تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

محمود بن محمد بن مسلم الشّروطي البغدادي

كان شاباً، رائق الشّعر، بديع النّظم والنّثر.

أنشدني لنفسه من قطعة يغنّى بها:

يا طُلولُ بعدَهمُكيفَ حالُ ذي شجَنِ
غيّرتْكِ حادثةٌمن حوادثِ الزّمنِ

وكان يُنشدني من شعره كثيراً، ولم أثبته.

وآخر عهدي به سنة اثنتين وخمسين وخمس مئة. وتوفي بعد ذلك، وأنا بواسط.

وله ديوان.

وكان معظم مدحه في نقيب النُقَباء ابن الأتقى الزّينيّ.

وله من قصيدة في مدحه، مستحسنة، أولُها:

في حدّ رأيِك ما يُغْني عن القُضُبِوفي سخائك ما يُرْبي على السُحُبِ
وفي اعتزامِك ما لو شئت تُنفذُهأبادَ بالخوف أهلَ الدهرِ والرُعُبِ
دانت لهيبتك الأيام خاضعةًوفلّ عزمُك حدّ الموكبِ اللّجِبِ
وقال عنك لسانُ الدهر ما نطقتبه على كل عودٍ ألسُنُ الخُطَبِ
يا طلحةُ بن عليّ ما لائدِناالى الغنى غيرُ ما توليهِ من سببِ
جابت بنا البيدَ عيسٌ طالما غنِيَتْبراحتَيْك عن الأمواه والعُشُبِ
حتى وصلنا الى ملْكٍ مواهبُهمقسومةٌ بالنّدى في العُجم والعرَبِ
محجّب برِواق من مَهابتهيلقى الوفود بمالٍ غيرِ متجِبِ

ومنها:

فجدّه في صعودٍ لم يزَلْ أبداًومالُه بالنّدى المنهَلِّ في صبَبِ
إن ساجَلوك وجاؤوا بانتسابِهمففي السمء مقرّ الرّأسِ والذّنبِ
أو شابهوا عاطفاتٍ منك طيّبةًفالعودُ والعودُ معدودانِ في الخشبِ
وكلّه خشبٌ في الأرضِ منبِتُهلكنّ شتّان بين النّبعِ والغرَبِ
أو كان أصلُك يا ابنَ المجد أصلهمُفالنّخل لا شكّ أصلُ اللّيف والرُطَبِ
لبّيكَ من منعِمٍ قال الزّمان لهأنت المُعدّ لصَرْفِ الدهرِ والنّوَبِ

ومنها:

وكيف لا ترتضي الآمالُ رأيَ فتىًمذ كان في المهدِ أعطي الحكم وهْو صَبي
وأجدرُ الناس بالعلياء من شهدتْله العلى وعلى حُبِّ الإمام ربي
يا من علت درجاتُ الفضلِ بي وبهشعري وجودُك رأسُ المجدِ والأدبِ
لما غدوتَ من الأجوادِ منتخَباًأتاك شري بمدحٍ فيك منتخَبِ
فلا مددتَ يداً إلا الى ظفَرٍولا وطِئْتَ ثرىً إلا على أرَبِ

وله من قصيدة في مدحه:

جرّبتُ أبناءَ هذا الدهرِ كلهمُولم أجِدْ صاحباً يصفو به الرّنَقُ
إنْ حدّثوا عن جميلٍ من خلائقهممانوا وإن حدّثوا عن ميْنِهم صدقوا
هم العُدوّ فكن منهم على حذَرٍلا يخدعَنْك له خلْقٌ ولا خُلُقُ
تغيّر الدهرُ والإخوانُ كلهمُمالوا عليّ فلا أدري بمن أثِقُ

وله من قصيدة:

أعنِ العَقيقِ سألتَ برقاً أومَضاأأقامَ حادٍ بالرّكائب أو مضى
إن جاوز العلمَيْن من سِقْط اللّوىبالعيس لا أفضى الى ذاك الفضا

وله:

حيِّ جيراناً لنا رحلوافعلوا بالقلب ما فعلوا
رحلوا عنّا فكم أسَروابالنّوى صبّاً وكم قتَلوا
من لصَبٍّ ذابَ من كمَدٍطرفُه بالدّمعِ منهملُ
فهْو من شدْوِ النّوى طرِبٌوهْوَ من خمرِ الهوى ثمِلُ
واقفٌ بالدّارِ يسألُهاسفَهاً لو ينطقُ الطّللُ
لو تُجيبُ الدارُ مخبرةًأين حلّ القومُ وارتحلوا
لتشاكَيْنا على مضضٍنحن والأوطانُ والإبِلُ
يا صَبا نجدٍ أثرتِ لناحُرَقاً في القلب تشتعلُ
غرّدَ الحادي ببَينِهمُفله يومَ النّوى زجَلُ
يا شُموساً في القِباب ضُحىًحجبْتها دوننا الكِلَلُ
عجْن بالصبِّ المشوقِ فقدشفّه يومَ النّوى الملَلُ

وله:

ألِفْتُها وللحُدا تغريدُعن رامةٍ إنْ وصلتْ زَرودُ
فلاحَ برقٌ بثنيّاتِ الحِمىتُشيمُه للأعينِ الرّعودُ
فمالتِ الأعناقُ منها طرباًكما يُميلُ الناشدَ المنشودُ
أسكرها خمرُ السُّرى تحت الدُجىلا الخمرُ ما جاء به العُنقودُ
وللنّسيم في الظلام يقظةٌمسامرو الرّكْبِ بها رُقودُ
نوقٌ إذا ما سلِمتْ من الوجىأذابَها التّسْآدُ والتّسهيدُ
تبغي زَروداً حاجةً ممنوعةًومقصِداً مرامُه بعيدُ
لو خُلّيتْ نالت ولكنْ عافهاأنّ امتناعَ ركبِها قُيودُ
أو نطقت قالت كما قلت لهاآهاً لهذا البينِ ما يُريدُ
في كل يومٍ للفراق روعةٌوللرّكاب سائقٌ غِرّيدُ
دأبُ المحبّين الغرامُ والجوىودأبُها الأنساعُ والقيودُ
قد شابهَ الرّكبُ الرِّكابَ في الهوىفكلّهم بوجْدِه عميدُ
ما للغمامِ لا عدا وادي الغضَىعليه من خِلاله يجودُ
وهبّ خفّاقُ النّسيم فانثنتغصونُه مائسةً تَميدُ
واكتستِ الكُثبانُ زهْراً مثلمابصِبغها لُوِّنَتِ البُرودُ
وفاحَ نشْرُ الرّوضِ تحدوهُ الصّبافطاب من ريّاهُما الصّعيدُ
وابتسم النّوْرُ على هامِ الرُباكما وهت عن نظمها عقود
ومالتِ الأغصانُ روّاها النّدىكأنّما أوراقُها بُنودُ
فلستُ أدري أغصوناً مِسْنَ ليأم خطرَتْ بلينِها القُدودُ
هيهاتَ يُخفي ما به مُتيّمٌدموعُه بوجْدِه شهود
مجتمعُ الأضدادِ من جُفونِهبحرٌ ومن أحشائِه وَقودُ
عاد الهوى فليتَ أيامَ الصِّبامثلُ الهوى كما مضت تعودُ
والشّعراتُ البيضُ شُبْنَ مفرِقيفليتَها عادت وهنّ سودُ
رُدّوا الصِّبا كردّ طرْفِ لحظةٍإنّ الصِّبا زمانُه حميدُ
وخلّصوني من تكاليفِ الهوىإنّ الهوى عذابُه شديدُ
أو لا فنادوا ثم بيعوا مُهجتيبنظرةٍ فيمن عسى يَزيدُ
أو فاجمَعوا شيبي وذُلّي في الهوىوطول تعذيبي بمن أُريدُ
ما فعلت بالأنفُس البيض الظُّباما فعلت بنا الظِّباءُ الغيدُ
سنَحْنَ بالوادي فماذا فعلتبالأنفُس الأجيادُ والخدودُ

وله من قصيدة:

أسيرُ هوى المحبّةِ ليس يُفْدىومقتولُ التّجنّي لا يُقادُ
ومن قد أمرضته وأتلفته العيونُ فلا يُفادُ ولا يُعادُ
فقدْتُ الصّبرَ حين وجدْت وجْديوجاد الدّمعُ إذ بخلَتْ سُعادُ
وكنت أخافُ بُعدي يوم قُربيفكيف أكون إن قرُب البِعادُ
ديارَهُمُ كساكِ الزّهرُ ثوباًوجادَ على معاهدِك العِهادُ
ألا هل لي إلى نجدٍ سبيلٌوأيامي برامةَ هل تُعادُ
أقول وقد تطاول عمرُ ليليأما للّيلِ ويحَكُمُ نفادُ
كأنّ الليلَ دهرٌ ليس يُقضىوضوءُ الصُبح موعدُه المَعاد
أعيدوا لي الرّقادَ عسى خيالٌيزورُ الصبّ إن عادَ الرُقادُ
وبيعوني بوصلٍ من حبييوفي سوق الهوانِ عليّ نادوا
فلو أنّ الذي بي من غرامٍيُلاقي الصّخرَ لانفطرَ الجمادُ
وثِقتُ الى التصبّر ثمّ بانوافخان الصّبرُ وانعكس المرادُ
وكان القلبُ يسكنُ في فؤاديفضاع القلبُ واختُلِس الفؤادُ
وقالوا قد ضللْت بحبّ سُعدىألا هذا الضّلالُ هو الرّشادُ
وهل يسلو وِدادَهمُ محبٌّله في كل جارحةٍ وِدادُ
وآنفُ من صلاحي في بعاديويُعجبني مع القربِ الفسادُ
وبين الرملِ والأثلاتِ ظبيٌيصيدُ العاشقين ولا يُصادُ
أحمُّ المُقلتيْن غَضيضُ جَفنٍتكِلّ لطرفِه البيضُ الحِدادُ
أقولُ وقد تحجّبَ عن لِحاظيحبيٌ بالجَفا عنه أُذادُ
أراك بمقلتي وبعين قلبيلأنّك من جميعهما السّوادُ
لمن وأنا المَلومُ ألومُ فيماعلى نفسي جنيتُ أنا المُفادُ
سعى طرْفي بلا سببٍ لقتليكما لدمِ الحسينِ سعى زِيادُ

وله:

سترَ الغرامُ فهتّكته الأدمُعُوالدمعُ يُعلنُ ما تُجنّ الأضلع
وأعار في الأغصان كلّ حمامةٍنوحاً فرقّ له الحمامُ السُجّعُ
واستنّ برقٌ بالحِجاز فشاقهذاك الوميضُ وأقلقته الأربُعُ
وكذا المشوقُ إذا تذكّر منزلاًهاجت بلابلَهُ البُروقُ اللُّمَّعُ
يا قلبُ هل لك في السّلوِّ طَماعةٌأم ما مضى لك من زمان يرجِعُ
أم هل لمن أسرَ التّجني مُنقذٌإنْ أنّ في قيدِ الصّبابةِ موجَعُ
كيف السّبيلُ الى الحجاز ولعلَعٍمن بعدِها بعُدَ الحجازُ ولعْلَعُ
أوطارُ شوقٍ في الفؤادِ مقيمةٌوغليلُ حُبٍّ في الحشا لا ينقَعُ
من للمحبّ ترحّلت أحبابُهبلِوى العقيق عن العقيق وودّعوا
خذلَتْه أنصارُ التّصبّر في الهوىيومَ الفراقِ وساعدته الأدمعُ
قِفْ وقفةً عنّي ببُرقةِ عاقلٍوسلِ الطّلولَ وهل يُجيك بلقَعُ
واستخبرِ الرّسمَ القديمَ وقل لهأين الكثيبُ وأين ذاك الأجرعُ
بل أين سكّان الحِمى فلئِنْ سرَواعن مُقلتي فلهم بقلبي مربَعُ
أضحت هوادجُهم لدُرِّ رُبوعهمصدَفاً وهنّ على الحدائجِ تُرفَعُ

وله:

هل بعد إقرارِ الدموعِ جُحودُغلبَ الكرى وتمكّن التّسهيدُ
يا للرّجالِ لنازح متغرّبكثُر الغرامُ عليه وهو وحيدُ
أنا بين حالَيْ مُقتِرٍ ومبذّرٍمُضْنى الفؤاد متيّمٌ معمودُ
صبرٌ ودمعٌ ليس لي بهما يدٌفالصّبرُ يبخلُ والدموعُ تجودُ
أمذكّري تلك العهودَ برامةٍأنَسيتَ ما أهدت إليّ زَرودُ
لا تثْنِ طرفَك عن ثنيّات اللّوىفلنا على تلك العهودِ عهودُ
ولقد وقفنا للوداع وضمّنايومٌ بمنعرجِ اللّوى مشهودُ
جمعاً يفرّقنا الفراقُ ولم يزلْشمْلُ الوداعِ يُبيدُه التّبديدُ
بلّغْ هُديتَ تحيّةً من عاشقٍبالنّفسِ دون لِوى العقيقِ تجودُ
وأقرّ السّلامَ على الكثيبِ وقُلْ لههل ماءُ رامةَ بعدَنا مورودُ
يا عاذلَ العُشّاق إنْ هجروا وإنْوصلوا فكلٌ بالجوى مجهودُ
دعهُمْ وما طُبِعوا عليه فإنّهممنهم شقيٌ في الهوى وسعيدُ

وله:

عتابٌ منك مقبولُعلى العينين محمولُ
ترفّقْ أيه الجانيفعقلي فيك معقولُ
ويكفيني من الهِجرانِ تعريضٌ وتهويلُ
ألا يا عاذلَ المشتاقِ إنّي عنك مشغولُ
وفي العشّاقِ معذورٌوفي العشّاق معذولُ
أسُلْوانٌ ولي قلبٌله في الحبّ تأويلُ
بمَنْ في خدِّه وردٌوفي عينيه تكحيلُ
وجيشُ الوجدِ منصورٌوجيشُ الصّبرِ مخذولُ

وله:

جفْنُ عيني شفّه الأرَقُوفؤادي حشوهُ الحُرَقُ
من لمشتاقٍ حليفٍ ضنىًدمعهُ في الرّكبِ منطلقُ
أنا في ضِدّين نارِ هوىًودموعٍ سُحْبُها دُفَقُ
بي حريقٌ في الفؤاد وليمُقلةٌ إنسانُها غرِقُ
وحبيب غابَ عن نظريفدموعي فيه تستبقُ
غاب عن عيني فأرّقنيفجفوني ليس تنطبقُ
قلت إذ لمَ العواذلُ واصطلحوا في اللّوْم واتّفقوا
وفؤادي فيه ذو قلقٍماعلى العُذّال لو رفَقوا
مذ نأت عنّي منازلُهليس لي خلقٌ به أثِقُ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.