من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
قاضي القضاة بالشام كمال الدين أبو الفضل محمد بن عبد الله
ابن القاسم الشهرزوري، سبق ذكر واله وشعره، وجلَّ أمر هذا وكبر قدره، وأقام في آخر عمره بدمشق قاضياً وواليا ومتحكماً ومتصرفاً، وهو ذو فضائل كثيرة، وفواضل خطيرة، وله نوادر مطبوعة، ومآثر مجموعة، ومفاخر مأثورة، ومقامات مشكورة مشهورةً، وله نظم قليل على سبيل التَّظرُّف والتَّطرُّف، فما أنشدني لنفسه في العلم الشاتاني وقد وصل إلى دمشق في البرد:
ولما رأيت البردَ أَلقى جِرانَهُوخيَّم في أرضِ الشَّآم وطنَّبا
تبيَّنتُ منه قَفْلَةً عَلَمِيَّةًتردُّ شباب الدهر بالبَرْد أشيبا
وقوله:
وجاءوا عِشاءً يُهرَعون وقد بدابجسميَ من داءِ الصبابة ألوان
فقال وكُلٌّ مُعظِمٌ ما رأى:أصابتك عينٌ؟ قلت: إنّ وأجفانُ
وقوله وأنشدنيه لنفسه بدمشق في ربيع الآخر سنة إحدى وسبعين وخمسمائة:
قلتُ له إذا رآه حَيّاًولامه واعتدى جِدالا
خَفِيَ نُحولاً عن المناياأَعرض عن حجَّتي وقالا:
الطيف كيف اهتدى إليهقلتُ: خَيالٌ أَتى خَيالا
ولي في كمال الدين قصائد، فإنَّني لمّا وصلت إلى دمشق في سنة اثنتين وستين سعى لي بكلِّ نَجْح وفتح عليَّ باب كلِّ منح، وهو يُنشدني كثيراً من منظوماته ومقطوعاته، فما أَثبتُّه من شعره قوله:
قد كنتَ عُدَّتِيَ التي أسطو بهايوماً إذا ضاقتْ عليَّ مذاهبي
والآن قد لوَّيْتَ عني مُعرضاًهذا الصدود نقيض صدّ العاتب
وأرى الليالي قد عبثْنَ بصَعدَتيفحَنَيْنها وأَلَنَّ منّي جانبي
وتركتَ شِلوي لليدين فريسةًلا يستطيع يردّ كفّ الكاسب
وقوله:
ولي كتائب أَنفاسٍ أُجهِّزُهاإلى جنابكَ إلاّ أنَّها كتبُ
ولي أحاديث من نفسي أُسَرُّ بهاإذا ذكرتك إلاّ أنَّها كِذبُ
ولكمال الدين الشهرزوري أيضاً:
أَنيخا جِمالي بأبوابهاوحطّا بها بين خُطَّابها
وقُولا لخَمّارها لا تَبِعْسِوايَ فإنِّيَ أَولى بها
وساوِمْ وخذْ فوقَ ما تشتهيوبادر إليَّ بأكوابها
فإنّا أُناس تسومُ المُدامَ بأموالها وبألبابها
وقوله:
ولو سلَّمَتْ ليلى غَداةَ لَقِيتُهابسفح اللِّوى كادت لها النفس تخشع
ولكنَّ حزمي ما علمتُ ولُوثةُ البداوَةِ تأبى أن ألين وتمنع
ولست امرءاً يشكو إليك صبابةًولا مقلةً إنسانُها الدَّهرَ يَدمَعُ
ولكنني أطوي الضُّلوعَ على الجَوىولو أَنَّها مِمّا بها تتقطَّع
وقوله: سَنّنّا الجاشِريَّةَ للبراياوعلَّمناهمُ الرِّطْلَ الكبيرا
وأكبَبْنا نَعَبُّ على البواطيوعطَّلنا الإدراة والمديرا
وقوله:
رأى الصَّمصام مُنصلتاً فطاشافلمّا أن فرى وَدجيه عاشا
وآنس من جناب الطّور ناراًفلابسَها وصار لها فَراشا
وأنشدني كمال الدين لنفسه بدمشق في ثالث ربيع الأول سنة إحدى وسبعين:
ولقد أَتيتكِ والنُّجوم رواصدٌوالفجرُ وهمٌ في ضمير المَشرق
وركبت مِ الأَهوالِ كلَّ عظيمةٍشوقاً إليك لعلَّنا أن نلتقي
قوله: والفجر وهمٌ في ضمير المَشرق، في غاية الحسن مما سمح به الخاطر اتِّفاقا، وفاق الكمال إشرافاً وإشراقا، وتذكَّر قول أبي يعلى ابن الهبّاريّة الشريف في معنى الصبح وإبطائه:
كم ليلةٍ بِتُّ مَطوِيّاً على حُرَقٍأشكو إلى النَّجم حتى كاد يشكوني
والصبح قد مطل الشرقُ العيونَ بهكأَنّه حاجةٌ في كفّ مسكين
يقع لي أنه لو قال: كأنّه حاجةٌ تُقضى لمسكينِ، لكان أحسن فإنَّها تمطل بقضائها. وشبَّهه كمال الدين بالوهم في ضمير المشرق وكلاهما أحسن وأجاد. وله يعرِّض بنقيب العلويين:
يا راكباً يطوي الفلابشِمِلَّةٍ حَرْفٍ وَخودِ
عرِّجْ بمشهَد كرْبَلاوأَنِخْ وعَفِّرْ في الصعيد
واقْرَ التَّحيَّةَ وادع ياذا المجد والبيت المشيدِ
أولادُك الأنجابُ فيأرض الجزيرة كالعبيد
أوقافهم وَقفٌ علىدَفٍّ ومِزمارٍ وعُودِ
ومُدامةٍ خُضِبَتْ بهاأيدي السُّقاة إلى الزّنود
ودَعِيُّ بيتكَ لا يُفَكِّرُ في الجحيم ولا الخلود
يَحتَثُّها وَردِيَّةًتُصبي النفوسَ إلى الخُدود
هو وابن عَصرونَ الطويل ويوسف النَّذل اليهودي
إن كان هذا ينتميحقَاً إلى البيت المَشيد
فإلى يزيد إلى يزيدِإلى يزيد إلى يزيدِ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع