من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأديب أبو الثناء محمود بن نعمة بن أرسلان
الشيزري
لقيته بدمشق سنة ثلاثٍ وستين وخمسمائة، وأنشدني من أشعاره، وأجناني من ثماره، ونزهني في أزهاره، وكتب القصيدة الميمية بخطه، وأبرز لي من سفط تبريزه در سمطه، ووعدني أن يكتب لي من شعره ما أوشح به كتابي هذا وأطرزه، وأحرزه في كنز الفضائل وأكنزه، فعاقه القدر عن نجاز وعده، وطرق الكدر، بطرق ثمد صفو ورده، وتوفي بعد سنة خمسٍ وستين وخمسمائة بدمشق.
ومن مشهور شعره بيتٌ جمع فيه ست تشبيهات ولم يسبق إليه، فإن أكثر ما جمع خمس تشبيهات بيت القائل:
فأَمْطَرَتْ لُؤْلؤاً مِنْ نَرْجِسٍ وسَقتْورْداً وعَضَّتْ على العُنّاب بالبَرَدِ
وبيت محمودٍ الشيزري:
تَنْضُو السَّحائبَ عَنْ بدرٍ وأَنْجمِهوتمسَحُ الطَّلَّ عَنْ وَرْدٍ بِعُنّابِ
فشبه النقاب بالسحاب، والوجه بالبدر، والحلي والشنوف بالنجوم، والعرق بالطل، والخد بالورد، والأنامل المخضبة بالعناب.
وله في كافات الشتوة:
يقولون كافاتُ الشّتاءِ كثيرةٌوما هي إلاّ فَرْدُ كافٍ بلا مرِا
إِذا صَحّ كافُ الكيس فالكُلُّ بَعدَهايَصِيحُ: وكلُّ الصَّيْدِ يُوجَدُ في الفَرا
وللأمير الأديب أبي الثناء محمود بن نعمة بن أرسلان الشيزري، أنشدني لنفسه بدمشق في وزن قصيدة عملها مؤيد الدين أسامة بن منقذ يشكو ابن الصوفي بدمشق وهذا يجيبه عن تلك القصيدة:
يا ظالِماً نارُه في القلبِ تَضْطَرِمُمَهْلاّ فظُلمُك تَغْشى نُورَه الظُلَمُ
كأَنَّك القوسُ تُرْدي وهي صارخةٌوما أَلمَّ بها من غيرها أَلَم
تَجْني وتُلزِمني ذنباً أَتيتَ بهووجهُ غَدْرِك بادٍ ليس يلتثم
فكم تُحيلُ على الأَيّام صُنْعَك بيودونَه تَعْجز الأيّام والأُمَم
والبُعْدُ أَيْسَرُ ما استوجبتَ من جهتيوالهَجْرُ واللَّوْم والتفنيدُ والسَّأَم
يا مَنْ وهبتُ له قلبي فعذَّبَهوما اعتراني على إِعطائه ندم
بِئْس الجزاءُ بما أَوْلَيْتُ عَوَّضنيوالله يكرهُ ما يَأْتيه والكَرَم
قُل للذي باعني بَخْساً بلا ثمنٍبأَيِّ عُرْوَة رِبحٍ أَنت مُعْتَصِمٍ
وعاذلٍ بات يَلْحاني على قمرٍأَهوى الوفاءَ وأَنْ تُرْعى له ذِمم
فقلتُ والعَذْل يَطْويني وَيْنُشُرنيأُكْفف فَهَمُّك لا تُثْني له الهِمَم
لا تُهْدِيَنْ ليَ نُصْحاً لستُ أَقبلُهواعلم بأنك في ذا النصح مُتَّهَم
مَنْ يتركُ العَيْنَ مُعْتاضاً بها أثراًعَمْداً ويُكذِبُ سَمْعاً ما به صَمَم
يا أَيُّها الرّاكِبُ الطاوي لِطِيَّتِهأَرضاً تَكِلُّ بها الوَخّادَةُ الرُّسُم
أَبلغ أُسامَةَ عن ذي النّصح مَأْلُكَةًفيها البصائر والآداب والحِكَم
في أَيّ دينٍ يُجازي المحسنون بمايَسُوءهم ولماذا تُجْحَد النِّعَم
أَتيتُمونا وقد ضاق الفضاء بكمولم يَقَرِ بكم قُورٌ ولا أَكَم
والسُّمْرُ قد شَرَعَتْ فيكم أَسِنَّتُهاوأُرْهِفت لكم الهِنْديَّةُ الخُذُم
وقد تَبَرَّأَ منكم كلُّ ذي نَسَبٍوما أَجارَكُمُ عُرْبٌ ولا عَجَم
أَلْفَيْتُمونا لكم خيرَ المُجير وقدطافت بكم نُوَبُ الأيّام والنِّقَم
أَتَتْكُمُ رَوْضَةٌ غَنّاء مُزْهِرةٌمن جودنا وغَديرٌ مُتْرَعٌ شَبِم
ومَنْزِلٌ عند خير المُنْزِلين لكمرَحْبُ الذُّرى ومُقامٌ طاهر حَرَم
وأُطرِفَتْ أَعيُنُ الأعداء دوَنكُمُولم تَطُلْ نحوَكُمُ كَفٌّ ولا قَدَم
فحين أَدركَكمْ ما تأْمُلون بناوما أَصابَكُمُ عارٌ ولا سَقَمُ
كفرتُمُ صُنْعنا المشكورَ أَنْعُمُهُبِلُؤْمِكم وهو ما بين الورى عَلَم
وكنتمُ عَوْنَ مَنْ يبغي عَداوتَناوالله عونٌ لِمَنْ بالحقّ يَعْتَصِم
بَغْيٌ تُشَيِّده الأَطماعُ كاذِبةًوكلُّ مالا يَشيدُ اللهُ ينهدم
كما بغى ابن أبي سُفيان حين بغىما ليس فيه له إِرْثٌ ولا قِسَم
ولو نشاءُ سَلَقْناكم بأَلِسنةٍلُدٍّ بها تلتقى الأَقدام والِقمَم
لكن أَجارَتْكُمُ منّا مُحافَظَةٌلها المُقاتل والأَطفْال والحُرَمُ
فأَين كُنتْم، وبيضُ الهِندِ مُصْلَتَهٌوالسَّمْهَرِيَّةُ والأَكباد تَنْحَطم
والأعْوَجِيَّةُ بالأَبطال مُقِبلَةٌوالخَلْقُ صِنْفان: مَقتولٌ ومُنْهَزِم
والخَوْفُ قد طَبَّق الأقطار أَجْمَعَهافالهامُ تُفْلَق والأَصْلاب تَنْفَصِم
هناك تأْتي المنايا طَوْعَ بُغْيِتَنافلم تزل في نفوس القَوْم تَحْتَكِم
ونحن أُسْدُ وغىً أَرماحها أَجَمُوَمِنْ فوارسها الأَبطال والبُهَم
ومثل يومٍ فَشَتْ في النّاس روعتُهمن الفَرَنْج وموجُ المَوْتِ مُلْتَطِم
قُمْنا وقد قَعَد الأَقوام أَجْمَعُهُمْفما تَساوَتْ به العِقْبان والرَّخَم
والباطنيَّةُ مُذْ هَمُّوا بأَجْمَعِهموأَظهروا بفَساد الدّين ما كتَموا
وغَرَّهُمْ عَدَدٌ جَمٌّ وداخَلُهْمعُجْبٌ بما اجتمعوا فيه وما اجْتَرَموا
وأَيْقَنوا أَنّ صُبْحَ الحقّ لاحَ لَهُمْوالخَلْقُ دونَهُمُ تغشاهُمُ ظُلَمُ
ثُرْنا لهم ثَوْرةً في الله صادِقةًوَهَتْ عُرى عُرِفْهم فيها وما عَزَمَوا
هذا وإِنْ رابَتِ السُّلْطانَ حادِثَةٌواستعجمتْ وقَضاءُ الله يَنْعَجِم
قُمْنا لها فكفَيْناها بأَنْفُسِناوما تُساعِدنُا الأَعْوان والخَدَم
وإنْ أَتى المَحْلُ يوماً صاب صَيِّبُناوجاد فيه إِذا ما ضَنَّتِ الدِّيَم
وإِنْ تقاسَمْتُمُ بالحُبِّ كان لكممنه النَّصيبُ الحقيرُ التّافِهُ الزَّنِم
فكم أَتَيْتَ بقولٍ منكَ مُخْتَلَقٍومال له قَدَمٌ صِدْقٌ ولا قِدَم
وما نَزَلْتَ على قومٍ ذَوي رَحِمٍإِلاّ وشُتِّتَ مِنْ جَرّاك شَمْلهُمُ
إنِي لأَخْشى على مصرٍ وإِن عَمُرَتْتُضْحي وأَبياتُها من رَأْيِكُمْ رُمِمَ
فالله يَكْفي أَميرَ المُؤمنين شَدِيفَسادَ فِعلكُمُ ما أَوْرَق السَّلم
///أهل معرة النعمان وقد غلب عليهم الشعر منهم:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع