من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
القاضي المرتضى
أبو محمد عبد اله بن القاسم بن المظفر بن علي بن الشهرزوري والد كمال الدين والقضاة الشهرزورية. القاضي من أهل الموصل، أحد الأئمة المشهورين، والفضلاء المذكورين، له شِعرٌ راقٍ ورَقَّ، معناه جَلَّ ودقَّ، مليح الوعظ، فصيح اللفظ، حسنُ السَّجع، لطيف الطَّبع، فاضلٌ عالم، من كلِّ ما يشين سالم، عبارتُه في شِعره عبرَت الشِّعرى العَبور، ورقَّته في نظمه أَصْبَتِ الصَّبا ورمت بالإدْبار الدَّبور، ضاعَ عَرفُه وما ضاع، وشاع فضله وذاع، له الخاطر المُطيع، القادر المُستطيع، قاضٍ قُضِيَ له بالفضل الوافر، وحاكمٌ حُكِمَ له بفطنة الخاطر، مرتضىً كلقبه، ما حواه من أدبه، كان يعظ ويحكم، وينثر وينظم. ووجدت من كلام القاضي المرتضى أبي محمد الشهرزوري رسالة سلك بها مسلك الحقيقة، وسبق أهل الطريقة، مشحونةً بأبياتٍ في رِقَّة السَّلسل والشَّمول، ودِقَّة الشَّمأَل والقَبول، فمنها قوله:
بدا لكَ سِرٌّ طال عنكَ اكتِتامُهُولاح صباحٌ كان منكَ ظلامهُ
فأنتَ حجاب القلب عن سِرِّ غيبهِولولاكَ لم يُطبَع عليه خِتامُه
وإن غِبتَ عنه حلَّ فيه وطنَّبَتْعلى مَنكِب الكشف المَصون خِيامُه
وجاء حديثٌ لا يُمَلُّ سماعُهُشهيٌّ إلينا نثرُه ونظامهُ
وقوله:
أهوى هواه وبعدي عنه بُغيَتُهُفالبعدُ قد صار لي في حبِّه أرَبا
فمن رأَى دَنِفاً صَبّاً أخا شجَنٍينأَى إذا حِبُّه من أرضه قَرُبا
وقوله:
وجالتْ خيولُ الغَدر في حَلبة الهجرِوفي شُعَبِ النُّعمى كمينٌ من المكرِ
وجاءت على آثار ذاك طلائعمن الصدّ نحو القلب قاصدةً تجري
فعاودتُ قلبي يسأَل الصبر وقفةًعليها، فلا قلبي وجدتُ ولا صبري
وغابت شُموسُ الوصل عني وأظْلَمَتْمسالكُهُ حتّى تحيَّرتُ في أمري
فما كان إلاّ الخطف حتّى رأَيتهامحَكَّمةً والقلبُ في رِبْقَةِ الأَسْر
وقوله:
وناح غرابُ البين في مأْتَمِ الهَجرِورقَّقَ حتّى شَقَ أثوابَه صَبري
وبانوا فكم دمعٍ من الأسر أطلقوانَجيعاً وكم قلبٍ أعادوا إلى الأسْر
فلا تُنكِرا خَلعي عِذاري تأَسُّفاًعليهم فقد أوضحتُ عندكمُ عُذري
وقوله على لسان الهوى للنفس وأعوانها، وينهاها عن طاعة هداها ويأْمرها باتّباع شيطانها:
كم عابدٍ في صَوْمَعَهْأَخليتُ منها مَوضِعَهْ
وخدَعْتُه من بعدِ أَنْقد ظنَّ أن لن أَخدعه
صارعتُه فأَرَيْتُهقبلَ التَّصادُمِ مَصرَعَهْ
وسلبتُهُ أحوالَهُوأَخذتُ أَنْفِسَ ما معه
وتركتُه في حَيرَةٍوحبسْتُ عنه أَدْمُعَه
وأَتى الصُّدودُ فبزَّهُثوبَ الوِصال وخلَّعَهْ
واجتاحَ حبلَ رجائهمن بعد ذاكَ وقطَّعه
فتقبَّلوا نُصحي لكمواستفرغوا فيه السَّعَهْ
فعدُوُّكم لا يستريحُ فجانِبوا معه الدَّعَهْ
وقوله:
يا قلبُ هل يرجع دهرٌ مضىيجمعنا يوماً بوادي الغضا
وباجتماع الشَّمل يقضي لنامن كان بالبين علينا قضى
فتصبحُ الآمالُ مُخضَرَّةًفيهم وقد هبَّ نسيمُ الرِّضا
ويرجع الوصل إلى وَصلناويصبح الإعراضُ قد أَعرضا
وقوله:
مالوا إلى هجرنا ومَلُّواومِنْ عُقود العهود حَلُّوا
وكلَّما قلتُ قد تدانَواشَدُّوا على العِيس واستقلّوا
فقال مَن منهمُ جَفاناواعتاضَ عنّا؟ فقلتُ: كُلُّ
قد حرَّموا وصلَهم عليناواستعذبوا الهجر واستحلُّوا
وقوله جواباً لمن ذكر أنه قال له: متى عهدك بقلبك؟:
فقلتُ عهدٌ بعيدُقدَّرْت وهو جديدُ
والصَّبر يَنقصُ مُذْ بانَ والبلاءُ يزيد
وليس في الأمر أَنّيأَشْقى وأَنْتَ سعيدُ
وقوله:
حلفتُ بربِّ البيتِ والرُّكن والحِجْرِلئن قدِم الأحبابُ من سفَر الهَجر
وعادوا إلى الإخلاص والصِّدق والصفاوحالوا عن الإعراض والصَّدِّ والغدر
وجاء نسيمُ الاختصاص مُبشِّراًتلقيتُهُمْ حَبواً على الخَدِّ والنَّحْر
ومرَّغتُ وجهي في التُّراب تذلُّلاًوقبَّلْتُ أَخفافاً بهم نحونا تسري
وأنشدتهم بيتاً قديماً نظمْتُهُوأخفيتُهُ خوفَ الأجانب في سرّي
إذا أنا لم أخلعْ عِذارِيَ فَرْحَةًبقُرْبِكُمُ أَهل الوفاء فما عُذري
وقوله:
وافى النَّسيمُ بنفحةٍنَشِطَتْ فؤادي من عِقال
مِسْكِيَّة أنفاسهاتُهدي الذَّكاءَ إلى الغوالي
واستعْجَمَتْ أَخبارُهافسألت أصحابي وآلي
عنها فحاروا في الجوابِ وما شَفَوا قَرَمَ السُّؤال
فسأَلتُهُمْ لمّا رأَيْتُ حجابهم عمّا بدا لي
هَمَّ الحبيبُ بأنْ يزورَ فهذه ريحُ الوِصالَ
وقوله على لسان القلب حين نَشِطَ من عِقاله، فقال بلسان حاله:
قد فكَّ عنّي كلَّ أغلالهِوحطَّ عنّي كلَّ أَثقاله
وجادَ بالفضل الذي لم يزليخُصُّ مَن شاءَ بأَفضالهِ
وقابلتْنا بعدَ ما أَعرَضَتْواحتجبَتْ أَوجُهُ إقبالهِ
وانقرضت دولة أعدائهِوعاودَ الملك إلى آلهِ
وصارَ مَن أَوحَشَهُ يأْسُهُمُبتهجاً في أُنْسِ آماله
وقوله:
كبِدَ الحسودُ تقطَّعيقد باتَ مَن أهوى معي
عادتْ حِبالُ وِدادهموصولةً فتقطَّعي
ونثرتُ يومَ وِصالهِمخزونَ ما أبقى معي
ما كان لي من شافعٍإلاّ الغليل وأدمُعي
قابلتُ قِبلة عِزِّهبتذَلُّلي وتخضُّعي
فأجابني بتلطُّفٍوتعطُّفٍ يا مُدَّعي
إنَّ المُحِبَّ جوابُهُخَلعُ العِذارِ إذا دُعي
وقوله:
قد رجعنا إلى الوفاومضت مدَّة الجَفا
والذي كدَّر الصّدودُ مِنَ الوصل قد صَفا
سُخطكمْ كان عِلَّتيورضاكمْ هو الشِّفا
أرشدوني بنظرةٍقد سئمنا التَعسُّفا
وقوله:
ومسرِفَةٍ في اللوم قلتُ لها مهلاًأفيقي فما عندي للائِمَةٍ أَهلا
جزِعْتُ بأن فارقتُ قوماً أَعِزَّةًعليَّ وأوطاناً تأَلَّفتُها طِفلا
ولو علمتْ مَن ذا تبدلت عنهمُلكانت بهذا اللوم لائمتي أولى
تعوَّضْتُ عن فانٍ بباقٍ لأنّنيرأيتُ رشاداً تركيَ العبد للمولى
وقوله:
صُدودٌ ما لهُ أَمَدُوصَبٌّ ما له جلَدُ
وقلبٌ بالظَّما كَلِفٌيرى ماءً ولا يرِدُ
كئيبٌ مُكمَدٌ دَنِفٌبمن ما مسَّه كَمَدُ
إذا ما رام لي حرباًفأعضائي له عُدَدُ
ولا يدنو ولا ينْأَىولا يُجدي ولا يَعِدُ
فيوماً نحن في سِلْمٍويوماً حربُنا تَقِدُ
ويوماً وصلُنا خُلَسٌويوماً هجرُنا مددُ
فلا وصلٌ ولا هجرولا قربٌ ولا بعدُ
وقوله:
بقلبي منهمُ عُلَقُودمعي فيهمُ عَلَق
وعندي منهمُ حُرَقُلها الأحشاءُ تحترق
ونحن ببابهم فِرَقُأذابَ قلوبَنا الفَرَقُ
وما تركوا سوى رمَقٍفليتهمُ له رمَقوا
فلا وصلٌ ولا هجرٌولا نومٌ ولا أرَقُ
ولا يأْسٌ ولا طمَعٌولا صبرٌ ولا قلَقُ
فليتهمُ وإن جارواولم يُبقوا عليَّ بقوا
فأفنى في بقائهمُوريحُ مودَّتي عبِقُ
كمثل الشَّمع يُمْتع مَنيُنادمُهُ ويَمَّحِقُ
أنشدني مجد العرب العامري له:
يا قلبي إلامَ لا يفيدُ النُّصْحُدَعْ مَزحَكَ كم هوىً جناه مَزْحُ
ما جارحة منك خلاها جرحُما تشعر بالخُمار حتّى تصحو
ووجدت مكتوباً في جزء: أنشدنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن القاسم بن الشهرزوري من أبيات لنفسه سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة:
قد جاءكم برداء الذُّلِّ مشتملاعبدٌ لكمْ مالكم مِن أسرِه فادِ
أَسكنتموه زماناً أرضَ هجركُمُفتاهَ فيها بلا ماءٍ ولا زادِ
وظلَّ من وَحشة الإعراض مُختبِطاًفي ظلمة الصّدِّ من وادٍ إلى وادِ
قتلتموني وأنتم أولياءُ دميفمن يطالب والفادي هو العادي
ووجدتُ في مجموعٍ له:
وما رحلوا إلاّ وقلبي أمامَهمْوما نزلوا إلاّ وكان لهم أرْضا
يميلوا إليهم حيث مالوا فإنَّهيرى طاعةَ المحبوب في حبِّه فرضا
وذكره أبو سعد السمعاني المروزيّ في مصنّفه فقال: أنشدني أبو طالب محمد بن هبة الله الضَّرير المَوصلي قال: أنشدني عبد الله بن القاسم الشّهرزوريّ لنفسه:
مُعلِّلَتي بالوصل طال ترَقُّبيأَريحي بيأْسٍ فالرَّجاءُ مُعذِّبي
ولا تخدعيني بالأماني فطالماأطلتِ ظَمائي ثمَّ كدَّرتِ مَشرَبي
تريدين قطعي بالوصال، وجفوةٌمع الودِّ أحظى، فاثبتي وتجنّبي
فإنَّ الجفا والهجر ليس بضائرٍإذا هو أبقى موضعاً للتَّعَتُّبِ
قال: وأنشدنا أبو طالب الضرير أنشدني عبد الله بن القاسم لنفسه:
شكوتُ إليها ما بقلبي من الجَوىفقالتْ: وهل أبقى الفراق له قلبا
فقلتُ: فلو نفَّسْتِ عنّي كربةًبقربِكِ قالت: ذاك يُغري بك الكربا
فقلتُ: انصفي في الحبِّ قالت: تعجباًوهل يطلب الإنصافَ من يدَّعي الحُبّا
فقلتُ: عذابي هل له فيكِ آخرٌفقالتْ: إذا ما صار مقترحاً عَذبا
فقلت: فهل لي في وصالكِ مَطمعٌفقالت: إذا ما شمسنا طلعَتْ غَربا
فقلتُ: فهل من زَورةٍ يجتني بهاثمارَ المُنى ظمآنُ قد مُنِعَ الشُّرْبا
فقالت: إذا ما غابَ عن كلِّ مَشهدٍوخاضَ حِياضَ الموتِ واستسْهَلَ الصَّعبا
وأصبح فينا حائراً ذا ضلالةٍيواصلُنا بُعداً ونجرُه قربا
فحينئذٍ إن فاز مِنّا برحمةٍوزارَ على عِلاّتِه زارَنا غِبّا
وقال: أنشدنا أبو طالب الضرير الموصلي: أنشدني عبد الله بن القاسم في الشمعة:
ناديتُها ودموعهاتحكي سوابق عَبرتي
والنارُ من زَفَرَاتهاتحكي تلهُّبَ زَفْرَتي
ماذا التنحُّبُ والبكاءُ فأعربي عن قصّتي
قالت: فُجعتَ بمن هَوِيتُ فمِحْنتي من مِنْحتي
بالنار فُرّق بينناوبها أُفرّق جملتي
وقال: أنشدنا أبو طالب الضرير: أنشدني عبد الله ابن القاسم لنفسه في الشمعة:
إذا صال البلا وسَطا عليهاتلقَّتْه بذُلٍّ في التَّواني
إذا خضعت تُقَطُّ بحُسْن مَسٍّفتحيا في المَقام بلا تَوانِ
كأنّي مثلها في كلِّ حالٍأموت بكم وتُحييني الأماني
وقال: أنشدني أبو عبد الله الحسين بن علي السلماني الحاسب الأنصاري: أنشدني عبد الله بن القاسم القاضي:
وا حسرتا إذ رحلوا غُدوَةًولا أُرى في جملة الظاعنينْ
قد قلتُ لمّا رحلوا عِيسَهميا ليتني كنتُ مع الراحلينْ
وا خجلتا إن لم أُطِقْ بَعْدَهمْتَصبُّراً من نظر الشامتين
ما حِيلتي إذ حالتي بَعدَهمحالُ شِمالٍ فارقتها اليمين
وقال: أنشدني أبو عبد الله الحسين بن علي بن سلمان الحاسب: أنشدنا القاضي أبو محمد لنفسه:
أسكّانَ نَعمان الأراك تيقَّنوابأنّكمُ في ربع قلبيَ سُكّانُ
ودوموا على حِفظِ الوداد فطالمابُلِيتُ بأقوامٍ إذا حُفِظوا خانوا
سلوا الليل عني مُذْ تباعد شخصُكمْهل اكْتحلت بالنوم لي فيه أجفانُ
وهل جردَتْ أسياف برق دياركمفكانت لها إلاّ جُفونيَ أجفانُ
وقال: أنشدني أبو عبد الله السلماني الحاسب: أنشدني أبو محمد الشهرزوري لنفسه بالموصل:
يا نديمي قَرِّبِ القَدَحاإنَّ سُكْرَ القوم قد طفحا
اسْقِنيها من معادنهاوَدَعِ العُذّال والنُّصَحا
قهوةً حمرا مُشَعْشَعَةًرقصت في كَأْسِها فرحا
لم تُدَنَّسْ بالمزاج ولوبُزِلت في الليل عاد ضُحى
والذي كانت تراودهنفسُه بالشُّحِّ قد سمحا
كان مَستوراً فحين دناكَأْسُها في كفّه افْتضحا
وبالإسناد، قال: أنشدنا أبو عبد الله: أنشدني أبو محمد لنفسه:
اِشرب فقد رقَّ النَّسيمُوانْعَمْ فقد راق النعيمُ
وانْظُرْ فقد غَفَلَ الرَّقيبُ ونام وانتبه النديمُ
واسْمح بما في راحَتَيْك وجُدْ فقد سَمح الغريمُ
وقال: أنشدنا أبو بكر محمد بن القاسم بن المظفّر الشهرزوري بالموصل: أنشدنا أخي أبو محمد عبد الله لنفسه:
ولائمةٍ لي على ما ترىبقلبيَ من غمرات الهمومِ
رويدك إنّ هموم الفتىعلى قدر همَّته لا تلومي
وقال: أنشدني أبو الحسن سعد الله بن محمد بن علي المقري لأبي محمد عبد الله بن القاسم:
هَبَّتْ رِياحُ وِصالهم سَحَرَاًبحدائقٍ للشَّوق في قلبي
واهْتَزّ عُودُ الوصلِ من طربٍوتساقطتْ ثمرٌ من الحبّ
ومضتْ خيول الهجر شارِدةًمَطرودةً بعساكر القُرب
وبدتْ شموس الوصل خارقةًبشعاعها لسُرادقِ الحُجْبِ
وصفا لنا وقتٌ أضاءَ بهوجهُ الرِّضا عن ظُلمة العَتْبِ
وبقيتُ ما شَيءٌ أُشاهدهُإلاّ ظننتُ بأنّه حِبّي
وله:
جعلتُ الخدَّ قِرطاسيودمعَ العين أنقاسي
وخَطّ الوجدُ بالزَّفراتِ ما تُمليه أنفاسي
إلي كم أنا في الحبّأُقاسي قلبك القاسي
وكم أَحْمِل ما تَجْنيعلى العينينِ والراس
وكم أغرِس آماليوما أجني سوى الياسِ
ذكر السمعاني أنه سمع أن القاضي أبا محمد توفي بعد سنة عشرين وخمسمائة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع