تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

المهذب أبو طالب

محمد بن حسان بن أحمد بن الحسن بن الخضر

الدمشقي المولد، اليمني الأصل، كهل من أهل الفضل، عديم المثل، في النظم والنثر الممتنع السهل، الرائق الجزل، له الفصول المسجوعة في كل فن، والكلم المطبوعة بكل حسن، وكلامه بضاعة وعاظ دمشق وقصاصها، وهو مسبوك من إبريز الحكم وخلاصها، محوك من لب المعاني ومصاصها، ونثره كالدر النظيم، يرصعه بالنطق الإيادي، في نطاق كلام العبادي، وله مبتكرات رائعة، ومخترعات رائعة، ومبتدعات مليحة، ومذكرات صحيحة.

زارني في دمشق في المدرسة التي أدرس فيها، لمودة يصفيها، في رابع عشر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وخمسمائة. وهو قليل الانبساط في قصد الناس، كثير الاحتراز والاحتراس. فحين ظفرت به شددت يدي عليه، وملت بجانبي إليه، وقلت له: طالما ماطلني الزمان بدين لقائك، وناضلني في دين إخائك، وعاقتني الأٌدار عنك، وراقتني الآثار منك، حتى صدق الخبر الخبر، وحقق النظر الأثر، والآن حين سمح القدر، ومنح الظفر، فنصرف هذه الأوقات إلى اقتناء أقوات الأرواح، وندير بمحاورتك لصرف هم الفضل من مغناك المستلذ صرف الراح. وجاذبته أطراف الكلام، وأعطاني المعاني الحسان الكرام، ونشدت عند إنشاده ضالة الفضائل، وحاورت منه سحبان وائل. فمما أنشدنيه لنفسه من قصيدة:

أَظُبىً تُجَرَّدُ من عيون ظِباءِيوم الأُبيرِق تحت ظِلِّ خِباءِ
أَمْ أُسدُ خِيسٍ أُبرزت لطعانناورماحُهُنَّ لواحِظُ الأَطلاء
عَلِقت أَسِنَّتُهنّ في عَلَق النُّهىمنا، فلم تخرج بغير دماء
وهززْنَ أَعطاف الغصون فَشُقْننابل سُقْننا بأَزِمّة البُرَحاء
والرَّكْب بين أُثَيْل مُنْعَرَج اللِّوىوالجِزْع، مُزْوَرٌّ إِلى الزَّوْراء
تخْفي هوادِجُه البدورَ وقلّماتَخْفى بدورُ التِّمِّ في الظلماء
ويَلُحْنَ من خَلَل البَراقِع مثلمافي الدَّجْن لاحتْ غُرَّة ابنِ ذُكاء

بين الحواجب والعيون مَصارع العشاق لا في ملتقى الأَعداءِ

وقُدود أَغصان الحُدوج كأَنها الأَلِفات فوق صحائف البيداء

من كل هَيْفاءِ القَوام مُزيلةٍباللحظ منها عَقْل قلب الرائي
تُملي أَحاديثَ الجوى بجفونهاسِرّاً، وتشكو الشوق بالإِيماء
وحديث أَبناء الغرام بحاجبٍأَو ناظرٍ، من خَشية الرُّقباء
واهاً لقتلى عِشقِ كلِّ مُذيبةٍبالصدّ قلبَ الصخرة الصمّاء
قتلوا بأَسياف العيون، وضائعٌدمُ من يطالب مُقلَة الحسناء
وإِذا الهوى سُلَّتْ صوارمُه علىقلبٍ فصاحبُه من الشهداء
ومُهَفْهفٍ نَضِر الصِّبا، ثَنَتِ الصَّبامنه كقَدِّ الصَّعْدة السمراء
مُتَلثّم بالشمس خَشيةَ ناظرٍيُدميه منه بصارم الإيحاء
قمر منازله القلوب، وشرقهُفلك الجُيوب، وغَربه أحشائي
سقت المَلاحةُ وَرْدَ روضة خدِّهطلَّ الحيا وسُلافة الصّهباء
فحماه عن لثم الشِفاه بعقربسوداء، في كافورةٍ بيضاء
دبّتْ فأَحرقها الشُّعاع فأَمسكتعن سعيها من خيفة الألآء
أَمُعيرَ غُصْنِ البان هَزَّة عِطفةتيهاً، ورقةَ جسمه للماء
ومجرِّداً بيد الجمال على الورىهِنْدِيَّ لحظ المُقلةِ الحَوْراءِ
أَترى ظهير الدين فيما ينتضيعيناك يوم تشاجُرِ الآراء

وأنشدني له من قصيدة أولها:

أَرأَيت أَحداقاً قُلِبْن قواضِبايَفْلُلْن مُرْهَفَة السيوف مَضاربا
تالله ما استصوبتُ رأْي أُولي نُهىًجعلوا مديح الباخلين مكاسبا
واستمطروا سُحُب الأَكُفِّ فأُمطروانِعماً، ولكن تستحيل مصائبا

وقوله من قصيدة في المعنى أولها:

أَذكى صَبابتك الخليطُ الرّاحل

ومنها:

لا أَبتغي عَرَضاً ولا تصحيفهوالوُدّ منك يقلّ عنه النّائلُ
فَعَلام يخضعُ ذو النُّهى لمحقَّرٍفانٍ، وأَيام الحياة قلائلُ

ومنها في المدح:

ولرمحه وحسامه وسهامهرعدٌ وبرق في العَجاج ووابلُ

وأنشدني له من قصيدة:

هتك الدُّجى برقُ الخيالِ السّاريسَحَراً، فنارُ الشوقِ أَيّة نارِ
سمحت به خِدَع المُنى فرأَيتُهوَهْماً بوحي لواحظ الأَفكار
والليلُ ممدودُ الرُّواق مخيّمٌمُرْخٍ ذوائبَه على الأَقطار
فكأَنّه الزِّنْجيُّ جرَّ ذُيولَهمَرحاً، عليه حُلّةٌ من قار
وأَلذُّ زَوْرةِ عاشقيْن تناجيابعد الكرى في خَلْوة الأَستار
حيث الجُسوم من الفُسوقِ طواهرٌوالفِسق في الأَرواح ليس بعار
لا تُخْدَعنّ، فما البدور كواملاًإِلا بدور معاقد الأَزرار
من كلّ خطّارِ القَوام إِذا انثنىأَزرى بقَدّ الأَسمر الخطّار
حَمَلَ الدُّجى في طُرَّةٍ من تحتهافلق الصباح يضيء للنُّظَّار
ومشى يُعربد بالعيون كأَنماسُقيت لواحظه كؤوسَ عُقار
وَسْنان، في رشَفات بَرْد رُضابهحرُّ الجوى وتلهُّب التَّذْكار
سلب القلوبَ بوَرْدِ خدٍّ أَحمرٍوسُطورِ مسكٍ لُقِّبَتْ بعِذار
فكأَنما أَضحى كمال الدين فينهب القلوب له من الأَنصار

وأنشدني له في وصف الخصر من قصيدة أولها:

قُضُب النَّقا هزَّتْ عليك قدوداوأَرتْك آرامُ الخيام خُدودا

ومنها:

وبمُهجتي مَنْ هزَّ تيهاً قدُّهابيد الجمال على النَّقا أُمْلودا
هيفاء، جاذَبَ رِدْفُها من عِطْفهاخصراً، تراه على الضَّنا مَعْقودا
دَقَّتْ معاقدُه، ورقَّ فخِلْتهعَدَماً يصارع في الظنون وُجودا

ونقلت له من رسالة وَسَمها:

بالنَّسْر والبُلبل

فاختصرتها وأولها: طار طائر عن بعض الشجر، وقد هب نسيم السحر، وانفلق عمود الفلق، وانخرق قميص الغَسَق. مشهورٌ بالقَسْر، موسوم بالنَّسْر، والليل قد شابت ذؤابته، وابيضَّتْ قِمّته، وانهزم زِنْج الظلماء، من صَوْلة روم الضياء.

والفجر مثلُ عِذار مَنْ صارت لهسِتّون عاماً بعد حُسن سَواده
أَو ثغرِ محبوبٍ تبسّم في الدَّجىإِذ زار من يهواه بعد بِعاده

وعلا حتى صار روحاً لأجساد السحب، ونديماً لدراري الشُّهُب، وعديلاً للأَفلاك، ونزيلاً للأَملاك.

فكأَنّه للشّمس جسمٌ، والسُّهىعينٌ، وللمِرِّخ قلبٌ يخفِقُ
ولكلّ نجمٍ في السّماءِ شَرارةٌتُردي شياطين الرُّجوم وتحرقُ
غابوا لمطلِعه إِليهم واختَفوْاورأَوْه يجمع نفسه فتفرّقوا

كأنما أجنحته ركبت من العواصف، واستلبت من البروق الخواطف، وأخذت من رمز الألفاظ، واستعيرت من غمز الألحاظ.

كأَنها مُقلة الحبيب إِذاخاف حُضور الرقيب أَوحَذِرا
أَوحى بها والعيون ترمُقهوهماً إِلى من يحبّه فَدَرى

منفرداً في طريق طلبه انفراد البدر، متوحداً في مضيق أربه توحد ليلة القدر، كأنه سهم رشق عن قوس القضاء، أو نجم أشرق في أفق السماء. والأرض تحته دخانية اللون، مائية الكون، مستبحرة الأكناف، متموجة الأطراف، كأنه صرح ممرد من قوارير، أو سطح الفلك الكري في التدوير.

أَو لجّة البحر إِثر عاصفةصافحت المتنَ منه فاصطفَقا
فطار عقل النُّوتيّ من فَرَقٍوخرَّ موسى جَنانِه صَعِقا

يقبض أجنحته ويبسط، ويصعد إلى السماء تارة ويهبط، يجرح بأسنة قوادمه أعطاف القبول وأطراف الصبا، ويقد الشمأل بخوالف كأنها غروب الظبى، ويفتق بخوافيه جيوب الجنوب، ويخرق بصدره صدر الرياح في الهبوب.

فكأَنّ لمعَ البرق خطفُ هُوِيِّهوكأَنّ رشْق السهم نفضُ سُمُوِّهِ
وكأَنما جعل الرّياح خوافياًلجناحه في خفضه وعُلوّهِ

حتى أشرف من شرف مدائن الهواء، واطلع من رواشن أبراج السماء، على روض أريض، وظل عريض، وأنهار متدفقة، وأشجار مونقة، وطل منثور، وورد ومنثور؛ ومكان بهج، وزهر أرج؛ وحديقة ندية النبات، وبقعة مشكية النفحات، عنبرية الأرجاء، كافورية الهواء، قد صقلت بمصاقل القطر مرايا أزهارها، وعقدت لرؤوس أغصانها تيجان نوارها، وأكاليل جلنارها، ونشرت النسائم مطويات حللها من سفاطها، ورقصت حور نباتها على سعة بساطها.

كليالي الوِصال بعد صُدودٍمن حبيبٍ كالبدر بل هو أَبهى

إِن رأَيت الغنى ونيل المنى جَمْعاً وقابلتَه بها فهي أَشهى

ذات نبات خضر، وماء خصر، ضاحكة القرار، مشرقة الأنوار، وكأن شجراتها عرائس أبرزت للجلاء، أو قباب زبرجد نصبت في الروضة الخضراء، وكأن الفلك دنا إشليها، فتناثرت نجومه عليها.

رَوْضٌ أَريض وصوبٌ صائب وحياًمُحْيٍ، وغيثٌ مُغيثٌ دائم الدِيَمِ
تبارك الله ذو الآلاء كم سَفَرَتْوُجوه أَحكامه للخلق عن حِكَمِ

فمن وَرْدٍ فِضّيّ الأَوراق، ذَهبيّ الأَحداق، كافوريّ الصبغة، مسكي الصيغة، مائي الجسم، هوائي الرسم، حاكت الصبا إهابه، وخاطب الشمال أثوابه، وفتحت الجنوب أكمامه، وحسرت الدبور عن وجه جماله لثامه، فظهر في أفق الشجر، كأنه شهب السحر، أو خدود الحور في القصور، ظهرت في غلائل من الكافور، أو أعشار المصاحف ذهبت أوساطها، أو غرر الوصائف عظم اغتباطها

أو وجنة الحِبِّ قَرَّت في ملاحتهاعينُ المُحِبّ فأَبدتْ حُمرةَ الخَجَلِ
رقَّتْ فأَيسرُ وَهْمِ الفكر يجرحُهافكيف إِن لمستها راحة القُبَل

ومن آمن زمردي الإهاب، زبرجدي الجلباب، ذي ورقكأسنة الصعاد، أو كالصفاح جردت للجلاد من الأغماد، قد أخذ خضرة الفلك لوناً، وحلة جبل قاف كوناً، أشبه في اخضراره مرائر قلوب العشاق، عقيب الانشقاق، لروعة يوم الفراق.

كأَنه ودُّ مَنْ تمّت مودّتهباقٍ مع الدّهر لا يَبْلى مدى الأَمد
يُهجى إِلى مَنْ له حُسْنٌ يضنُّ بهأَي قد غسلتُ بماءِ اليأْس منك يدي

ومن نرجس كأجفان الملاح، أو كإشراق تبلج الصباح، منكس الأعراق، مطرق الأحداق، قائم على ساق خضرة، ألفية نضرة كأنه مدافات فضة قد رصعت خشية الانفطار، بمسامير من نضار.

متشوِّفٌ كالصبّ خوفَ رقيبهإِذا حان وقت زيارةٍ لحبيبه
فله إِلى جانيه نظرةُ خائفٍمنه، وشكوى مُدْنَفٍ لطبيبه

ومن بنفسج استعير لونه من زرق اليواقيت، وأخذ من أوائل النار في أطراف الكبريت، أو ثاكلات الأولاد، أظهرن الحزن في ثياب الحداد، أو بقايا قرص في خد وردي، أو أثر عض في عضد فضي، ذي أوراق خمرية، وأعراق عطرية، صاغت الأنداء من الزمرد قوامه، ونسجت الأهواء من الطل أكمامه، وأخذت من نسمات المسك نسمته، ومن أنفاس العنبر رائحته.

وكم في الرَّوْض من بِدَع وصُنْعٍوآياتٍ تدل على القديمِ
وأَسرارٍ يحار العقلُ فيهافليس تكون إِلاّ من حكيمِ

ومن غصون تجتمع وتفترق، وتترنح وتعتنق، والنسائم تحل عقد أزرار الزهر، والأهوية تفتح أقفال أبواب الحصر، والشمس تسفر وتنتقب، وحاجب الغزالة يبدو ويحتجب، والعهاد يتعاهد بالقطار أكنافها، والسحب تطرز بالبروق عذبها وأطرافها. وهي آية من آيات الربيع أظهرها للعيان، ومعجزة من معجزات القدير أقامها على الزمان.

تُجْلى عرائسها بكلّ مُصَبَّغٍوتميس تحت غلائل الأَزهارِ
فكأَنما فَتَقَ الربيعُ لأَرضهابيد النسيم نَوافِجَ العطّار

فوقف في الهواء حين رآها، وقال: هذه غاية النفس ومناها، ها هنا ويلقي المسافر عصاه، وتستقر بالغريب نواه، وفي قرار هذا الوادي يثبت سيلي، ولمثله شمرت عن ساق الجد ذيلي. أين المذهب، وقد حصل المطلب، وأين الرواح، وقد أسفر الصباح! ومن بلغ غاية مراده، لم يلتفت إِلى حساده، ومن نال الأماني، لم يبالي بالمباني. ماء مصطخب الأوتار، وظل ممدود الإزار، وروض يمرح فيه الطرف، ولا يقطعه الطرف، وأزهار كقراضة الذهب، تناثرت من حرارة اللهب، أو كالفضة أخلصها سبك الكير، ونثرت في زوايا المقاصير، أو مصبغات أصناف الحلل، نشرت للناظرين بعد إتقان العمل. وخلوة من واش ورقيب، وبعيد يخشى أو قريب.

على مثلها ظلت فرداً أهيم وجداً وأمعن وحدي المطارا

فأَستخبرُ الشُّهُبَ النيّراتِ عنها وأَقطع داراص فدارا

فبينا هو صافُّ الأَجنحة عليها، ينظر من الأُفق بعين التعجّب إِليها، إِذ سمع صوتعاً من بلبلٍ سِحريّ، على وكرٍ شَجَريّ، يناغي النسائم بنعمة مِزماره، ورَنَّة أَوتاره، ودساتين حناجر كالحناجر، وأَلحانٍ أَعذب من نقرات المزاهر، ينثر دُرّاً من عُقود أَلحانه، ولؤلؤاً من أَصداف افتنانه بين أَفنانه، ويرجّع قراءة مكتوب غرامه، ويتلو آيات حزنه من مصحف آلامِه.

ويهتف طوراً بذكر الفراقوطوراً بذكر بِعاد الحبيبْ
ويغتنم الوقت وقت الوصال حين خلا من حضور الرقيب

فقال هذه غريبة أخرى من غرائب القدر، وعجيبة ثانية لم ترها العين ولا هجست في الكر، وكاسات خمر تدار في الخمر، وعقود سحر تحل في السحر، ونغمة لم أسمعها من ذي منقار، وألحان ما رئي مثلها لسار ولا قار، كأنها ما قيل عن مزامير آل داوود، وتسابيحهم في الركوع والسجود، أو معبد والغريض، يتباريان في الطويل والعريض، أو إسحاق الفريد، يعدل عوده عند الرشيد، أو هزج شداة العجم، أو رجة حداة العرب في الظلم، أو أصوات رهبان الصوامع، أو تلاوة من تتجافى جنوبهم عن المضاجع.

نغمة تجلِب السُّرور وتحييميَّت القلب من ثرى الأَحزانِ

وتردّ الشباب بعد ثمانين وتُزري برنَّةِ العيدان

ما أُدبرت إِلاّ وقيل اسمعوا داوود يتلو زَبوره في الجِنان

ثم هوى إلى القرار، لينظر من النافخ في المزمار، فرأى البلبل يتلو سور بلباله، في محراب وباله، ويرجع سجع ألحانه، في ربع أحزانه.

فكأَنه ثَكْلى على ولدٍفَقَدَتْهُ بعد الضَّعفِ والكِبَرِ
فلها انتحابٌ حين تذكرهينسيك لذّة نغمة الوَتَرِ

فقال السلام عليك من طائر صغير حقير، يظهر في صورة كبير خطير، وشاد ظريف طريف، بغير أليف ولا حليف، ذي جسم كأنه سواد خال في بياض خد الحبيب، أو ظلمة حال المحب شاهد وجه الرقيب، أنت صاحب هذا اللحن المطرب، والصوت المعجب، ما أراك إلا صغير الحبة، بادي المحبة، ضئيل الجسم، نحيل الرسم، ليلي الإهاب، ظلمائي الجلباب، تقتحمك العين لحقارتك، وتنبو عنك لصغرك ودمامتك، قد اصفر منقارك لأحزانك، ولبست حداد أشجانك، وصوتك والمسرة فرسا رهان، ونغمتك والطرب رضيعاً لبان.

يُثير صوتك في القلب إِن ترنمتَ حُزْنا

وتُخجل النايَ حُسْناوتعجز العود لَحْنا

وأنا مع عظم صورتي التي حازت خلال الكمال، وأحرزت خصال الجمال، صبحي الريش، لا أتغذى بالحشيش، ذو العمر الذي أفنى لبد، واستنفد الأبد، وقد تعجب منه لقمان، واحتاج إليه فرعون وهامان. ليس للطيور مطاري، عند طارئ أوطاري. أنا ملك الطيور، وسلطان ذوات الأجنحة على مر الدهور، ومالي حلاوة هذه النغمات، ولا لذاذة هذه الأصوات.

ولِعمري كذلك الدهر لا يرفع إِلاّ مَنْ كان بالخفض أَوْلى
ينظر العاقلُ اللبيب بعينٍهي لا شكّ حن تنظر حَوْلا

ويحك! من أين لك هذه الملح المسكية النشر، والمنح العنبرية العطر، جبلتك عنصر هذه الفضائل، أم استمليت طرف أخبارها من قائل؟ فقال له البلبل: يا من سبح في بحر التخليلط وعام، وظن أن القدر يعطي ويمنع بالأجسام، فيعرض عن الصغار ويقبل على العظام.. أما صغري فلا أقدر على تغييره، والأمر للصانع الحكيم في تدبيره، أما علمت أن الأرواح لطائف وهي أشرف من الأجسام، والأجسام كثائف والمعتبر فيها جودة الأفهام، وإنسان العين صغير ويدرك الأكوان والألوان، والإنسان عظيم والمعتبر منه الأصغران: القلب واللسان، ما يكون الدر بقدر الصدف، وشتان ما بينهما في القيمة والشرف، ولا الآدمي كالفيل، وبينهما بون في التفضيل، واللؤلؤ قطر يقع في أعماق البحور، ويعلق بعد ذلك على الترائب والنحور، وليس الاختصاص بظواهر المباني، وإنما هو بلطائف المعاني. وكم من صغير وهو في عين ذي النهى كبير، وفي فكر اللبيب أخي الفضل خطير.

وما نطق الفيلُ الكبير بعُظْمهوقد نطقت قِدْماً مُقَدَّمة النمِل
كذلك ما أَوحى إِلى النَّسر ربُّناوإِن كان ذا عُظْمٍ وأَوحى إِلى النحل

وأما النغمة التي قرع طرف سمعك سوط لذتها، ورشق هدف قلبك نبل طيبتها، فإنني رصعت شذرها في عقد ألحاني، على نغم بعض الأغاني. وذلك أن هذه الروضة فجرت أنهارها، وغرست أشجارها، وفتقت نوافج عطرها، وأشرقت مباهج زهرها، وأقيمت عمد قبابها، وعلقت أستار أبوابها، وهيئت على أمر مقدر، لبعض ملوك البشر، فهو يأتيها كل ليلة إذا ولى النهار، وأظلمت الأقطار، وصبغ الليل ثوب الكون بظلمته، فأشبه لباس العباسي في خلافته مع من يختار من ندمائه، ويؤثر من أصفيائه، وقد أشعلت له فيها الشموع، واتقدت بأشعتها الربوع، ونصبت ستائر القيان، واصطفت صنوف الحور والولدان، وأفرغت شموس الخندريس في أفلاك الكؤوس، بأيدي بدور الرهبان ونجوم القسوس، وعقدت الزنانير على الخصور، وأسبلت طرر الشعور، على غرر البدور، ورجعت أناجيل الألحان، وقبلت صلبان الصور بأفواه الأشجان، ونقرت أوتار المثالث والمثاني، وقامت العقول ترقص في قصور الصور والمباني.

وينقضي ليلهم في لهو وطرب، وجد ولعب، وهزج ورمل، واعتناق وقبل، وأحاديث كقطع الرياض، ومحادثات كبلوغ الأغراض، حتى يخرج الليل من إهابه، ويعرج على ذهابه، ويسفر الصباح، وقد هز عطفي ذلك الارتياح، وأنا خبير بشد دساتين عيدان الألحان، بصير بحل عرى النغمات الحسان، فمنهم تعلمت طرفها، وشددت وسطها وطرفها، وصرت فيها إلى ما ترى، وعند الصباح يحمد القوم السرى.

فقال النسر: إنك سقيتني بحديثك أسكر شراب، وفتحت لي بأخبارك أغرب باب، كيف السبيل إلى المبيت لتعلم هذه النغم الشهية، والفوز بحفظ هذه الأصوات الأرغلية؟ فقال البلبل: بالجد والاجتهاد، تدرك غاية المراد، وبالعزمات من استوطأ فراش الكسل، وأم العجز أبداً عقيم، والخمول لا يرضى به إلا مليم، وبالحركات، تكون البركات، وثمار السعود، لا تطلع في أغصان القعود، وبالهز تسقط الثمار، وبالقدح توجد النار، والحياء توأم الحرمان، والهيبة والخيبة أخوان،

ومن هاب أَمراً ثم لم يك مُقْدِماًعليه بصدق العزم والقول والفعلِ

يفوت ولا يعطيه منه مُرادَه الزّمان، وبعد المَقْر يُجنى جَنى النحل

إِذا تقوست قامة النهار، وجعلت رجل الشمس في قيد الاصفرار، وولت مواكب النور، لقدوم سلطان الديجور، وأنارت روضة السماء بزهر الكواكب، وطلعت الشهب فيها من كل أفق وجانب، فأت إلى هذا المكان، عسى أن تسعدك بمطلوبك عناية الزمان، واختف عن رامق يراك، فإنه أعون على مبتغاك، وإياك أن تقول: إن قدر شيء وصل، وإن كان في الغيب مقضي حصل، فكم قد غر سراب هذا المقال من العقال، وما حصلوا إلا على الآمال.

ومُدْمِنُ القرع للأَبواب منتظرٌبكثرة القرع للأَبواب أَن يلِجا
فانهض إِذا ضقت ذَرْعاً بالأُمور ولاتقعد، وقم مستثيراً وانتظر فرجا

فلما سمع النسر مقاله ودعه وطار، وقال لعل في الانتظار، بلوغ الأوطار. وأثبت في نفسه الرجوع، وقال أمنع عيني هذه الليلة لذة الهجوع، وقال أصبر على العذاب الأليم، ومن طلب عظيماً خاطر بعظيم، وبالصبر يحلو صاب المصاب، وبالجلد تصاب أغراض الصواب، ومن لم يتحمل أعباء الأثقال، ولم يصبر لصعاب الأهوال، تكدر صفاء مسرته وقعد قائم سعادته، وخذله الزمان، وقتله الحرمان.

ثم سقط على بعض الأشجار، متوخياً بزعمه مضي النهار، وأدركه الليل فنام، وغرق في بحر الكرى وعام، وكلما حركت سواكنه داعيات الطلب، وأقامت قاعدة مزعجات الأرب. قال: الليل بعد في إبان شبابه، ولعله ما جاء الملك مع أصحابه، وساعة تكفي العاقل، ولمحة تشفي الفاضل، وكثرة الحرص سبب الحرمان، وربما أفضت فوارط الطلب إلى الهوان، واغتنام راحة ساعة من العمر، فرصة جاد بها بخيل الدهر، وكم نائم حصل مراده، وساهر أخطأه إسعاده.

ولم يزل في رؤيا أحلام الأباطيل، وإقامة المعاريض الفاسدة التأويل، حتى وضح فلق الصبح من مشرقه، وتمزقت عنه جلابيب غسقه، وبدا حاجب أم النجوم، وامتدت أشعتها على التخوم، فتنبه من رقدة غفلته، وطار من وكر جهالته، وأم روضة البلبل طائراً، ونزل عليها دهشاً حائراً، وقد تفرق جمع الملك في السكك، تفرق الشهب في الفلك، وغلقت أبوابها، وتفرقت أصحابها.

فقال له البلبل: يا هذا! ما الذي شغلك حتى أشغلك، وما الذي مناك، حتى عدمت مناك؟! وأن من شد وسط اجتهاده، وصل إلى بلوغ مراده، وبصدق الطلب، تدرك قاصية الأرب، ومن ركن إلى إطالة البطالة، استحالت منه صورة الحالة، والليل مطايا الأحرار، إلى بلوغ الأوطار، ونجائب ذوي الألباب، إلى بلوغ المحاب.

فلما أكثر البلبل على النسر العتاب، وانغلقت عنه أبواب الصواب، ودعه وطار، وقد عدم الأوطار. وكذلك حال ذوي الأحوال، ومن له دعوى الصدق في المقال، والعقال يؤاخذون بخطراتهم، ويطالبون بعثراتهم، ويهجرون لأجل لحظة، ويقطعون بسبب لفظة، ويتكدر عليهم مشرب أوقاتهم لأجل هفوة، ويمر حلو خلواتهم بأقل جفوة، فكيف من تفرش له فرش الغفلة، ويتوسد وساد حب المهلة، ويلذ له كرى اللعب والبطالة، ويستمرئ مرعى الغي والجهالة، ويعتقد أنه بمثل ذلك لا يطالب، وعلى مثل ذلك الحال لا يعاتب، هيهات إن سعداً لغيور، وإن الله لأغير من سعد، نامت عين الخليل، فأمر بذبح إسماعيل، ونام يوسف متلقياً لأسرار الغيوب، ففرق القدر بينه وبين يعقوب، ونام محمد صلى الله عليه فقيل له: يا أيها المدثر، قم فأنذر. نحن لا نرضى لبعض أصحابك بالمنام، فكيف نرضاه لك وأنت سيد الأنام.

وأم هذه الرسالة بفصل وعظي ليس من شرط الكتاب.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.