من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأديب أبو عبد الله محمد بن نصر بن صغير القيسراني العكاوي
ولد بعكا، بلدة على ساحل بحر الروم، سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ونشأ بقيسارية فنسب إليها، ثم انتقل عنها بعد استيلاء الأفرنج على بلاد الساحل.
صاحب التطبيق والتجنيس، وناظم الدر النفيس، ملك القبول من القلوب والرغبة من النفوس، وأحب اللحاق بابن حيوس. سار شعره، وسافر إلينا ذكره، وغلا في سوق الأدب دره، ونفقت في متجر الرغائب غرائبه، واتسعت في مضمار القريض مذاهبه، وجادت بالبلاغة السحبانية سحائبه.
ذكره مجد العرب العامري وأثنى عليه وعلى ابن منير، وقال إنه أخذ من كل علم طرفا، فنظم من الأبيات الأفراد طرفا. فمن ذلك بيت أنشدنيه، ألم ببيت المعري فيه، الذي شبه كلف البدر بأثر اللطم وهو:
ألست ترى في وجهه أثر اللطم
فأخذه القيسراني وشبهه بأثر الترب، في قوله وقد أحسن في النعة والمعنى، وهو:
وأَهوى الذي يَهوِي له البدرُ ساجداًأَلست ترى في وجهه أَثر التُّرْبِ
وأنشدني الفقيه علي الخيمي الواسطي بها، سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة، قال: أنشدني القيسراني لنفسه بحلب بيتاً من قصيدة استدللت به على معرفته بالمنطق وكلام الأوائل، وقد أعجز وأعجب، وأبدع وأغرب، وهو:
إِذا كانت الأَحداق ضَرْباً من الظُّبىفلا شكّ أَنّ اللحْظَ ضربٌ من الضَّرْبِ
قوله: ضرب من الضرب، ضرب من الضرب، بل أحلى منه عند أهل الأدب، ونوع من محدثات الطرب، والقاضيات بالعجب، وما أحسن وقوع هذا التجنيس موقعه، ووضع المعنى فيه موضعه، حتى قلت في هذا البيت ما أصنعه.
وأنشدني له الفقيه ابن الخيمي قطعة مجنسة في لطافة الهواء، مالكة رق الأهواء، خلصت من كلفة التكلف، وصفا مشربها عن قذى التعسف. فالأشعار المتكلفة المصنوعة، قلما يتفق فيها الأبيات المطبوعة، إلا أن يخص الله من يشاء بالخاطر العاطر، والفكر الحاضر، والقريحة الصافية، والآداب الوافرة الوافية، وربما يندر للناظم مقطعات يرزق فيها القبول، كهذه القطعة للقيسراني التي تسلب العقول، وهي:
لا يَغُرَّنَّكَ بالسّيف المَضاءُفالظُّبا ما نظرت منه الظِّباءُ
حَدَقٌ صِحّتها عِلّتهاربّما كان من الدّاءِ الدّواءُ
مُرْهَفاتُ الحَدّ أَمهاها المهاوقضاها للمحبّين القضاءُ
خَلِّ ما بينَ دُماها ودَميفعلى تلك الدُّمى تجري الدِّماءُ
بَزَّني مَن في يدي ما في يَدييا لَقَوْمي أَسرتني الأُسَراءُ
في لِقاء البيض والسُّمْر مُنىًدُونها للبيض والسُّمر لِقاءُ
دلوِ أَنفاسي بأَنفاسِ الصَّبافلتعليل الهوى اعتلَّ الهواءُ
كيف تُشْفى كبدٌ ما برِحَتْأَبداً تأْوي إِليها البُرَحاءُ
يا نديميَّ وكأْسي وَجْنَةٌضرَّجتها باللِّحاظ الرُّقباء
لا تَظُنّ الوردَ ما يَسْقي الحَياإِنما الوَردُ الذي يسقي الحياءُ
وأنشدني له أخرى مطبوعة مصنوعة:
أَترى فَوَّق سهماً من حُسامِيا لَهُ مِنْ ضاربٍ باللحظ رامِ
لحظات بِتُّ منها طافحاًأَيُّ سُكرٍ دام من أَيِّ مُدامِ
وبأَكناف المُصَلّى جِيرَةٌلا يُجيرون مُحِبّاً من غَرامِ
شَغَلوا كلَّ فُؤادٍ بهوىوأَمالوا كلَّ سَمْعٍ عن مَلامِ
وأَباتوا كلَّ قَلْبٍ شاردٍمِنْ هَواهم في عِقال وزِمامِ
ما عليهم لو أَباحوا في الهوىما عليهم من صِفات المُستَهامِ
مِنْ خصورٍ وَشَّحوها بالضَّناوعُيونٍ كحلوها بالسِّقامِ
وحكى الفقيه عبد الوهاب الدمشقي ببغداد سنة خمسين وخمسمائة قال: دخل القيسراني سنة أربعين وخمسمائة بلد أنطاكية لحاجة عرضت له فنظم مقطعات، يشبب فيها بأفرنجيات. فمنها قوله في أفرنجية يصفها بزرقة العين:
لقد فَتَنَتْني فرنجيّةنسيمُ العبير بها يَعْبَقُ
ففي ثوبها غُصُن ناعمٌوفي تاجها قمرٌ مُشْرِقُ
وإِن تك في عينها زُرْقةفإِنّ سِنان القنا أَزرق
ومنها يصف أنطاكية:
واحَرَبا في الثُّغور من بلدٍيضحك حُسْناً كأَنه ثَغَرُ
ترى قصوراً كأَنها بِيَعٌناطقة في خِلالها الصُّورُ
هالات طاقاتِهن آهلةٌيَبْسِم في كلّ هالةٍ قمرُ
سَوافرٌ كلّما شَعَرْنَ بنابَرْقَعهنّ الحَياءُ والخَفَرُ
مِن كلّ وجهٍ كأَنّ صورتَهبدرٌ، ولكنّ ليلَه شَعَرُ
فهو إِذا ما السُلُوّ حاربَهُكان لتلك الضفائِر الظَفَرُ
فيا عَذولي فيهن، دعْ كَلَفيوانظر إِلى الشمس هل لها طُررُ
وكُنْ مُعيني على ذوي خُدَعٍإِن سالم القلبُ حارب النظرُ
سِرْتُ وخَلَّفْتُ في ديارهُمُقلباً تمنّيت أَنَّهُ بصرُ
ولم أَزل أَغْبَطُ المُقيمَ بهاللقرب، حتى غَبِطَت مَن أُسِروا
ومن ذلك في كنيسة السيدة، وهي قبة شاهقة للنصارى بأنطاكية:
متى عُجتَ يا صاح بالسَّيِّدَهُفَسَلْ عن فؤاديَ في الأَفئِدهْ
وقلبك حذّره عن أَن يصادفإِنّ بها للهوى مَصْيَدَهْ
وجوهٌ تُباهي قناديلَهاببهجةِ نيرانها الموقدَهْ
ترى كلَّ مُستضعَفٍ خصرُهإِذا ما دعا طرفَه أَنجَدَهْ
وذات روادِف عند القيام تحسَبها أَنها مُقْعَدَه
وبدر، من الشَّعْر في غاسقيضاحك أَبيضهُ أَسودهْ
قيا ليَ من ذلك الزَّبْرِقان إِذا زَرْفَنَ الليلَ أَو جعَّدَهْ
محلّ خَيالٍ إِذا ما رأَيت أَمردَه، قلت: ما أَمردَهْ
به كل نَشوانةٍ لحظُهايطرق بين يَديْ عربَدَهْ
صوارمُ قاطعةٌ في الجفون فهي مُجرّدةٌ مُغمدَهْ
فها أَنا مَن في سبيل الغرام أَورده الحبُّ ما أَوردَهْ
فهل لِدَمٍ فات من طالبٍوهيهات أَعجز يومٌ غَدَهْ
وكيف يُجازى بقتل النفوس من لم يمدّ إِليها يَدَهْ
ومن ذلك في جارية حسناء اسمها ماريا تغني بالدف، خفيفة الروح في نهاية اللطف، ومن أصواتها التي تغايظ بها النصارى وتستميل بها قلوب المسلمين:
علِقتُ بحبلٍ من حبال مُحمَّدٍأَمِنتُ به من طارق الحَدَثانِ
فقال فيها بعد البعد عنها:
أَلا يا غزال الثَّغرِ هل أَنت منشديعلقتُ بحبلٍ من حِبال مُحمّدِ
ويا هَلْ لِذاك اليوم في الدّهر ليلةٌتعودُ ولو عادت عقيماً بلا غدِ
فأَلقاك فيها هادي الكأْس حادياًوحسبك من ساع بها ومُغَرِّدِ
أَلا حَبّذا عاري المحاسن عاطلٌمُحَلّى بأَثواب الملاحة مرتدِ
إِذا ما الأَماني ماطلتني بوَعْدهاذكرتُ له وصلاً على غير موعدِ
وعهدي بماريّا سقى الله عهدهابما عندها من حاجة الهائِم الصَّدي
وفي ذلك الزُنّار تمثالُ فضّةٍتُنَقِّطُ خدَّيْه العيونُ بعَسْجَدِ
وقد غلب المصباحُ فيه على الدُّجىسنا قميرٍ في جُنح ليلٍ مجعّدِ
وكنت إِذا عِفْتُ الزجاجةَ مَوْرداًسقتْني رُضاباً في إِناءٍ مورَّدِ
فيا ليَ من وجهٍ كقنديل هيكلٍعليه من الصُّدغين مِحْرابُ مَسجِد
لقد أَسرتني حيث لا أَبتغي الفدافقلْ في أَسيرٍ لا يُسَرّ بمفتدي
وقد قصد بقصائده، ووفد بفوائده، واسترفد بفرائده، ووصل إلى الموصل، لجتداء الجواد المفضل، منبع الجود، ومقصد الوفود، والبحر المورود، ومعدن الإفضال، وقبلة الإقبال، وكعبة الآمال، وكهف الملهوفين، وموئل المعتفين، وثمال المستضعفين، الذي لم يسمع له بقرن في القرون الماضية، ولم يسمح الزمان له بمثل في العصور الخالية، ذي الآلاء المتلألئة المتوالية، مستعبد الأحرار بإحسانه الغمر، ومطوق الأعناق أطواق البر، الجامع بين كسب الحمد والأجر، الصدر الكبير، الوزير جمال الدين أبي جعفر محمد بن علي بن أبي منصور، فنظم قصائد راغباً في جميل الجمال، وأم بها فناءه في جملة بني الآمال، ولم يزل يفد إليه ببضائعه، ويستفيد من صنائعه، ويستكثر من مدحه، ويستمطر مزن منحه، فتنجح مقاصده عنده بقصائده فيه. وقد أثبت منها ما عقدت عليه خنصر الاختيار، وثنيت إليه عنان الانتقاد، فذاك أجود ما سمعت من منظومه في الأفاضل، وأذعت من مكتومه في الفضائل. فمن جملته ما أنشدنيه الواعظ الرحبي في مدحته له، وذكر أنه أنشده بالموصل:
ليت القُلوب على نظام واحدِلِيذوقَ حَرّ الوجد غيرُ الواجدِ
فإِلامَ يَهْوى القلْبُ غيرَ مُساعِفٍبِهَوىً، ويَلْقى الصبُّ غيرَ مساعِدِ
نِمْتُمْ عن الشّكوى وأَرَّقني الجَوىيا بُعدَ غايةِ ساهرٍ من هاجدِ
أَضللتُ قلباً ظلّ يَنْشُد لُبّهُمَنْ لي بِوجدان الفقيد الفاقدِ
ونهت مدامعي الوشاةُ فرابَهُمشاكٍ صبابَتَه بطرفٍ جامدِ
ولو أنهم سمعوا أَلِيَّةَ عَبرتيفي الحبّ لاتَّهَمُوا يمين الشاهدِ
أَشكو إِليك فهل عليك غضاضةيا مُمْرِضي صَدّاً لو أنك عائدي
يا مَنْ إِذا نمتُ أَوقع بي الكرىغَضَباً لِطَيْفِ خياله المتعاهِدِ
أَمّا الرُّقاد فلو يكون بصحةٍما كان ناظرك السقيم براقدِ
أَهوى الغصون وإِنما أَضنى الصَّباشوقُ النسيم إِلى القضيب المائِد
ويَهيجني برق الثغور وإِن سمافي ناظريّ خلال غيث ساهدِ
بَكَرتْ على بالي الشّبابِ تلومُهُعَدّي الملامةَ عن حَنين الفاقدِ
ما زال صَرْفُ الدَّهْرِ يَقْصِر هِمَّتيحتّى صرفتُ إِلى الكرام مَقاصدي
وإِذا الوفود إِلى الملوك تبادرتْفعلى جمال الدين وفدُ محامدي
فَلْتَعْلَمَنْ ظُلَمُ الحوادث أَننييمَّمتُ أَزهرَ كالشِّهاب الواقدِ
يُمْضي العزائمَ وهي غيرُ قواطعٍما السّيف إِلاّ قوةٌ في الساعدِ
باقٍ على حكِّ الزّمان ونقدهِومن الصحيح على امتحان الناقدِ
يلقاكَ في شرف العُلى مُتواضعاًحتى تَرى المقصودَ مثلَ القاصد
وإِذا دنت يمناه من مُسْترفِدٍلم تَدْرِ أَيُّهما يمينُ الرّافدِ
أُمْنِيَّةٌ للمُعتَفي، وَمَنِيَّةٌللمعتَدي، وشريعةٌ للواردِ
وَلِعٌ بأَسهُم فكره، فإِذا رمىأَصْمى بها غرض المدى المتباعدِ
يتصرف المتَصرّفون بأَمرِهعن حُكْم أَمرٍ نافذٍ لا نافدِ
لا تحسَبوا أَني انفردتُ بحَمْدِههيهاتَ، كم لمحمَّدٍ مِنْ حامدِ
يا مُسْتَرِقَ الماجدين بفضلِهوالفخرُ كلُّ الفخر رِقّ الماجدِ
أَقلامُكَ القدَرُ المُتاحُ فما جرىإِلاّ جرت بفواقرٍ وفوائدِ
مِنْ كلّ أَرقَشَ مستهِلٍّ، ريقُهأَفواه بيضٍ أَو ثغور أَساودِ
تُزْجي كتائبُه الكتائبَ تلتظيلَهَباً أَمام مُسالِم لمُعانِدِ
كم مِنْ وَلِيٍّ قَلَّدَتْهُ ولايةًعقد اللِّواءَ لها ثناءُ العاقدِ
حتّى إِذا سَلَك العَدُوُّ سبيلَهافعلى طريق مَكامِنٍ ومكائدِ
تستام أَمثالَ الكلامِ شوارداًفتبيتُ عندك في حِباله صائدِ
تلك البلاغة ما تُمُلِّك عفوُهابِيديْك إِلاّ بَذّ جهدَ الجاهدِ
ولقد لَحَظْتَ الملكَ مَنْهوب الحِمىمِنْ جانبيْه فكنتَ أَوّلَ ذائدِ
ربَّيتَ بَيْت المالِ تربيةَ امرئٍيحنو عليه بها حُنُوَّ الوالدِ
أَشعرتَ نفسَك مِنْهُ يأْسَ نَزاهةٍومنحت هَمَّك منه بأْس مُجاهدِ
فَممالِكُ السّلْطان ساكنةُ الحَشامِنْ بعدِ ما كانتْ فريسةَ طاردِ
عطفتْ على يدك المساعي رَغْبةًنظرت إلى الدّنيا بعين الزاهدِ
وثنتْ أَعِنَّتها إِليك مناقِبٌيا طالما كانت نشيدةَ ناشِدِ
مَجْدٌ على عرشِ السِّماكِ وهمَّةٌترقى السُّها بجَناح جَدٍّ صاعدِ
وعُلىً يجوز بها المدى حَسَدُ العِدىإِن العُلى مَنصورةٌ بالحاسدِ
يا حبّذا همٌّ إِليك أَصارنيوعزيمة تقفو رياضةَ قائدِ
أَنا روضة تُزْهى بكل غريبةٍأَفرائدي من لم يفرز بفرائدي؟
إِن ساقني طلب الغنى، أَو شاقنيحُبُّ العُلى، فلقدْ ورَدْتُ مواردي
ومتى عَددتُ إِلى نَدك وسائليأَعْدَدْتُ قصدي من أَجلّ مقاصدي
حتى أَعودَ من امتداحك حالياًوكأَنني قُلِّدتُ بعض قلائدي
ما كانت الآمال تكذِبُ موعديأَبداً، وحُسْنُ الظنّ عندك رائدي
ومن جمالياته الفائقة، الرائعة الرائقة:
لِمَنِ القَوام السَّمْهَرِيُّ، سِنانُهما أَرهفتْ من لحظِها أَجفانُهُ
إِن كان نازَعَك الهوى إنكارُهُفَمِنَ الذي بعث الهوى عِرفانُهُ
ظَبْيٌ، صوارمُ مُقلتيْه أَسِنّةٌفبناظريْه ضرابُه وطِعانُهُ
لَهِجٌ بكأس جُفونه، وقَوامُهأَبداً نزيفُ رحيقها سكْرانُهُ
كَفَلَتْ سُلافةُ خدّه من صُدغِهأَنْ لا يُفارق وَرْدَهات ريْحانُهُ
وبنفسيَ الرَّشأُ المُتَرْجِمُ طَرْفُهُعن بابل هاروتُها إِنسانُهُ
لا وَصْلَ إِلاّ ما تَجود به النوىمن طيفِه، فوِصاله هِجْرانُهُ
حكَّمْتُه فقضى عليّ قضاؤهوهَوى الأَحبّةِ جائرٌ سُلطانُهُ
أَدمى جُفونَ الصَّبِّ صَبُّ دموعهِسَعةً، وضاق بسرّه كتمانُهُ
ضمِن الفريق فراق أَغصان اللِّوىأَفبَيْنُهُ ضمن الجوى أَمْ بانُهُ
يا فضلُ، ما للفضل هيض جناحهُفَبَدَتْ زَمانته وضاع زمانُهُ
قَعَد السّماحُ به، وكم من ناهضٍضاقت لُبانتُه فضاق لَبانُهُ
ومخلَّفٍ، ما كان يبلغُ شَأْوَهُلو لم يكن بيد القضاءِ عِنانُهُ
ومروَّعٍ سكنتْ خوافقُ أَمنِهِلولا جمالُ الدين عزَّ أَمانُهُ
مَنْ نال قاصيةَ المطالب جودُهُوالغيث ما ملأَ الرُّبى هَطَلانُهُ
واستوعبت غُرَرَ الكلام فُنونُهواستوسقت ثمرَ العلى أَفنانُهُ
أَذكى الأَنامِ إِشارةً وعبارةًما المرءُ إِلاّ قلبُهُ ولسانُهُ
ففروعُه تُنْبيك عن أَعراقهوكفاك مِنْ خَبَر النسيبِ عِيانه
وإِذا أَردتَ مَحَلَّه من مجدهفترقّ حيث سماؤه إِيوانُه
شرفٌ، تفيّأَتِ الملوك ظلالَهوعُلىً على هِمّاته بنيانُه
ما أَغمدوا سيفَ ابن ذي يزنٍ بهإِلاّ تقاصر عندها غُمْدانه
جَدٌّ تمكَّنَ من ذُؤابة مَنْصِبٍلو نالها العَيّوق جُنّ جَنانه
فَلِبَيْتِ مال المُلك مِنْ عَزَماتهطمّاحُ طَرْفِ كفايةٍ، يقظانُهُ
يغدو عليه ثقيلةً أكمامُهويروح عنه خفيفةً أَردانه
لا تَجْزَع الأَهواءُ ثاقبَ رأْيهوالرأْيُ مملوكٌ عليه مَكانه
مُسْتَظْهِرٌ بوُلاته: فكُفاتُهُمْنوّابُه، وَثِقاتهم أَعوانه
يعْدوهُمُ تأْنيبهُ، ويَخُصُّهُمْتهذيبُه، ويَعُمُّهُمْ إِحسانهُ
وإِذا انتضوْا أَقلامهم لِمُلِمَّةٍأَبصرتَ مَنْ كُتّابُه فرسانُه
ميثاقهُ حَرَمٌ لخائف بأْسِهيُغْنيك عن أَيْمانِهِ إِيمانهُ
وَقَفَ الحسابُ عليهِ رَكْضَ إِصابةٍلا البرقُ يدركها ولا سَرْعانُه
وثنى الخطابَ إِليهِ فضلُ فصاحةٍلا قُسّها منهُ ولا سَحْبانهُ
هذا وإِن تكن اتّصالات العُلىتقضي بسعدٍ فالقَران قَرانهُ
أَمحمدُ بنَ عليّ اعتنقَ الأَسىفكري فضاق بفارسٍ مَيْدانهُ
ما بالُ حادي المجد مغبرّ المدىوأخو الهُوَيْنا روضةٌ أَعطانهُ
هَبْني جنيْتُ على نَداكَ جِنايةًتُقضى، فأَين جنونهُ وجَنانهُ
وأَنا الذي لا عَيْبَ فيه لقائلٍما لم يقُلْ هذا الزمان زمانهُ
فهلِ المحامِدُ ضامِناتٌ عنك ليمَعْنىً، على هذا البيانِ بيانهُ
وهي القوافي ما تناظرَ بالنَّدىإلاّ وقام بفضلِها برهانهُ
ما كان بيتُ فضيلةٍ في فارسٍإِلاّ ومِنْ عربيَّتي سَلْمانهُ
ومما أنشده بالرقة، قصيدة مزجت الجزالة بالرقة، يهنيه فيها بفتوح مدينة الرها، وذلك سنة وخمسمائة، وهي:
أَما آن أَن يزهَق الباطِلُوأَنْ يُنْجِز العِدَةَ الماطلُ
إِلى كم يُغِبُّ ملوكَ الضلالِ سيفٌ بأَعناقها كافِلُ
فلا تَحْفَلَنَّ بصَوْلِ الذّئابوقد زأَر الأَسدُ الباسِلُ
كذا ما انثنتْ قطّ صُمُّ الرّماحِ أَو يَتَثَنّى القنا الذابل
هو السيف إِلاّ تكنْ حامِلاًلِبِزَّتِهِ بَزَّك الحامل
وهلْ يمنعُ الدينَ إِلاّ فتىًيصولُ انتقاماً فسيتاصل
أَبا جعفر، أَشرقتْ دولةٌأَضاء لها بدرُك الكامِل
فإِما نُصِبتَ لرفعِ اسمهافإِنكما الفعلُ والفاعل
بكَ انقادَ جامِحُها المُصْعَبِيُّوأَخصب جانبُها الماحِلُ
لِيَهْنِك ما أَفرج النصر عنهوما ناله الملكُ العادل
فُتوح الفتوحاتِ، نظم القناة أَعلى أَنابيبها العامِلُ
فقلْ للحِقاق الطريقَ الطريقَفقد دلَف المُقْرَم البازِل
وجاهد في الله حقَّ الجِهاد مُحْتَسِبٌ بالعُلى قافِل
بجيشٍ إِذا َمَّ وِرْدَ الثّغوريروّى به الأَسلُ النّاهِلُ
إِذا شمَّرَ البأْس عن ساقهمضى وهو في نَقْعه رافل
فيا نعمةً شَمَلَ الشاكرينَ فضلَكَ إِفْضالُها الشاملُ
تَمَخَّضَ عزمٌ لها مُنْجِبٌفيا سَعْدَ ما وَضَعَتْ حامِلُ
غداةَ ولا رُمْحَ دونَ الطِّعانِ إِلاّ وعَقْرَبُه شائلُ
ولا نَصْلَ إِلاّ له بارِقٌدِماء الطُّلى تحته وابل
وقد قلَّدوا السيْفَ تحصينَهمولكنّه الناصِر الخاذِلُ
وهل يُمْنَعُ السُّورُ مِنَ طالعٍيشايعُهُ القدرُ النّازِل
شققتم إِليها بحارَ الحديد مُلْتَطِماً موْجُهُ الهاطِلُ
وخُضتُمْ غِمارَ الرَّدى بالرَّدىوعن نَفْسِه يدفَعُ القاتل
فإِنْ يكُ فتحُ الرُّها لُجَّةًفساحلُها القُدْسُ والساحل
فهل عَلِمَتْ عِلْمَ تلك الديار أَنّ المُقيمَ بها راحل
أَرى القَسَّ يأْمُلُ فَوْتَ الرِّماحولا بدَّ أَنْ يُضْرَبَ السابل
يُقوّي مقاعِلَه جاهِداًوهل عاقِلٌ بَعْدَها عاقِل
وكيف بِضبطِ بواقي الجِهات مَنْ فات حِسْبَتَه الحاصل
بِرأْيِك في الحرب أَمْ لفظك استفادَ إِصابَتُه النابل
وعن حَدِّ عزمِك في المُشْكِلاتِقضى فَمضى الصّارِم القاصِل
نشرتَ الفضائل بعدَ الخُمولِأَلاَ رُبّما نَبُه الخاملُ
وحُطْتَ البلاد على نأْيهاكأَنك في كُلّها نازِل
أَتَعْفو الممالكُ مِنْ حافِظٍوصدرُك من حِفْظِها آهل
وَلِمْ لا تُحيطُ بآفاقِهاوفي يَدِك الصّامِتً القاتلُ
إِذا ما عَلا الخَمْسَ في حَوْمَةٍففارسُ بُهْمَتها راجِلُ
يُفيضُ على الطِّرس سحرَ البيانكأَنَّ بَنانَتُهُ بابِل
متى تُرِكَ الحمدُ والمرْهَفاتِفأَحْمَدُها القاطِع الواصل
بسابقةِ العِلْم فُتَّ الأَنامَوهل يُدرِكُ العالمَ الجاهلُ
إِذا خطب الأَكرمون الثّناءفأَكرم أَصهارِك الفاضِلُ
أَعِزَّ الكُفاةِ وتاجَ العراقومَنْ كَفُّهُ بالنَّدى حافِلُ
تأَمَّلْ مطالِعَ هذا الكلامِوإِلاّ فكوْكبُهُ آفِلُ
أَرى القومَ تَلْقَحُ آمالُهموحاليَ مِنْ دُونه حائل
فهل لي على البُعْد من قُرْبَةٍيُديل بها فَضْلُك الدائل
فإِنّ الغَمام بعيدُ المَنالِوفي كلّ فَجٍّ له نائلُ
وأَنتَ الزَّمانُ وأَنتَ الأمانُ مِنْ كلّ ما يَفْرَقُ الذّاهِل
وأَنتَ الحُلِيُّ على المَكْرُماتفلا وُصِفَتْ أَنها عاطل
وله في مدح الملك الغازي نور الدين محمود بن زنكي، صاحب الشام سنة أربع وأربعين وخمسمائة، قصيدة استحسنتها في فنها، لسلاستها في نظمها ورويها ووزنها، فكأنها عروس أبرزت من كنها، أو ديمة وطفت من مزنها، أو روضة أنف في حسنها، وهي:
أَبْدى السُلُوَّ خديعة للاّئِمِوَحَنا الضّلوعَ على فؤادٍ هائِمِ
ورأَى الرّقيبَ يَحُلُّ ترجمةَ الهوىفاستقبلَ الواشي بثغرٍ باسم
ومضى يُناضِل دونَه كتمانهما الحبّ إِلاّ للمحب الكاتم
من فَضَّ خَتْمَ لسانِه عن سِرِّهختمت أَناملَه ثنيّةُ نادِم
ومُهَفْهَفٍ لعِبَ الصِّبا بقَوامِهلَعِبَ النُّعامى بالقضيب الناعم
حَرَمَ الوِصالَ وأُرْهِفَتْ أَجفانُهُفأَتاك ينظر صارماً مِنْ صارم
وَلَكَمْ جرى طرْفي يعاتِبُ طَرْفَهلو يسمعُ السّاجي حديث السّاجِم
إِني لأرْحَمُ ناظريْه من الضَّنالو أَنّ مرحوماً يَرِقُّ لِراحم
للهِ موقفُنا وقد ضرَب الدُّجىسِتراً علينا من جُفون النائِم
وفمي يُقَبّلُ خاتِماً في كفهقُبَلاً تغالط عن فمٍ كالخاتم
كيف السّبيلُ إِلى مَراشِفِ ثَغْرهعينُ الرّقيب قذاةُ عيْن الحائِم
نَلْحى الوُشاةَ وإِنّ بين جُفوننالَمَدامعاً تَسْعى لها بنمائِم
يا أَيُّها المُغْرى بأَخبار الهوىلا تُخْدَعَنّ عنا لخبير العالم
إِسْأَل، فَدَيْتُك، بالصبابة لِمَّتيواسأَلْ بنُورِ الدين صَدْرَ الصارِم
ومُعَطّفاتٍ ترتمي بأَجنَّةٍومُثَقَّفاتٍ تهتدي بلَهاذِم
ومُسَوَّمات لست تدري في الوغىبقوائِم يُدْرِكْن أَم بقوادمِ
كلُّ ابن سابقةٍ إِذا ابتدر المَدىفلغير غُرَّتِه يمينُ اللاطم
يرمي بفارسه أَمامَ طريدهحتى يُرى المهزومُ خَلْفَ الهازم
يُنْمى إِلى مَلِكٍ إِذا قُسِم النّدىوالبأْسُ كان المُكتنى بالقاسم
مُتَسَرْبِلٌ بالحزم ساعةَ تَلْتقيحَلَقُ البِّطان على جواد الحازم
ما بَيْنَ مُنْقَطَع الرِّقاب وسيْفهإِلاّ اتصالُ يمينه بالقائِم
سامَ الشآم ويا لَها مِن صفقةٍلولاه ما أَعْيَتْ على يد سائم
وَلَشَمَّرَتْ عنها الثّغور وأَصبحتفيها العواصم وهي غيرُ عواصم
تلك التي جَمَحَتْ على مَنْ راضهاودعوْتَ فانقادتْ بغير شكائم
وإِذا سعادتُك احتَبَتْ في دوْلةٍقام الزّمان لها مَقام الخادم
يا ابن الملوك، وحسبُ أَنصار الهدىما عندَ رأْيك من ظُبىً وعزائِم
قومٌ إِذا انتضت السيوفَ أَكفُّهمقلتَ الصواعقُ في مُتون غمائِم
من كل منصور البيان بعُجمةٍوهل الأُسود الغُلْبُ غيرُ أعاجم
أَو مُفْصِحٍ يَقْري الصّوارم في الوَغىأَسخى هناك بنفسه من حاتِم
حصِّنْ بلادك هيْبةً لا رهبةًفالدِّرعُ من عُدَدِ الشجاع الحازم
وارْمِ الأَعادي بالعَوادي إِنهاكَفلَتْ بفَلّ قديمهم والقادم
أَهلاً بما حملتْ إليك جيادُهمما في ظهور الخيلِ غيرُ غنائِم
واسأَل فوارسَ حاكموك إِلى القنافي الحرب، كيف رأَوْا لسان الحاكم
تلك العَواملُ أَيّ أَفعال العدىما سكّنتْ حركاتها بجوازم
هيهاتَ يَطْمَع في محلّك طامعٌطال البناءُ على يمين الهادم
كلّفتَ همتك العُلُوَّ فحلَّقتْفكأَنّما هي دعوةٌ في ظالم
قَطَنَتْ بأَوطان النجوم فكمْ لهامن ماردٍ قَذَفَت إِليه براجم
أَنشأْتَ في حلب غَمامة رَأْفَةٍأَمددت دِيمتَها بنَوْءٍ دائِم
أَلحقتَ أَهل الفقر فيها بالغِنىأَمْنُ المؤمَّلِ ثروةٌ للعادِمِ
وأَظنّ أنّ الناس لمّا لم يرَوْاعدلاً كعدلك أَرجفوا بالقائِم
فَتَهَنَّ أَوصاف العُلى منظومةًفالدُّرُّ أَنْفَسُه بكفّ الناظم
جاءتك في حُلَلِ النّباهة حاسِراًتختال بين فضائل ومكارم
عربية أَنسابُها لو أَنهالحقت أُميّةَ لانْتَمَتْ في دارم
وَتَمَلَّ غُرَّةَ كلِّ فِطْرٍ بعدهُمُتَسَرْبِلاً أَسنى ثواب الصائم
لا زامل وجهُك في عقود سُعودهبدرَ التَّمام مُقَلّداً بتمائم
وله قصائد في مدح آبق ملك دمشق وجده ممدوح ابن الخياط. ورأيته ببغداد بعد استيلاء نور الدين محمود بن زنكي على ولايته في الأيام الإمامية المقتفوية سقاها الله صوب الغفران، وحياها بحيا الرضوان، وذكر أنه أنشدها في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، أثبت منها هذه القصيدة لاقتصادها في الصنعة والنظم، واعتلاقها لسلاستها بالفهم، وهي:
أَقَدَّكَ الغصنُ أَم الذابلُومُقْلتاك الهندُ أَم بابلُ
سِحْران: هذا طاعنٌ ضاربٌوتلك فيها خَبَلٌ خابل
واكبدي مِنْ فارغٍ لم يزللي من هَواه شُغُلٌ شاغل
ظبْيٌ متى خاتلته قانصاًرجعت والمُقْتَنص الخاتل
لِمَّتُه أَم أَرقمٌ هائِجٌذا سائِف طوراً وذا نابل
يشربُ كأْساً طلَعتْ في يدٍكوكبُها في قمرٍ آفل
كأَنه، والجامُ في كفهبدر الدُّجى في شَفَقٍ ناهلُ
غصنُ النَّقا يحمل شمسَ الضحىيا حبّذا المحمول والحاملُ
أَسمرُ كالأسمر من لحظهله سِنان جيدُه العامِلُ
مَلاحةٌ بالبخل مقرونةٌكلُّ مَليحٍ أَبداً باخلُ
إِذا نأَى مثَّله في الكَرىهواه فهو القاطع الواصلُ
أَشكو ضنا جسمي إِلى خصرهوكيف يشفي الناحلَ الناحلُ
يُنكِرُ ما أَلقاه من صَدِّهِوأَيُّ فعل ما له فاعل
مَنْ لي على البُعد بميعادِهوإِنْ لواني دَينِيَ الماطِلُ
وكيف لي بالوَصْل منْ طيفهوذو الهوى يُقْنِعه الباطل
أَرى دِماءَ الأُسْد عند الدُّمىأُنْظُرْ مَنِ المقتولُ والقاتل
مِنْ كلّ لاهي القلب من ذاهلٍبه فسلْ أَيُّهما الذاهلُ
يا صاحِ ما أَحلى مَذاقَ الهوىلو كان فيه عاذِلٌ عادِل
ما لِيَ لا أَلحظ عينَ المَهاإِلاّ دهاني سِرْبها الخاذل
وما لَه ينْفِر من لِمَّتيكأَنه من أَسدٍ جافِلُ
ما زال يُنْسي نأْيُه هَجْرهُحتّى لأَنسى عامَه القابل
قضيّة جائِرة ما لهاغيرُ مُجير الدين مستاصِل
وكيف أَخشى من لطيف الحشاظُلْماً وتاج الدولة الدائل
كثَّرَ حُسّاديَ حتى لقَدْتنبّه الهاجد والغافل
وكاد يُعْطي في نَداه الصِّبالو أَنّ شيْباً بالنّدى ناصل
القائدُ الخيلَ، مغافيرُهايزأَرُ فيها الأَسد الباسلُ
مُشَمِّرٌ للبأس عن ساقهوالجيش في عِثْيره رافلُ
ماضٍ فما أَورد صادي القناإِلاّ تروّى الأَسَلُ النّاهل
يناهز الأَعداء مَنْ عُرْفُهُغازٍ بأَنفال العُلى قافِل
لم ينجُ مِنْ سطوته عاندٌولم يَخِبْ في ظِلِّه آمل
يُزْجي الندى حتّى إِذا ما اعتدىفالدَّمُ من سطوته هاطلُ
ما ساجَلَتْهُ المُزْن إِلاّ انثنىمُسْتحيِياً مِنْ طَلِّه، الوابلُ
لا يتناهى فَيْضُ معروفِهوأَيُّ بحرٍ ما لَهُ سحلُ
سَما به نابِهُ آبائِهحينَ أَسَفّ النسب الخامل
وامتاز بالعلم على أَهلهوهل يساوي العالمَ الجاهل
يا مُحْييَ العدل ويا مُسْرِف البذل فأَنت الجائر العادل
يا أَنصتَ الناسِ إِلى حكمةٍيقبلها مَنْ سَمْعُه قابِل
عَلا بك الفضلُ ذرى هِمَّةٍعن غُرَّة الشِّعْرى لها كاهل
لولا سنا فضلك يَجْلو الدُّجىما عُرِف المفضولُ والفاضل
ولم يغامر جودَك المعتفيولم يجانب مجدَك العادل
فمن يكن خَصَّ بمعروفهفأَنت مَنْ إِحسانُه شاملُ
بوركتَ من غيثٍ إذا ما همىروَّض منه الأَمَلُ الماحِل
إِنْ هزَّك العزمُ فيا طالماأُرهِف منك الصارمُ القاصِل
سيفٌ متى أَمّ نفوس العِدىصمَّم، والنّصر بها كافل
فكنتَ كالشّمس سمَتْ إِذ سَمتْونورُها في أُفقها ماثل
وَأَيْنَ يَنْأَى من قلوب الورىمَن حُبّه في كلِّها نازل
فابْقَ حَياً يُنْبِت رَوْضَ المنىوأَيْن مِنْ أَفعالك القائل
ودُمْ فما دُمْتَ منارَ الهُدىفللمعالي سَنَنٌ سابل
وأنشدني له بعض أصدقائي من فقهاء الشام، بيتين ألطف من نسيم الصبا، وأطرف من نعيم الصبا، في وصف مغن، وشادن شاد أغن، وهما:
والله لو أَنصف الفتيان أَنفسَهمأَعطَوْك ما ادّخروا منها وما صانوا
ما أَنت حين تُغنّي في مجالسهمإِلاّ نسيمُ الصَّبا والقومُ أَغصانُ
ما أحسن تشبيهه الشادي بالنسيم للطافته، ورقة أنفاسه، وتقتير ألحاظه، وتكسير ألفاظه، وسلاسة خلقه، ورشاقة خلقه، والسامعين بالأغصان التي يرنحها النسيم لتمايلهم وتساكرهم، واهتزازهم لشدوه، وتطربهم لغنائه.
وله في غانية رومية نصرانية:
كم بالكنائِس مِنْ مُبَتَّلَةٍمثل المَهاةِ يَزينُها الخَفَرُ
مِنْ كلِّ ساجدةٍ لصورتهالو أَنصفت سجدتْ لها الصُوَر
قدّيسَةٌ في حبل عاتقهاطولٌ، وفي زُنّارها قِصَر
غَرَسَ الحياءُ بصحن وَجْنَتِهاوَرْداً سقى أَغصانه النَّظرُ
وتكلّمت عنها الجُفون فلوْحاورتَها لأَجابك الحَوَر
وحَكَتْ مدارِعُها غدائرَهافأَراك ضعفيْ ليلةٍ قمرُ
وأنشدني له الواعظ الرحبي من قصيدة:
في طاعة الحب ما أَنفقتُ من عُمريوفي سبيل الهوي ما شابَ من شَعَري
طال الوُقوف على ضَحْضاحِ نائلكموغُلَّة الصّدر بين الوِرد والصَّدرِ
كم قد أَماتَ الهوى شوقي وأَنشرهعن يأْس منتظِرٍ أضو وعد منتظَر
بمُهْجتي وبصَحْبي كلُّ آنسةٍتبيت نافرةً منّي ومِنْ نَفَري
أَما ترى سُنَّةَ الأَقمار مُشْرقةًفي لِمَّتي، فبياض الليل للقمر
هَبْني أُخلِّصُ جسمي من مُعَذِّبهفمن يخلّص قلبي من يَدَيْ نظري
فيا نسيم الخُزامى هُبَّ لي سَحَراًلعلَّ نَشْرك مَطْوِيٌّ على خَبَر
واحذر لسان دُموعي أَنْ تَنِمَّ بهفإِنَّ سرّيَ من دمعي على خَطَر
وأنشدني له من أخرى:
لله نِسبة أَنفاسي إِلى حُرَقيإِذا النسيم إِلى رَيّا الحِمى انتسبا
أَهكذا لم يكن في الناس ذُو شجَنٍإِلاّ صَبَا كلّما هبّت عليه صَبَا
أَحبابنا عاد عيدُ الهمّ بعدَكمُتباعدتْ دارُكم في الحُبّ واقتربا
ما بالُ سَلْوةِ بالي لا تَسُرُّكُمُحتى كأَنّ لكم في راحتي تعبا
ما خانكم جَلَدي إِلاّ وَفى لكمُقلبٌ متى سُمْتُه ترك الغرام أَبى
ومن أخرى مجنسة سلسلة، مختلسة، وللعقول مفترسة:
أَما وكأْسٍ تَشِفُّ عن ثَغَرِيَبْسِمُ عُجْباً بوَرْدَتَيْ خَفَرِ
يحميهما صارمٌ مضاربهُمِنْ كَحَلٍ والفِرَنْدُ مِنْ حَوَرِ
لقد عصيتُ المَلام في رشإٍمَلَّكَه القلبَ طاعةُ البصر
تُنافِسُ الخيزُرانَ قامَتُهُليناً ولوناً في اللّمس والنظر
دِقّةُ كَشْحٍ، وبَرْدُ مُرْتَشَفٍفوا غرامي بالخَصْر والخَصَرِ
وذي سهام تُصْمي بغير يدٍعلى قِسِيٍّ ترمي بلا وَتَرِ
وكيف تُخْطى القلوبَ مُرهَفةٌتُراش بين القضاءِ والقَدَرِ
نوافذٌ تُنْهِر الفُتوقَ دماًولا تَرى للجراح مِن أَثرِ
يا مُسْهِري واصِلاً ومُجْتَنِباًوالصبُّ ما بين ليلتيْ سَهَر
إِذْ لا ترى العين فرقَ بينِهماإِلاّ بطُول السُّهادِ والقِصر
لا عَذَلٌ فيك بات لي سَمَراًيا حبَّذا العذْلُ فيك من سَمَر
ومن أخرى:
أَما لو كان لحظُك نصلَ غِمْديلَبِتُّ وثأْرُ صَرْفِ الدهر عندي
ولو كان ابتسامُك حدَّ عزميفللتُ نوائبَ الأَيّام وحدي
إِذاً لَلَقيتُ عادِيةَ اللّياليعلى ثقةٍ وجُنْدُ هواك جُنْدي
ولكن أَنت والأَيّامُ جَيْشٌعلى مُتخاذِل الأَنصار فَرْد
عَذيري مِنْ هوَى ونوَى رمى بيعِنادُهما على وَجْدٍ ووَخْدِ
وأَغْيَدَ بات مُتّشِحاً بثغرٍعلى نَحْرٍ ومُبْتَسِماً بِعقْد
أَصُدُّ عَذولَه ويصُدُّ عنيفما أَنفكُّ من غَمَراتِ صَدّ
وأَشكو ما لقيتُ إِلى سَقامٍبِعَيْنيْه فلا يُعدي ويُعدي
متى أَرجو مُسالَمة اللّياليوهذا مَوْقِفي من أَهل ودّي
ولو أَني أُلاقي ما أُلاقيبمَجْد الدين صُلْتُ بأَيِّ مَجْدِ
ووجدت في كتاب لمح الملح لأبي المعالي الكتبي هذه الأبيات منسوبة إلى القيسراني من قصيدة في التجنيس:
نافرته البيضاء في البيضاءوانفصال الشباب فصْلَ القضاءِ
حاكمَتْه إِلى مُعاتبِة الشَّيْب لِتَستمطرَ الحَيا بالحَياءِ
فاستهلّتْ لِبَيْنِها سحبُ عيْنيْهِ، ويومُ النَّوى من الأَنواءِ
يا شباباً لَبِسْتُه ضافيَ الظلُّ، وتبلى مَلابس الأَفياءِ
كان بَرْدُ الدُّجى نسيماً وتهويماً فأَذكته نفْحَةٌ من ذُكاءِ
ومنها في المدح:
مَنْ لهُ طاعةُ الصّوارِمِ في الحرب ولَيُّ الأَعناقِ تحت اللّواءِ
مِنْ مَساعٍ إِذا استغاث به الآمِلُ لَبّى نَداه قبل النِّداءِ
وكأَنَّ القَباء منكَ لما ضَمَّ مِنَ الطُّهْر مَسْجِدٌ بقُباءِ
وكنت أحب أن تحصل لي قصيدته البائية التي أوردت بيتيها في صدر ذكره إلى أن طالعت المذيل للسمعاني، عند ذكره للقيسراني، وفيه: أنشدني محمد بن نصر العكاوي بنواحي حلب لنفسه:
سقى اللهُ بالزَّوْراءِ من جانب الغَرْبمَهاً وَرَدَتْ عين الحياةِ من القلبِ
عفائفُ إِلاّ عن مُعاقَرَةِ الهوىضعائف إِلاّ في مُغالبة الصَبّ
عقائلُ تخشاها عُقيلُ بنُ عامرٍكواعبُ لا تُعْطي الذِّمام على كَعْب
إِذا جاذَبَتْهنَّ البوادي مَزِيّةًمن الحسن شَبَّهْن البراقع بالنَّقْب
تظلَّمْتُ من أَجفانهن إِلى النَّوىسفاهاً وهل يُعدي البِعاد على القُرب
ولما دنا التوْديعُ قلتُ لصاحبيحنانَيْك، سِرْ بي عن مُلاحظة السِّرب
إِذا كانت الأَحداقُ نوعاً من الظُّبىفلا شكّ أَن اللحظ ضَرْبٌ من الضَّرْبِ
هَبُوني تعشَّقْتُ الفِراق ضَلالةًفأَصبحت في شِعبٍ وقلبيَ في شِعبِ
فما لي إِذا ناديتُ يا صبرُ مُنْجِداًخُذِلتُ، وَلَبَّى إِن دعا حُرقةً لُبّي
تقضّى زماني بَيْنَ بَيْنٍ وهِجْرَةٍفحتّامَ لا يصحو فؤاديَ مِنْ حُبِّ
وأَهوى الذي يهوي له البدرُ ساجداًأَلستَ ترى في وجهه أَثر الترب
وأَعجبُ ما في خَمْر عَينيْه أَنهاتُضاعف سُكْري كلما قلّلتْ شُرْبي
إِذا لم يكن في الحُبّ عندي زيادةٌتُرجّى فما فضل الزيارة عن غَبّ
وما زال عُوّادي يقولون من بهِوأَكتُمهم، حتى سأَلتهمُ من بي
فصِرتُ إِذا ما هزّني الشوق نحوهمأَحلت عَذولي في الغرام على صَحْبي
وقرأت في تاريخ السمعاني: أنشدنا أبو عبد الله القيسراني لنفسه بدير الحافر، منزل بين حلب وبالس:
رنا وكأَنّ البابليّ المصفَقاترقرق في جفنيْه صِرْفاً مُعَتَّقا
وردّ يداً عن ذي حَباب مُرَنَّقوحيّا به مِنْ وَجنتيْه مُرَوَّقا
وبات، وشمسُ الكأْس في غسق الدجىتقابل منه البدرَ في بانة النَّقا
ولي عبرات تستهلُّ صَبابةًعليه إِذا برق الغمام تأَلّقا
أَلفت الهوى حتى حلت لي صروفهُوربّ نعيم كان جالبَه شقا
أَلذّ بما أَشكوه من أَلم الجَوىوأَفْرَق إِنْ قلبي من الوجد أَفرقا
وأَذهل حتى أَحسب الصَدَّ والنوىبمُعْتَرَك الذكرى وِصالاً ومُلْتقى
فها أَنا ذو حالين: أَمّا تلدّديفحيٌّ، وأَمّا سَلوتي فلكَ البقا
ولما وصلت إلى الشام والتسبت بالتخدمة النورية، وجدت موفق الدين خالداً ولد القيسراني صدر مناصبها، وبدر مراتبها، ونجم كواكبها، بل شمس مواكبها. وجمعت بيني وبينه الصحبة، وضمتني إليه الرتبة، وتمهدت المحبة، وكان مستوفي المملكة وأنا منشيها تارة ثم مشرفها. ثم لما سيره نور الدين إلى مصر، قمت بعده بجميع الأمر، وكان نور الدين رفعه واصطنعه، وبلغ منه مبلغاً من الأمر كأنه أشركه في الملك معه، ولقد كان لبيقاً بذلك، حقيقاً به، وما زلنا سفراً وحضراً نتناشد ونتذاكر، ونتجاذب أطراف الحديث ونتحاور، ولعله قد أتى في الإنشاد على معظم شعر والده مذاكرة، وكنت أشاطره زماني في التصافي مشاطرة، وإنه قد بلغ إلى حد خدمه ممدوحو والده وقصدوه، ورجوه واجتدوه، وكأنه أنف من مدح والده لهم، وكره لنفسه كيف قصدهم وأملهم.
ثم نظرت في ديوان القيسراني فألحقت بما سبق، وما وصل إلي من هذا النسق، وجلوت بزهر سوائره الأفق، وحليت بما راق ورق الورق. فمن ذلك قوله:
عن خاطري نبأ الخيالِ الخاطرِفأعجب لزورةِ واصلٍ من هاجرِ
لم يعْدُ أَنْ جعل الرُّقاد وسيلةًفأَتى الجوانحَ من سَواد النّاظر
ومنها:
ولقد علمتُ على تباريح الجوىأَنّ السُّلُوَّ خرابُ قلبٍ عامر
وإِذا استقلّ عن الفؤاد قطينهُلم يبق منه سوى محلٍ داثر
وله من قصيدة:
دعوا للحُمَيّا ما استباحتْه من عَقْليفإِني رأَيت الحظّ في حيّز الجهل
ومنها:
وما زالت الأَيام يجري نظامُهاعلى العكس حتى أُدْرِكَ الجِدُّ بالهزل
وهل في فؤادي فَضلةٌ تَسَعُ الهوىوما العِشق إِلاّ شُغْل قلبٍ بلا شغل
إِذا أَنت لم يصحبك إِلاّ مُهذَّبٌفخِلُّكَ من أَمسى وحيداً بلا خِلِّ
فَدَعْ لذوي الأَموال ما اغتبطوا بهوَصُنْ ثمراتِ الفضل بُخْلاً على الفضل
فإِنّ الفتى من غادرتْه خلالُهفريداً وإِنْ أَضحى من الناس في حَفْل
وله من قصيدة:
أَرضى اليسيرَ، وما رِضاكَ يَسيرُأَنا في الهوى غِرٌّ، وأَنت غريرُ
ولو اقتصرت على حُشاشة مُغْرمٍوافاك من مأْسورك الميسور
ما أَذعنتْ لك في فؤادي طاعةٌإِلاّ وأَنتَ على القلوب أَمير
ضمنتْ ثناياك العذابُ مَخافتيفهل الثّغور الضاحكات ثُغور
وله من أخرى:
خذوا حديث غرامي عن ضَنا بدنيأَغنى لسانُ الهوى عن دمعيَ اللَّسِنِ
وخبّرونيَ عن قلبي ومالِكِهفربّما أَشكل المعنى على الفَطِن
ومنها:
هذا الذي سلب العشّاقَ نومَهمأَما ترى عينَه ملأَى من الوَسَن
أَمسى غرامي بذاك القدّ يوهمنيأَنّ اعتلال الصَّبا شوقٌ إِلى الغُصُن
ومنها في المدح:
أَرى الوفودَ رباعَ الجودِ عامرةًمن بعد ما وقفوا منها على دِمَنِ
ومنها:
قومٌ إِذا ناظروا عن سَرْح جارهُمُتكلّمتْ أَلسنُ الخطيّة اللُّدُنِ
وله من قصيدة في مدح وزير أولها:
لو كان سِرُّك للوُشاة مُعَرَّضالم أُغْض من دمعي على جمر الغَضا
ومنها:
وإِذا سقى فمُه الرحيقُ مُقَبَّلاحيّا بتُفّاح الخُدود مُعَضَّضا
ما اسودّ في يوم الصُّدود فإِنهُيلقاك في ليل التواصل أَبيضا
هذا وكم جاريت في طَلَق الصِّباسَلِسَ القياد وكان صعباً، ريّضا
عاقرتُ مُبْهَمَ عَتْبه حتى بدتغُرر الرضاءِ على خلال أَبي الرضا
هو جلال الدين أبو الرضا بن صدقة وزير المسترشد:
لو لم يكن لِبَنانه شِيَمُ الحياما أزهر القرطاس منه وروّضا
ما جاش في صدر المُلَطَّف صدرُهإِلاّ ظننت الجيش قد ملأَ الفضا
وله من قصيدة:
ما هذه الحَدَقُ الفواتنْإِلاّ سهامٌ في كنائنْ
ومنها:
وأَغنّ غنَى مُحْسِناًفعجبت من شادٍ وشادنْ
ما غرَّدتْ حركاتُهإِلاّ تراقصتِ السّواكنْ
يا مودِعاً قلبي هواهـ توقّ دمعي فهو خائنْ
ومنها:
وحللتَ قلباً خافقاًيا ساكناً في غير ساكن
أَترى لمن أَوْليتَهحربَ العواذل أَن يُهادن
إِنْ خاف قلبي في هواك فأَمرُ جاه الحبّ واهن
وإِن استجار فإِنّ جارك يا ضياء الدين آمن
وله من قصيدة في سديد الدولة ابن الأنباري:
مع الركب أَنباءُ الحِمى لو يُعيدُهالهيّج مفتوناً بها يستعيدها
خليليّ، هل لي في الرفاق رسالةيذكرني العهدَ القديم جديدُها
ومنها:
تَهُبّ صَباكم ليس بين هُبوبهاوبين رُكودِ النفس إِلاّ رُكودُها
ومنها في المدح:
ويسري هواكم في البُروق، وإِنماوَقود الحشا إِمّا استطار وقودها
لِيَهْنِكَ مأثور الوغى عن خلافةٍبك اخضرّ واديها وأَوْرقَ عودُها
وأَنّى تخافُ الضيم دولةُ هاشموآراؤك الأَنجاد فيها جنودها
وكيف يغيب النصر عنكم بوقعةٍملائكةُ الله الكرامُ شُهودها
إِذا فتنةٌ للحرب أُسعِر نارهافإِنّ ضِرام المُرْهَفات خمودُها
ومنها:
بدأتَ بإِحسانٍ فَجُدْ بتمامهفمثلك مُبدي مِنّةٍ ومُعيدها
وله من أخرى مطلعها:
يَشيمُ هواكم مُقلتي فتَصُوبويرمي نَواكم مُهجتي فتُصيبُ
ومنها:
تلقَّوْا تحياتي إِليكم عن الصَّباإِذا حان من ذاك النسيم هبوب
ومنها:
وليلةَ بِتْنا والمهاري حواسِرٌيُزَرُّ عليها للظلام جُيوبُ
فبِتْنَ يُبارين الكواكبَ في الدُّجىلهنّ طُلوعٌ بالفلا وغروب
نَواصِل من صِبْغ الظلام كما بدالِعينكَ من تحت الخِضاب مَشيب
خوافق في صدر الفضاء كأنهاوقد وَجَبَتْ منها القلوب، قلوب
سوانح في بحريْ سَرابٍ وسُدْفةٍلهنّ اعتلاءٌ بالضحى ورسوب
فليت ابن أُمّي، والكواكبُ جُنَّحٌيرى أَنني فوق النجيب نجيب
وأَني صرفتُ الهمّ عني بهمّةٍتفرّى دُجىً عن صُبحها وكروب
وأَن سديد الدولة ابنَ سديدهاجلا ناظري منه أَغرُّ مَهيب
نسيب المعالي، يطرب القومَ مدحهكأَنّ الثناء المَحْض فيه نسيب
له خُلُقٌ تُبدي الصَّبا منه غيرةًيكاد إِذا هبت عليه يذوب
وثغرٌ إِلى جَهْم المطالب ضاحكٌوصدرٌ على ضيق الزمان رحيب
وله من قصيدة في تهنئة عز الدولة ابن منقذ بالسلامة من جرح ناله:
كلُّ دعوى شجاعةٍ لم تؤيّدْبِكلامِ الكِلامِ دعوى مُحالُ
لا يَرُعْك الصِّقال في السيف حتىيَنطِق الفَلّ شاهداً للصِّقال
لو تكون السهام تُحسِنُ قصداًعرّجتْ عن مقاصد الآمال
غادر البأْسُ في جبينك منهأَثراً لاح في جبين الهلال
لا يجلّي دُجى الحوادث إِلاغُررُ الحرب في وجوه الرّجال
في مقاديمها تُصاب المقاديمُ وتُرمى الأَكفال في الأَكفال
وله من أخرى:
لها من الرَّشإِ الوَسْنان عَيْناهُوبي من الوَجْد أَقْصاه وأَدْناهُ
ومنها:
بِنفسيَ القمر المحجوب طلعتُهُعنّي وإِن كان يَهواني وأَهواه
إِذا عزمتُ على السُّلوان خادعنيبثغره فثنتْ عنّي ثناياه
وَليّ هواهُ على قلبي فَعذّبهوحكَّم الحبَّ في جسمي فأَضناه
وله من أخرى في الأمير أبي سلامة مرشد بن منقذ:
إِذا ما تأَملْت القَوام المُهَفْهَفاتأَمّلت سيْفاً بين جَفنيْه مُرْهَفا
بُليتُ بقاسي القلب، لا عَطْفَ عندهأَما شِيمةٌ للغصن أَن يتعطَّفا
وذِي صلفٍ يُغْريه بالتّيه صَمْتُهُإِذا سُمْته ردَّ السلامِ تَكَلَّفا
وَطَرْفٍ تجلّى عن سَقامي سَقامُهفهلاّ شفا مَنْ بات منه على شَفا
أُحِبُّ اقتضاء الوَصْل من كلِّ هاجرٍوإِنْ مَطَلَ الدينَ الغريمُ وسَوّفا
وأَقْنعُ من وعد الحبيب بخُلْفِهِومِنْ كَلَفي أَن أَسأَلَ الوعد مُخْلِفا
وما زلتُ موقوفَ الغرامِ على هوىًيُجدّد لي من عهد ظَمْياء ما عَفا
أَخا كَلَفٍ لا يرهَب الليل زائراًإِذا ضلّ نهجَ الحيّ عنه تعسّفا
ومنها:
أُودّعُ لُبّي ذاهلَ القلب مُغْرَماًوأُودِع قلبي فاتر الطّرْف أَهْيفا
تَقَضّى الصِّبا إِلاّ تذكُّرَ ما مضىوإِلاّ سؤالاً عن زمانٍ تَسَلَّفا
وإِلاّ شباباً فلَّلَ الشيبُ حَدَّهُإِذا ما هفا نحو التّصابي تَلَهَّفا
وعاد عليَّ الدهرُ فيما سخا بهفنغّص ما أَعطى وكدَّر ما صَفا
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع