوه
وله في البخل:
لمّا فشا البخلُ وصار النّدىولا رغيفٌ كلّ أسبوعِ
سرت مصاريعُ هجائي الىمنْ خبزُه خلفَ المصاريع
فقطّعتْ بالذّمّ أعراضَهُوفرّقتْها في المجاميع
وكتبت من الأجلّ شمس الدين وله سديد الدولة بن الأنباري قصيدة لابن حِكّينا بخطّه، في والده. وهي:
أدِرْها مدعدعة يا نديميبماءِ الكرومِ وبين الكُرومِ
وكن أرفقَ الناس تحت الظلامِ ببزْلِ الدّنان وفضّ الختومِ
الى أن تُريكَ طلوعَ الصّباحِ في حبَب كانقضاض النّجومِ
ووكّلْ مصابيحَها الزاهراتِبإحراقِ شيطانِ همّي الرّجيمِ
وخُذْها على أنها لُقطةٌإذا اشتُريتْ بدُخولِ الجحيمِ
هي الرّوح أو مثلُها في القياس مخلوقةٌ لقوام الجسوم
ومن بعض أفعالِها في النّفوسِ عَوْدُ السّرورِ ونفيُ الهمومِ
بَزوغيّةٌ شغلَت فكرتيبوصفي لها عن بكاء الرّسومِ
كُميتٌ ولكنّها لا تُردّعن نيل غاياتِها بالشّكيمِ
غذتها السّنون الى أن نشتْبجري الهواءِ ولفْح السّمومِ
أقرّ الشِّهادُ لها والعبيرُ بطيبِ المَذاقِ وعطر النّسيمِ
يدورُ بها مستديرُ العِذارِ أسلبَ منها لعقل النّديمِ
يُضلّ البَصيرَ بوجهٍ منيرويُبري السّقيمَ بطرْف سقيم
فمن لي بقلبي وقد فرّقَتْهيدُ الوجدِ ما بين بدرٍ وريمِ
فيا صاحِ إن ساورتك الخطوبُ في كونِها عُدّه من خصومي
ومنها في المخلص، وقد أجاد:
فقل للزّمان اتّئدْ إنّنيبأفضلِ أبنائه في حَريمِ
وإني فلا تطمَعِ الحادثاتُ عبدُ الكريم ابنُ عبد الكريم
ومنها في المدح:
ترى الوفْرَ عند استماعِ المديحِ في مُقعِدٍ من نَداهُ مُقيمِ
يقول إذا ما رأى خلّتيلكِ الأمنُ منّي بألاّ تُقيمي
من القومِ لولاهُمُلم تُقمْوجوهُ العطايا وسوقُ العلومِ
كم استعبدوا مُقتِراً بالنّوالِ واصطنعوا جاهلاً بالحُلومِ
وأضحوا يرَوْن تلافي الفقيرِ أولى بهم من تلافي العَديم
ومنها:
وأصبحَلا يقتني دِرهماًلغير قضاءِ دُيونِ الرّسومِ
ومنها في صفة القلم:
يُجيل غداةَ الوغى مُرهَفاًشديدَ الجِلادِ خفيّ الكُلومِ
نحيفاً يردّ بإسهابِهوصولَتِه كلّ خطْبٍ جسيمِ
فما يتميّز عبدُ الحميدِ حين يراهُ من ابنِ الخطيم
ومنها:
فيا منْ تغمّدني بِرّهونزّهني عن سؤالِ اللّئيم
وسالت عِهادُ أياديه منخُراسان الى منزلي بالحَريمِ
ولم ينسَني يومَ بثّ النّوال لا في الخوص ولا في العمومِ
تهَنّ فمجدُك فوقَ النّجومِ واسعَدْ فشانيك تحتَ التّخومِ
وعِشْ في السّرورِ نعِش في السّرورودُمْ في النّعيم ندُمْ في النّعيم
وكتبت من مجموع بخطّ أبي الفضل بن الخازن: أنشدني الصبح أبو محمّد بن حِكّينا من قصيدة:
لاقى طريقَ النُسْكِ شاسعةًفاستصحب اللّذّاتِ وانحرفا
يهْوى كؤوسَ الراح تُذكِرُهقبَساً أضاءَ وبارقاً خطَفا
يُهدي المِزاجُ لجيدِه حبَباًمثلَ السّهامِ تعاورت هدَف
وإذا دعاهُ طرْفُ غانيةٍللوصلِ بادره ولو زَحَفا
ومنها:
واسقِ النّديمِ تعُدْ حُشاشتَهُمشمولةٌ لطُفت كما لطُفا
واعقِدْ بطرفِك صُدغَ ذي ترَفٍلمّا ألمّ بخصْرِه انعطفا
كالنّون منحنياً فإنْ عبِثتكفّ أحالت شكلَهُ ألِفا
ذهبت بصِرْفِ الرّاحِ نخوتُهفطفِقتُ محتضِناً ومرتشفا
ومنها:
لله أيامٌ طرَقْتُ بهاقبلَ الصّباحِ الدّيرَ والخزَفا
والماءُ تُطرِبُهُ منادمتيفلو استبدّ برأيه وقَفا
ومنها في المدح:
أهلاً بمن جُعِلت فضائلُهأهلاً لأنْ تستنفدَ الصُحُفا
وخلائق مثل النّسيم جرىفإذا تعرّضَ للعِدا عصَفا
ولقد عزمتُ بمن سواك علىشيطان إعساري فما انصرفا
فكما ذكرتُ له نداك مضىوكأنّه بالنّجمِ قد قُذِفا
ومنها:
وتراهُ يرفِدُني وأُنشدُهمدحي فيُظهِرُ بيننا الطُّرَفا
ومنها في طلب كُسوة:
إن لم تعاجلْهُ بكُسوتِهأودى فمنه الثّلج قد ندفا
لو كان في النّيران مسكنُهقيظاً فأنشدَ شعرَهُ رجَفا
فتلقّ بالإحسانِ ممتدحاًأعيا عليه الجِدّ فانقصفا
وأنشدني أبو المعالي له في الموجَّه:
أراه لبُغضِه عَمراًيصغّرُه ويجلُدُه
وذكر لي عبد الرحيم بن الأخوة: أنّه كان بزّازاً، وكان يمدح أنوشَرْوان بن خالد.
وقال: وجدت له بيتين، وكتبتهما، وهما:
قصدتَ ربْعي وتعالى بهقدري فدتك النّفسُ من قاصدِ
وما أرى العالم من قدرهبحراً مشى قطّ الى واردِ
وأنشدني أبو الفتح نصر الله بن أبي الفضل بن الخازن لأبي محمد بن حِكّينا، في واعظ:
يُعيد ما قال أمسِ في غدِهبلا اختلافِ المعنى ولا اللفظ
حضرتُ بعضَ الأيام مجلسَهفكلّ ما قاله على حفظي
وله في أنوشروان الوزير، وقد ردّه:
قد جئتُ بابني فاعرِفوا وجههليأخُذ النائلَ من بعدي
فليس في التّقدير أني أرىقبلَ مماتي ساعةَ الرِفدِ
وله:
ولم أجْنِ ذنباً في مديحِ امرئٍقابلَ شعري بالمواعيدِ
إن قلت بحرٌ فبِما نالنيمن هولِه أيامَ ترديدي
أو قلت ليثٌ فبتكليحهإذا أتاه طالبُ الجودِ
وله في ولده:
إبني بلا شكّ ولا خُلفِفي غاية الإدبارِ والحُرْفِ
أنّه الحبّالُ في مشيهِيزدادُ إقبالاً الى خلْفِ
وله في أمين الدولة ابن التّلميذ:
لموفّقِ المُلكِ الأجلّ يدٌحسبي بفيض نوالِها وكفى
سكن المجرّة واستهلّ ندىًوكذا الغمامُ إذا علا وكفا
لم آتِ أستكفيهِ حادثةًإلا تهلّلَ بِشرُه وكفى
ولولده فيه:
إذا افتخر الناسُ في مجلسفإني بترك افتخاري خليقُ
لقد جرّ كونُك لي والداًعليّ من الذُلّ ما لا أُطيقُ
ولوالده أبي عبد الله أحمد بن حِكّينا قرأت في تاريخ السّمعاني بخطّه: كانت له معرفة بالأدب، وكان شاعراً تلميذاً لأبي علي بن شبل الشاعر، قال: قرأت بخطّ أحمد بن محمد بن الحُصَين، أنشدنا أبو عبد الله بن حِكّينا لنفسه:
إذا جفاك خليلٌ كنتَ تألَفُهفاطلُبْ سواهُ فكلّ الناسِ إخوانُ
وإن نبَتْ بك أوطانٌ نشأتَ بهافارحَلْ فكلّ بلادِ اللهِ أوطانُ
لا تركَنَنّ الى خِلّ ولا زمنٍإنّ الزّمان مع الإخوانِ خوّانُ
واستَبْقِ سرّكَ إلا عن أخي ثقةٍإنّ الأخِلاّءَ للأسرارِ خُزّانُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع