تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

أبو الحسن علي بن إبراهيم بن علي المعروف ب ابن العلاّني المعرّيّ

من الشعراء المذكورين. ومضى إلى مصر ومدح الفضل، قرأت بخط الكاتب ابن النقّار الدِّمشقيّ أنه كان فخر الملك ابنُ عمّار صاحب طرابلس اقترح على الشعراء أن يعملوا على وزن قصيدة ابن هانئ المغربي:

فُتِقَتْ لكُم ريحُ الجِلادِ بعَنبَر

فسبقهم أبو الحسن عليّ المعروف بابن العلاّني المعرّي وعمِل ما أعجبه وأجازه عليه واستغنى به عنهم، وهو:

هل بارعُ الشُّعراء غيرُ مقصِّرِعن بارعٍ مِنْ مجدِكَ المُتخّيَّرِ
أم كنهُه ما ليس يدركه بذاقول كمَنسوق الجُمان مُحبَّر
فعلى البليغ الجهدُ منه فإن يجِدْيُحمَد، وإن يكُ مُقصراً فليُعذَرِ
يا ناصر الدين الذي لو لم تَطُلْمنه مُقارَعة العِدى لم يُنصر
لِيطُلْ بقاؤك للمكارم والعُلىفربوعُهُنَّ معالمٌ لم تَدْثُرِ
ولْتَرْعَ عينُ الله منكَ حُلاحِلاًسبق الورى سبق الجواد المُحضِر
يحتاطُك التوفيقُ، لا يألوكَ فيتسهيله لكَ كلَّ صعبٍ أوعَرِ
وإذا دجَتْ ظُلَمُ الأُمور فلا تزَلْسبّاقَها بسراجِ رأيٍ أَنوَرِ
للَّه همَّتُكَ الخطيرةُ إنَّهاخُلقَتْ لِصَبٍّ بالعلى مُستهتَرِ
لِمؤَرَّقٍ في المجد مَضّاءٍ على الأَهوال ثَبْتٍ ما يُراعُ بمُسهِر
والمجدُ صعبُ المُرتَقى إلاّ علىيقظان في ذات الإلهِ مُشَمِّرِ
واري زِناد الفكر، وقّاعٍ بمايُبدي العِيانُ، على الخفيّ المُضمَر
شِيَمٌ نِظامُ المُلكِ مَخصوصٌ بهادلَّتْ على ملِكٍ كريم العنصُر
إنَّ العُلى ما بينَ كَفٍّ بَرَّةٍمنه ووَجهٍ بالطّلاقَةِ مُسفِرِ
عَلياؤُهُ ما يُستطاعُ مرامُهافلنُقللِ الحُسّادُ أَو فلتكْثِر
سيفَ الخِلافة لا تزَلْ عضْبَ الشَّباتَفري بحدَّيك الخطوبَ فتنفري
لو بان شخصُ المجد لمْ يَكُ في الورىإلاّك منه عليه عَقْدُ الخِنصَرِ
خُلُقٌ أبى إلاّ السماحَ سجيَّةًتتغيَّر الدُّنيا ولم يتغيَّر
ولقد سمعت وما سمعت بجائدفي عسرةٍ يُعطي عطاء الموسِر
ما روضةٌ غنّاءُ أَشراطيَّةٌأُنُفٌ يَنِمُّ بها نسيم العَبْهَر
ولِيَ الحَيا تدبيجَها فكأنَّهواشي رُقومٍ أو مقوِّمُ أسطُر
يختال جوُّ تِلاعِها ووِهادِهافي وارفٍ واصي النَّبات مُنوِّر
غَبَقَتْه سارية الغمائم واجتلىبالنَّوْر من صَوغِ الرَّبيع المُبكِر
مَعَجَتْ صَبا نجدٍ بها وكأنّمافضَّتْ خِتامَ التُبَّتِيِّ الأذْفَر
عبقاتِ نَوْرٍ لم تخل أنفاسهإلاّ بداهةَ نكهَةٍ من عنبَر
كصفات فخر الملكِ في إنشائهازهرَ الثناءِ بوَبْلِها المُستَمطِر
أّعَذولَ هذا البحر في بذل الندىما العذل إلاّ ضائعٌ في الأبحر
لَفِّقْ مَلامَكَ أو فذَره فلم تكنلِتَسُدَّ أُسْكوبَ الغمام المغزِر
أَلِفَ الجيادَ فما تزالُ جيادُهتردي إليه بكلِّ ذِمْرٍ مُعْوِر
تُدحى بأيدي الخيل هاماتُ العِدىفكأنَّهُنَّ لواعبٌ بالمَيسر
في كلِّ يومٍ يسترون عَجاجةًقصُرَتْ لِحاظُ الطَّير دون المنْسر
قد عُوِّدَتْ رِيَّ الأسنَّةِ، كلّماشكَتِ الغليل، من النجيع المُهْدَر
صارت مشارعُها مُتونَ سلاهِبٍلُحْقِ الأياطِل كالسَّعالى، ضُمَّر
من كلِّ يَعبوبٍ سما بتليلهعنُق كجِذْعٍِ من أراكٍ مُوبَر
مُستلحِقٍ أولى الطرائد، صارعٍللقِرْنِ في قتَم الغُبار الأكدَر
يُنثالُ في طلب العدوِّ كما أتىسنَدٌ بمَهوى سيلِه المُتحدِّر
وصوارمٍ بُتْر المضارب لم تقعإلاّ على تَرِب الجبين مُعَفَّر
من كلِّ أبيضَ ناطِقٍ في هامةٍتحكي خطيباً فوق صهوة مِنبَر
يكسو أديم الأرضِ صِبغةَ عَنْدَمٍلم تبدُ إلاّ عن دمٍ مُثْعَنْجِر
يبري أَكُفّاً ثمَّ يُتبِعُ أَذْرُعاًتحكي أنابيبَ القنا المُتكَسِّر
أَيَظُنُّ جندُ الشِّركِ عزمَكَ مُغفِلاًحَزَّ الطُّلى منهم وقطعَ الأبهَر
لَتساوِرَنهمُ بها مَلمومةٌبالأُسْدِ تذأَى في قناً وسَنَوَّر
فلَتَنْسِفَنَّهُمُ سطاك بعاصفٍيجتثُّ أصل المشركينَ بصَرصَر
وليجِلُبَنَّ ذوي القِسيِّ أَعدّهاللشِّرك كلُّ مُباسلٍ مُتنَمِّر
يقذفن في مُهَج الطُّغاة طوائراًبمثال أجنحة الجراد الطُّيَّر
حتى تغيبَ حجولُ خيلك في الوغىممّا تخوض من النَّجيع الأحمر
تدبيرُ مُعتزمٍ طلوبٍ ثأرَهبسيوفه طلبَ الهِزَبْر القَسْوَر
يا مُنفِد الأموال لا مُستبقياًلسوى مساعٍ كالنُّجوم النُّيَّر
عجباً لكفِّك كيف لا يخضرُّ ماتحوي عليه من الأصمِّ الأسمر
كشفتْ تجاربُكَ الزَّمانَ فعلَّمتْأهلَ التجارب كيفَ حَلْبُ الأشْطُر
ودّعت شهراً أنت في هذا الورىبعُلُوِّ قدرِكَ مثلُه في الأشهر
تقضي فروضَ الصّوم أكرمَ صائمٍوأهلَّ عيد الفطر أكرمَ مُفطِر
لا تعدَمُ الأعيادُ إن ألبسْتَهاببقائك الممدود أحسن منظر
فإذا سلمتَ فكلُّ عيدٍ عندنامُوفٍ على عيدٍ أغَرَّ مُشهَّر
دامت لكَ النَّعماءُ موصولٌ بهاتوفيقُ منصور اللّواء مُظفَّر

وأنشدني الأديب أبو محمد بن عتيق المصري الشاعر قدم من اليمن العراق وأقام بها، قال أنشدني ابن العلاّني:

وذي هَيَفٍ راقَ العيونَ انثناؤهبقدٍّ كرَيّانٍ من البانِ مُورِقِ
للشاعر ابن سعيد المغربي، اقرأ القصيدة
كتبتُ إليه هل: تروم زيارتيفوقّع: لا، خوفَ الرّقيب المُصَدَّق
فأيقنت من لا بالعناق تفاؤلاًكما اعتنقتْ لا ثم لم تتفرّق
للشاعر ابن سعيد المغربي، اقرأ القصيدة

من قصيدة لأبي الحسن علي بن العلاّني يمدح بها الأفضل ابن أمير الجيوش أوَّلها:

سل الربع عن أحبابنا أين يمَّموالئن ظعنوا عته فبالقلب خيَّموا

من مديحها:

لِيَزْدَدْ عُلُوّاً مُلْكُ مِصرَ فإنّهابه حَرَمُ الله العزيز المُحرَّمُ
فمكَّةُ مصرٌ، والحجيج وفودُهويمناه ركنُ البيت، والنيل زمزم
صفاتك ملُْ الخافقين فمُنْجِدٌيسير بها في كلِّ فَجٍّ ومُتهِمِ
وشاكرُ ما تولي مُقِرٌّ بعَجزهولو أنَّه في كلِّ عضوٍ له فم

وله:

عَجِبَتْ لِوَخْطِ الشَّيبِ عاذلَةٌ رأتْشِعراً تلفَّعَ بالبياض سوادُه
لا تعجبي ما شاب منه فَوْدُهإلاّ لِهَمٍّ شابَ منه فؤادُه

وله:

أَلَمْ تَعطِف على النَّضْو الطّريحِوطولِ تأوُّهِ القلب القريح
ولم ترحم صبابةَ ذي اشتياقٍغريق الجَفنِ بالدَّمع السَّفوح
ألا يا أحسنَ الثَّقلَينِ أَلاّنهاكَ الحسنُ عن فعل القبيح
أيا قلبي المعذَّبَ بالأمانيأَطعني تَنْجُ باليأس المُريح
ويا نظري طَمَحْتَ إلى بعيدٍفما للبدر والطَّرف الطَّموح
نصحتُك والهوى لكَ مُستزِلٌّيُريكَ الغِشَّ في رأي النصيح

وله:

إلى الله أشكو حبَّ أهيفَ فاتنٍوقعت فما لي من يديه خلاصُ
جرحْتُ بلَحظي خدَّهُ وهو جارحبعينيه قلبي، والجروح قِصاص

وله في الأفضل من قصيدة:

زارتْ وواشيها نسيمُ المَندَلِورقيبُها في الليل وِسواس الحُلي

ومنها:

وسمعتُ في الدنيا بسبعة أبحُرٍورأيتُ ثامنَها يمينَ الأفضل

وله من قصيدة في القاضي أبي مسلم وادع:

بالجِزع من إضَمٍ رُبوعٌ مُثَّلُدَرْسٌ وفيه لأُمِّ عمرو مَنزِلُ
فقفوا بنا نبكِ المرابعَ باللِّوىفمنازلَ الأحباب كانت فانزلوا
أبكي لأحبابٍ كأنِّي شاهدٌنجواهُمُ، وخيالَهُم أتخيَّلُ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.