من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
أبو القاسم هبة الله بن الفضل الشاعر
رأيته شيخاً مسناً، مطبوعاً، حاضرَ النّادرة.
توفي ببغداد في شهور ثمان وخمسين وخمس مئة.
وله شعر كثير، لم يدوّن، والغالب عليه الهجاء والمجون، وما خلا من ذلك لا يكون له طُلاوة. هجا الأكابر، ولم يغادر أحداً من أهل زمانه.
سمعته يُنشد بيتاً له في نفي الخَيال الكرى، وهو:
ما زارني طيفُها إلا مُوافقةًعلى الكرى ثم ينْفيه وينصرفُ
ورأيته كثيراً يُنشد الوزير ابن هبيرة، ويمدحه، ويجتديه. وقال يوماً: إرحَمْ يتيماً في سنّي. وكان يتبرّم به الوزير، حتى حدّثني صديقي مجد الدولة أبو غالب بن الحصين قال: أنشد الوزير:
شعريَ قد بطّ جُيوبَ الورىفلو أردتَ المنعَ لم تقدِرِ
وأزهرُ السّمانُ لا ينثنيما دام حياً عن أبي جعفر
وحكاية الأزهر السمّان مع المنصور، مشهورة، وهي:
أنّ هذا أزهر السمان رجل من أهل الكوفة، كان يصحب أبا جعفر، ﵁، في زمان بؤسه، قبل الخلافة. فلما فوّضت الخلافة الى المنصور، جاءه أزهر مهنّئاً بذلك، فحجبه. فترصّد له في مجلس حفْل، فسلمَ عليه، فقال له المنصور: ما جاء بك؟ قال: جئت مهنئاً بالأمر، فقال المنصور: أعطوه ألف دينار، وقولوا له: قد قضيت وظيفة الهناء، فلا تعُدْ إليّ. فمضى. وعاد في القابل، فحجبه، فسلّم عليه في مثل ذلك المجلس، فقال: ما الذي جاء بك؟ قال: سمعت أنّك مريض، فجئت عائداً، فقال: أعطوه ألف دينار وقولوا له: قد قضيت وظيفة العيادة، فلا تعُدْ إليّ، فإني قليل الأمراض. فمضى. وعاد في القابل، فقال له في مثل ذلك المجلس: ما الذي جاء بك؟ قال: كنت سمعت منك دعاءً مستجاباً، فجئت أتعلّمه منك. فقال: يا هذا، إنه غير مستجاب، إني في كل سنة أدعو الله تعالى به أن لا تأتيني، وأنت تأتي! وله القطعة التي يغنّى بها في بغداد، في غاية الحسن والرّونق، الصافي عن القذى والرّنَق:
يا من هجرَتْ ولا تُباليهل ترجعُ دولة الوصال
ما أطمعُ يا عذاب قلبيأن ينعَم في هواكِ بالي
الطّرفُ كما عهدتِ باكٍوالجسمُ كما تريْن بالِ
ما ضرّكِ أن تعلّلينيفي الموصل بموعدٍ مُحالِ
أهواكِ وأنت حظُّ غيرييا قاتلتي فما احتيالي
أيامُ عنايَ فيك سودٌما أشبههنّ باللّيالي
والعُذّلُ فيك قد نهوْنيعن حبّك ما لهم ومالي
يا مُلزمي السلوّ عنهاالصّبّ أنا وأنت سالِ
والقولُ بتركها صوابٌما أحسنَه لو استوى لي
في طاعتها بلا اختياريقد صحّ بعشقها اختلالي
طلّقتُ تجلّدي ثلاثاًوالصبوةُ بعدُ في حبالي
ذا الحكمُ عليّ من قضاهُمن أرخصني لكلِّ غالِ
وقوله في ابن شماليق كَثير:
ابنُ شماليقَ ليس فيهنفعُ صغيرٍ ولا كبيرِ
فكيف أثني عليه يوماًبمنطِقِ الحامدِ الشّكور
واللهُ قد قال فيه قبلييهجوه لا خيرَ في كَثير
وله في قصيدة يهجو فيها جماعة، منهم بعض الهاشميين، يطعن على نسبه:
يكنى أبا العباس وهْو بصورةحكمت عليه وأُسجلت بمُغمِّرِ
في كفِّ والدِه وفي أقدامِهآثارُ نيلٍ لا يزالُ وعُصفرِ
وإذا رأى البركيلَ يخفقُ خيفةًذي الهاشميّة أصلُها من خيبرِ
نسَبٌ الى العبّاس ليس نظيرُهفي الضّعف غير الباقِلاء الأخضرِ
يُنادى، في بغداد، على الباقِلاء الأخضر، بالعبّاسي.
وله:
رنا عن الفاترِ الكحيلوالحتفُ في سُمّه القَتولِ
كم سلّ من مقلتيْه سيفاًتقبيلُه مُنيةُ القتيل
أحورُ حرُّ القلوبِ فيهمولِّدٌ حيرةَ العقولِ
لم يسْلُ فيه فؤادُ صبٍّهام على خدّه الأسيلِ
وا ويلتي قولُ مستغيثٍمن ظالم واهبٍ بخيلِ
من سُقم جفنيه سُقم جسميومن ضنى خصرِه نُحولي
وأنشدتُ له في أنوشروان الوزير، في ذمّ التّواضع:
هذا تواضُعك المشهورُ عن ضعَةٍفصرتَ من أجله بالكبر تُتّهَمُ
قعدْت عن أمل الرّاجي وقمت لهفذا وُثوبٌ على الطُّلاب لا لهُم
وأنشدت له في أبي بكر وعمر ابني السّامري البيّع:
أبو بكر أخو عُمر سبانيبسهمَي مُقلتيه وحاجبيْهِ
إذا مشَيا معي أبصرتُ أفقاًأحاطَ به السّنا من جانبيْهِ
يموت الحاسدون إذا رأونافنخرُج بالنّبيّ وصاحبَيْه
إشارةً الى قول المشيعين للجنائز: النبي وصاحبيه.
ومما أنشد الوزير ابن هبيرة، في آخر عمره، قطعة جيميّة، استحسنتُها، فكتبتها:
أهلاً وسهلاً بمولانا فأوبتُهلكلّ شاك بها من ضُرّه فرَجُ
لا أعدَم اللهُ فيك الخلْقَ نافعَهميا من به تفخرُ الدُنيا وتبتهجُ
ودام جُودُك عون الدّين يغمرُنايا مَنْ تعيشُ بما تسخو به المهجُ
إصنَع لهمٍّ أخي همٍ تقلقلهفصدرُه ضيق من رُعبِه حرِج
ومنها:
مولاي قد قصُرت بها نهضتي كبَراًفما عليّ بشكوى فاقةً حرَجُ
يا خيرَ من لاحظَ المضطرّ نائلُهوخيرَ ذي كرم في بابه ألِجُ
أنت المؤمّلُ للغمّاء تكشِفُهاإذا تخطّفتِ المستصرِخ اللُّجَجُ
يا محسناً طرَدت آلاؤه كرماًما في فؤادي من اللأواء يعتلجُ
طيّبْ بقيّة عمري بالتّعهد لييا من له طيبُ ذِكر نشرُه أرِجُ
يا من له حجّة بالعزّ قائمةإرحَمْ لك الخيرُ شيخاً ما له حُججُ
فإنّ من جاوزَ العُمريْن قد خرِبتْبالعجزِ منه أعالي القصرِ والأزَجُ
ففيمَ تخدَعُني الدُنيا بزينتهاوالحَينُ قد حان والأحبابُ قد درَجوا
والرّزقُ ما دمتُ حياً أبتغيه كمايرومُه يافعٌ في حرصه لهِجُ
ومنها:
آن الأوانُ وأعمالي التي سلَفتعِقدٌ يجاورُ فيه دُرّهُ السّبَجُ
وذو الجلال إذا ما شاءَ محّصهابرحمةٍ منه بالغفران تمتزجُ
إنّ الذّنوب ذُنوبَ العفوِ يغسِلُهافطيمئنّ بها في الحشرِ منزعجُ
وأنت واللهِ في علمٍ وفي عملٍمن يستقيمُ به في العالم العِوَجُ
أولى بمجدِك أن تحنو على يفَنٍمديحُه بالذي أوليتَ مبتهجُ
فالعدلُ عندك والإحسان سوقُهماقامت على قدَمٍ ما شانَها عرَجُ
وما أحاولُ من نَعمءَ تُسبغُهافثوبُها لي بما أرضاه ينتسجُ
جنابُك الرّحبُ يا أندى الكرام يداًفيه بصنعك عنّي الضّيقُ ينفرجُ
ومنك آمُلُ بعد الله عارفةًبها يزيّل عنا الشدةَ الفرَجُ
فانظُرْ إليّ بإحسانٍ تحوزُ بهحسنَ الثّواب الذي تعلو به الدّرجُ
فليس إلاك مُجدٍ نستجيرُ بهمن الخطوبِ التي تنكيلُها سمِجُ
فالناس بالناس في الأزمان بعضُهُمللبعض في ظُلَمٍ تغشاهُمُ سُرُج
وله من قصيدة يشكو فيها قسمة الحظّ، من جملتها:
يُعطي البُغا لابنِ السّمينِ ويحرِمُ الفافا وقَيْلَقْ
ابن السّمين: رجل شيخ، محدّث. والفافا وقيلق: كانا مملوكين لابن الأنباري، موصوفين بالحسن.
وله في أمين الدولة، المعروف بابن التّلميذ:
ليس يُعطي مَن يؤملُهغيرَ طلْقِ الوجهِ والقُبلِ
ولُفيظاتٍ ينمّقُهاخُدعةَ الجمّالِ للجمَلِ
وقياماً ما يُخلّ بهذا يكدّي آخرَ العملِ
وسمعت أن ابن التّلميذ نفّذ إليه ثوباً أسود في جوابه، وكتب معه:
أحبّك في السّوداء تسحب ذيلَهاخطيباً ولكن لا بذكرِ مثالبي
ونقلت من خطّ ابن الفضل الشاعر قطعة، كتبها الى البُرهان عليّ الغزْنَويّ الواعظ، وكان يذكره ويتعرّض به:
الى متى تجْني وتستعدييا سيئَ التّدبيرِ والعهدِ
فحاسبِ النّفسَ على ما كلّ ماتأتيه من جورٍ على عمْد
ولا تُغاثثْ بعتابي علىإغضاءِ وافٍ صالح الوُدِّ
واترُكْ برأيي دسْتَنا قائماًواجعلْهُ بالشّطرنْجِ لا النّردِ
ففصُّك المعلولُ في اللّعن لييحرّم القمرَ بلا بُدّ
وسالفُ الصُحبة لا تنسهُولا تثوّرْ بالأذى حِقدي
ولا تجدّدْ بعتابي من الإوان ما سكّنتَ من وجْدي
دعني أُصادي النّفسَ عن غيظِهامنك بشكرِ البِرِّ والرِّفدِ
إنّ الأذى والمنّ قد صيّرا اللِباس منه خلَق البُردِ
وعاد واللهِ عُقوقاً بهتأكُلُ يا سيّدنا كِبْدي
وا عجباً من فطِنٍ كيّسٍإيمانُه يأوي الى زُهدِ
أبعْدَ عشرين خلت وانقضتبين العراقَين الى نجْدِ
ما غيّرتْ بغدادُ في هذه المدّةِ سوءَ الخُلُقِ الجعْدِ
والشّوكُ والثّلجُ على حالةٍيشوبُ حرّ الوخْزِ بالبردِ
كان أبداً يحدّث الغزْنويّ عن طريق غَزْنة، والبرد فيها والشوك، فيقول له: ما فارقتَ بعدُ تلك الطريقة.
وأنت تنهى الناس عن غيبةٍفي مثلِها تأمُرُ بالرّدِّ
إما بتخويفٍ من النارِ أوبنوعِ تشويقٍ الى الخُلدِ
وبعدَ ذا تفعلُ بي هكذازِنْهار من سالوسِك السّرْدِ
وهذه العجمةُ من عندِك اقْتبستها ما هي من عندي
أنا وأغراضي على تركي الجدالَ بين العكسِ والطّردِ
إرجِعْ الى الله ودعْني ولاترْمِ بسهمِ الطّيشِ من بُعْدِ
منْ قطعَ الوصلَ بلا موجبٍذاك الذي يصلُحُ للصّدِّ
هبْني كشيءٍ لم يكن أو كمنوسّدَه الحفّارُ في اللّحدِ
وفّقنا اللهُ وإيّاكَ يامولايَ للخيرِ وللرُّشْدِ
لا تُصلحِ الفاسدَ منّي بمايخرُجُ من خردٍ الى شدِّ
ودَرْدِسَرْ يا نور عيني مكُنلضيّقِ الأنفاسِ بالدّرْدِ
ولا تنغّصْ من دِنانٍ خلتلبختيَ الأسودِ بالدّرْدي
تُريد منّي بعدَ ويلٍ جرىسعياً الى الخدمة بالقصدِ
هيهاتَ يأجوجُك في باطلباللّحْسِ للمُحْكَمِ من سَدّي
أنت تُداجيني كذا ساخراًأنا الذي أخنَقُ بالزُبدِ
وخاطري بالقدْح في كل حرّاق سحيق واريَ الزّندِ
إبليسُ في كل بلاء به استغوى بني آدمَ من جندي
أنا الذي أمزِجُ خلّي إذاما شئتُ للمُمْرَضِ بالشُهْدِ
إيارَجي أخلِطُ أخلاطَهمُغالطاً للخصمِ بالفَنْدِ
طِبٌ عراقيٌ على صورة التحقيق لا برْخَشةُ الهندِ
عليّ مَن يُقدمُ أن يجتريبصولة المولى على العبدِ
عندي وفاءُ الكلب لكنّهمركّبٌ من قسوةِ الأسْدِ
أغاضبُ الفيلَ على أننيعند الرِّضا أرقُصُ للفردِ
ما لغزالِ السِّرْبِ حظٌ إذاما عزّه المكروهُ بالفهْدِ
وشفةُ الشّهم قبيحٌ بها اللَثْمُ لنعلِ الفرَسِ الورْدِ
يا نفْثةَ المصدور مني قِفيدونَ المناواةِ من الحدِّ
فاسلَمْ وسالمْني فهزْلي هو السُمّ إذا أعربَ عن جِدِّ
وقد أردف هذه القطعة بنثر، من جملته:
إنّ الله تعالى بذل المغفرة رشوةً وبرطيلاً لعباده من عبادته في جزاء العفو والصّفح، بقوله: (ولْيَعْفوا ولْيَصْفَحوا. ألا تحبّونَ أن يغفِرَ اللهُ لكم؟).
وإذا وزنَ سيّدنا ديناره في قسطاس الإنصاف، موازناً له بصَنْجة الاعتراف، درى بما جنى، وبرئت من المعاتبة أنا. لكنه يدغدغ نفسه ويضحَك، وأسامحُه ويمْحَكُ.
وقد توالى من نزَغات الشيطان أسبابٌ زعزعت أركان المودّة، وزلزلت أرضَ الألفة، ورنّقت مشرَبَ المحافظةِ، وجلّلت آفاق المصافاة بالكدورة، وأفسدت نظام الأخوّة حتى أجلت معانيَها، وأخلَت مغانيه، فعاد الالتفاتُ من الجانبين جميعاً الى المحافظة التفاتاً عنها، فتباعدتِ الضّمائرُ بعد تقاربها، وتناءت عقب تصاقبها، وانطبع في كل مرآة صورة الإيحاش، من غير مِراءٍ فيه ولا تحاش.
وحصلْنا على نِفاق أجازيهِ بصبري عليه غصباً ورغْما
والبصير الذي يُحابي بأن يُصبحَ عن رؤية المحاباة أعمى
فإلى كم تكونُ حربي بلعنيكلّما كنت بمالمداراة سِلْما
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع