من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
المهذب ابن أسعد الموصلي
الفقيه المدرّس بحمص أبو الفرج عبد الله بن أسعد بن علي بن عيسى، ابن الدهان الموصلي. ما زلتُ وأنا بالعراق، إلى لقائه بالأشواق، فإنني كنت أقف على قصائده المستحسنة، ومقاصده الحسنة، وقد سارت كافيّتُه بين فضلاء الزمان كافة فشهدت بكفايته، وسجّلت بأن أهل العصر لم يبلغوا إلى غايته، فلما وصلتُ إلى حمص أوّل ما صحبت الملك العادل نور الدين ابن زنكي ﵀ منتصف صفر سنة ثلاث وستين جمعت بيني وبينه المدرسة، وحصلت لأحدنا بالآخر الأنسة، وشفيتُ بالرِيّ من رؤيته الغُلّة، ونفيت بالصحة العلة، وبسطته فانبسط، وحلَّ السفَط، وفضّ عن الدرِّ الصدف، وجلا عن البدر السُّدَف، وأنشد فأنشر الرِّمم، ونشد الحكم، ونثر الدر المنظوم، وأحضر الرحيق المختوم، وأظهر السر المكتوم، وأبرز الروض المرهوم، ونشر الوشي المرقوم، ورأيت المهذَّب مهذّب الروي، ذا المذهب القوي، في النظم السويّ، وهو ذو رويّة رويةّ بغير بديهة، وقريحة صحيحة بالنار شبيهة، جيد الفكر لا يُبْدَه، أيِّد الحلم لا يُسفه، جودته على الجِدّ مقصورة، وفائدته في الجيد محصورة، ورايته في الشعر منصورة، ومأثُرته في الأدب مأثورة، فأما الفقه فهو إمام محرابه، ومحزّب أحزابه، ومقدام شجاعته، ومُقدَّم جماعته، وسراج ظلامه، وسريجي أحكامه، وذُكاء ذَكائه، وغزالة سمائه، وغزّالي أسمائه، ورضوان جنّته، ودهّان جُنّته، وأما سائر العلوم فهو ابن بجدتها، وأبو عُذرتها وأخو بجدتها، والشعر من فضائله كالبدر في النجوم، والبازل في القروم، وصفناه به لشرط الكتاب، وأدخلناه وإن كان معدوداً من الأئمة المذكورين في هذا الحساب، بحر زاخر، وحبر فاخر، وناقد بصير، وعالم خبير، وجوهريٌّ لفرائد الفوائد مُروّج، وصَيْرَفيّ لنقود المزيفين مُبهرج، سائر الشعر، شاعر العصر، محسن النظم ناظم الحسن، لَسِن القوم وقويم اللسن، فيه تمتمة تسفر عن فصاحة تامة، وعقدة لسان تبين عن فقه في القول وبلاغة من عالم مثله علامة، ارتدى قناع القناعة أَنَفَاً من القُنوع، وانتأى عن جِمام الجماعة رِضاً ببرق حظّه اللموع، وأوى إلى كِسْرِ الانكسار، وانزوى في سِترِ الاستتار، ولبس خَميلةَ الخُمول، على أنه قِبلة القبول، وعُقلة العقول، ومَشْرَع المعقول المشروع، وموضع المحمول والموضوع.
فما أنشدني من شعره بحمص سنة خمس وستين القصيدة الكافية التي سارت له في مدح أبي الغارات طلائع بن رُزِّيك وأنفذها إليه بمصر فنفَّذ له الجائزةَ السنيّة، والعطيّة الهنيّة، وهي:
أما كفاكَ تلافي في تَلافيكاولست تَنْقِمُ إلاّ فَرْطَ حُبِّيكا
يا مُخجِلَ الغُصن ما يَثْنِيك عن مَلَلٍهوىً وكلُّ هواءٍ هبَّ يثنيكا
أصبحتُ للقمر المأسور في صَفْدَيْأَسْرٍ وللرِّشإ المملوك مَمْلُوكا
أَبِيتُ أَغْبِطُ فاهُ طِيبَ ريقتِهليلاً وأَحُسدُ في الصُّبحِ المَساويكا
يا حاملَ الراح في فيه وراحتِهدَعْ ما بكفّك رُوح العَيش في فيكا
أليسَ سِرُّكَ مستوراً على كلَفيفما يَضُرُّك أن أصبحتُ مهتوكا
وفيم تَغْضَب إن قال الوُشاةُ سَلاوأنتَ تعلمُ أني لستُ أَسْلُوكا
لا نِلْتُ وَصْلَك إن كان الذي زعَمواولا سقى ظمأي جودُ ابنِ رُزّيكا
هادي الدعاة أبي الغارات خير فتىًأدنى عَطِيّاتِه أقصى أمانيكا
القاتِل الألْف يلقاهُم فيَغلِبُهمْوالواهبِ الألف تلقاه فيُغْنيكا
على أنه مأخوذ من قول بعضهم:
القاتل الألف إلاّ أنها أُسُدٌوالواهب الألف إلاّ أنها بِدَرُ
قد نظمت أنا في قصيدة طويلة هذا المعنى ووفّيتُ الصنعة حقّها بحيث لا يعوزها في الكمال شيء وهو:
في حالتَيْ جودٍ وبأسٍ لم يزلْللتِّبر والأعداءِ منك تَبارُ
تَهَبُ الألوفَ ولا تهاب أُلوفَهُمْهان العدوُّ لديك والدينارُ
رجعنا إلى القصيدة:
يا كاشفَ الغُمّة الكُبرى وقد نَزَلَتْبشَعْب شَمْلِ العُلا لولا تَلافيكا
بَرَّزْتَ سَبْقَاً فما داناك في أَمَدٍخَلْقٌ قديماً ولا خَلْقٌ يُدانيكا
أَرَتْ مساعيك سُبْلَ المجدِ جاهِلَهافَلَوْ سعى كان أيضاً من مَساعيكا
يخافُك المَلْكُ ناءٍ عنك مَنْزِلُهويُقْتِرُ المرءُ عن بُعدٍ فَيَرْجوكا
يَشْكُو إليكَ بنو الآمال فقرَهُمُفينْثَنون وبيتَ المال يَشْكُوكا
وَفَيْلَقٍ يملأُ الأقطار ذي لَجَبٍيُضْحي له ثابتُ الأطْوادِ مَدْكُوكا
من كلِّ أَغْلَب تلقى عِرْضَه حَرَمَاًمُوَفَّراً وتُلاقي المالَ مَنْهُوكا
سَنَّ الحديدَ على كالماءِ شَيَّعَهُمثلُ الحديد براه الله فِتّيكا
صُمٌّ عن الذّامِ لا يَأْتُون داعيَهُفإن دعوتَ إلى حربٍ أجابوكا
بَعَثْتَهُم نحو جيش الشِّركِ فانْبعثوايَرَوْنَ أَكْبَرَ غُنْمٍ أنْ أطاعوكا
ساروا إلى الموتِ قُدماً ما كأنَّهمُرَأَوْا طريق فِرارٍ قَطُّ مَسْلُوكا
فأوردوا السُّمْرَ شُرْباً من نحورِهمُوأوطأوا الهامَ بالقاع السَّنابيكا
ضَرْبَاً وَطَعْناً يَقُدُّ البِيضَ مُحْكَمةًويَخرُقُ الزَّرَدَ الماذِيَّ مَحْبُوكا
وباتَ في كلِّ صُقْعٍ من ديارِهُمُنَوْحٌ على بَطلٍ لولاك ماشِيكا
أَمْسَوْا ملوكاً ذوي أَسْرٍ فصَبَّحَهمْأُسْدٌ أَتَوْكَ بهم أسرى مَماليكا
ولم يَفُتْهُمْ سوى من كان مَعْقِلُهمُطَهَّماً حَثّهُ ركْضاً وتحريكا
يا كَعْبَةَ الجود إن الفقر أَقْعَدنيورِقّةُ الحال عن مفروضِ حَجّيكا
قد جادَ غاديك لي جَوْدَاً وأطمَعنيسماحةٌ فيك في استسقاء ساريكا
مَن أَرْتَجي يا كريمَ الدهر تَنْعَشُنيجَدْوَاه إنْ خاب سَعْيِي في رَجائيكا
أأمدحُ التُّرْكَ أبغي الفضلَ عندهمُوالشعرُ ما زال عند التُّرْك مَتْرُوكا
أمْ أَمْدَحُ السُّوقَةَ النَّوْكى لرِفْدِهمُوا ضيعتا إن تخَطَّتني أياديكا
لا تتركنّي، وما أمّلتُ في سفريسواك، أُقْفِل نحو الأهل صُعْلوكا
أرى السِّباخَ لها رِيٌّ وقد رَضِيَتْمنك الرِّياض مُساواةً وتشريكا
ولما وصل الملك الناصر صلاح الدين يوسف من مصر إلى الشام بعد نور الدين في سنة سبعين وخيّم بظاهر حمص وقصده المهذَّب ابن أسعد بقصيدة قال القاضي الفاضل لصلاح الدين هذا الذي يقول:
والشعر ما زال عند الترك متروكا
فعجّل جائزته لتكذيب قوله وتصديق ظنّه فشرّفه وجمع له بين الخِلعة والضيعة.
وكان قد أنشدني أبياتاً من هذه القصيدة قبلُ ولا شك أنه أتمّها في مدحه وهي:
ما نامَ بعد البَيْن يَسْتَحلي الكَرىإلاّ ليطرُقَه الخَيالُ إذا سرى
كَلِفُ بقُرْبِكُمُ فلمّا عاقهُبُعْدُ المَدى سلك الطريقَ الأخَصْرا
ومنها:
ومُودَّعٍ أَمَّ التَّفَرُّقُ دمعَهُونهتْهُ رِقْبَةُ كاشحٍ فتحيَّرا
يبدو هلالٌ من خلال سُجوفِهلولا مُحاذَرَةُ العيون لأبدرا
ومنها في المديح:
تُردي الكتائبَ كُتْبُهُ فإذا غدتْلم تَدرِ أَنْفذَ أَسطراً أمْ عَسكرا
لم يَحْسُنِ الإترابُ فوقَ سُطورهاإلاّ لأنَّ الجيش يَعقُدُ عِثْيَرا
قال: هذا معنى ما سُبِقْتُ إليه. وللأستاذ أبي إسماعيل الطُّغرائي من قصيدة وقد ألَمَّ بالمعنى وأحسَن:
عليها سُطورُ الضَّرْبِ يَعجُمها القَناصحائف يغشاها من النَّقْع تَتريبُ
وأنشدني أيضاً لنفسه:
كم في العِذار إلى العُذَّال لي عُذُرُوكم يُحاورُهمْ عن لومِيَ الحَوَرُ
وكم أرى عندهم من حبِّه خبَراًيرويه عن مُقلَتّيَّ الدَّمْعُ والسَّهَرُ
يبغونَ بالعَذْل بُرئي من علاقتهوالقولُ يُصلِحُ من لم يَجرحِ النَّظَرُ
قالوا تركتَ البوادي قلت حُبُّهُمُمحرَّمٌُ حظَرَتْه التُّركُ والحضَرُ
ما منزل الحيِّ من قلبي بمنزِلَةٍولا لآثار ظَعنٍ عنده أثَرُ
ولا أُعلَّقُ مَحبوباً يُساعدُهعلى الصُّدود سُتورَ الخِدرِ والخُمُرُ
أَميلُ عن حُسْنِ وَجه الشَّمس مُستتراًإلى مَحاسِنَ يجلوها ليَ القمر
قضيبُ بانٍ على أَعلاه بَدرُ دُجىًمن أينَ لِلبانِ هذا الزَّهرُ والثَّمَرُ
وأنشدني له من قصيدة في مدح الملك الصالح طلائع بن رُزِّيك:
إذا لاحَ بَرقٌ من جَنابكَ لامِعٌأَضاءَ لِواشٍ ما تُجِنُّ الأضالِعُ
تَتابع لا يحتَثُّ جَفني فإنَّهبدا فتَلاهُ دَمعِيَ المُتتابع
فإن يكنِ الخِصْبُ اطَّباكُمْ إلى النَّوىفقد أَخصبَتْ من مُقلَتّيَّ المَرابع
مطالع بَدرٍ منذُ عامَين عُطِّلَتْوما فقدَتْ بَدراً لذاكَ المَطالع
وسِرُّ هوى هَمَّتْ بإظهاره النَّوىفأمسى وقد نادتْ عليه المَدامِعُ
ولمّا برَزنا للوداع وأَيْقَنَتْنُفوسٌ دهاها البَيْنُ ما اللهُ صانِعُ
وقفنا ورُسْلُ الشَّوقِ بيني وبينهاحَواجِبُ أَدَّتْ بثَّنا وأصابع
فلا حُزننا غَطَّى عليه تَجَلُّدٌولا حسنُها غطَّتْ عليه البراقع
أَتنسَينَ ما بيني وبينكِ والدُّجىغِطاءٌ علينا والعيونُ هواجع
وهَبْكِ أَضَعْتِ القلبَ حين ملكْتِهتَقي في العهود اللهَ فهي ودائع
تمادى بنا في جاهليَّة بُخلِهاوقد قام بالمعروف في الناس شارع
وتَحسَب ليلَ الشُّحِّ يمتَدُّ بعدَمابدا طالعاً شمسُ السَّخاء طلائع
وأنشدني له ما نظمه في صباه وهو في المكتب في مَرثيَة صبيٍّ كان في الكتّاب معه:
أَمسيتَ تحت الأرض تُرغِبُ في الأسىمَن كان نحوك في الحوائجِ يَرغَبُ
يَهدي إليك بِعَرْفه طيبُ الثَّرىمَن كان يهديه الثَّناءُ الطَّيِّبُ
وأنشدني له قصيدةً عملها في الملك العادل نور الدين محمود بن زَنكي ﵀ سنة أغارت الإفرنج على مُعسكره ومخيَّمه بالبقيعة تحت حصن الأكراد وكانت نوبة عظيمة على المسلمين وأَفْلَتَ في فَلٍّ من عسكره، وهذا أحسن ما سمعته في مدح مَنْ كُسِرَ وعُذِر، ولقد وافق العذر ما ذكر، واتصف بعد ذلك وانتصر، ونال الظَّفر:
ظُبى المَواضي وأطرافُ القنا الذُّبُلِضَوامنٌ لكَ ما حازوه من نَفَل
وكافلٌ لكَ كافٍ ما تحاولُهُعِزٌّ وعَزْمٌ وبأْسٌ غير منتَحَل
وما يَعيبُك ما نالوه من سَلَبٍبالخَتْلِ، قد تُوتَرُ الآسادُ بالحِيَل
وإنَّما أَخلَدوا جُبناً إلى خُدَعٍإذا لم يكن لهم بالجيش من قِبَلِ
واستيقظوا وأَرادَ الله غفلتَكُمْليَنْفُذَ القدر المحتوم في الأزل
حتى أتَوْكُمْ ولا الماذِيُّ من أَمَمٍولا الظُّبى كثَبٌ من مُرهَقٍ عَجِل
فناً لقىً وقِسِيٌّ غيرُ مُوترَةٍوالخيلُ عازبَةٌ تَرعى مع الحَمَل
ما يصنعُ الليثُ لا نابٌ ولا ظُفُرٌبما حواليه من عُفْرٍ ومن وُعُل
هلاّ وقد ركِبَ الأُسْدُ الصُّقورَ وقدسَلُّوا الظُّبى تحتَ غاباتٍ من الأَسَل
من كلِّ ضافيةِ السِّربال صافية الْقِذافِ بالنَّبْل فيها الخَذْفُ بالنَّبَل
وأصبحوا فِرَقاً في أرضِهم بَدَداًيَجوسُ أَدناهُمُ الأَقصى على مَهَل
وإنَّما هم أضاعوا حزمَهُمْ ثِقةًبجَمْعِهِمْ ولَكَمْ من واثِقٍ خَجِل
بني الأَصافِرِ ما نلتُمْ بمَكرِكُمُوالمَكْرُ في كلِّ إنسانٍ أَخو الفشل
وما رجعتم بأسرى خابَ سعيُكُمُغير الأراذِل والأتباع والسَّفَل
سلبْتُمُ الجُرْدَ مُعراةً بلا لُجُمٍوالسُّمْرَ مَركوزَةً والبيضَ في الخِللِ
هل آخِذُ الخيل قد أَرْدى فوارسَهامِثالُ آخذِها في الشَّكْل والطِّوَل
أم سالب الرُّمح مَركوزاً كسالبِهوالحربُ دائرةٌ، من كَفِّ مُعتقِلِ
جيشٌ أصابتهُمُ عينُ الكمال ومايَخلو من العين إلاّ غيرُ مُكتمِل
لهم بيَوم حُنَيْنٍ أُسوَةٌ وهُمُخيرُ الأنام وفيهم خاتَمُ الرُّسل
سيقتضيكم بضَربٍ عندَ أَهوَنِهأَلْبِيضُ كالبَيْضِ والأدراع كالحُلَلِ
كان كما ذكَر، فإنَّ الإفرنج بعد ذلك بثلاثة أشهرٍ كُسِروا على حارم وقُتِل في معركة واحدة منهم عشرون ألفاً وأُسِر من نجا وأُخِذَ القَومَس والإبرنس وجميع ملوكهم، وكان فتحاً مبيناً ونصراً عظيماً، وتمام القصيدة:
ملْكٌ بعيدٌ من الأدناس ذو كَلَفٍبالصِّدق في القول والإخلاص في العمل
فالشمس ما أصبحت والشمسُ ما أَفلَتْوالسيفُ ما فُلَّ والأطوادُ لم تزُلِ
كم قد تجلَّت بنور الدين من ظُلَمٍللظلم وانجابَ للإضلال من ظُلَل
وبلدةٍ ما ترى فيها سوى بطلغزا فأضْحَتْ وما فيها سوى طلَل
قل لِلمُوّلِّينَ كُفُّوا الطَّرْفُ من جُبُنٍعند اللقاء وغُدّوا الطرف من خجل
طلبتُمُ السَّهل تبغونَ النَّجاةَ ولَولُذْتُمْ بمَلْكِكُمُ لُذْتُم إلى جبل
أَسْلَمتموه ووَلَّيْتُم فسلَّمَكُمْبثَبْتَةٍ لو بغاها الطَّوْدُ لم يَنَل
مُسارعينَ ولم تُنْثَلْ كنائنُكُموالسُّمرُ لم تبتَذَل، والبيضُ لم تُذَلِ
ولا طرقْتُمْ بوَبْلِ النَّبْل طارقَةًولا تعلَّقتِ الأَسيافُ في القُلَل
فقام فرداً وقد ولَّتْ جحافِلُهُفكان من نفسه في جَحفَلٍ زَجِل
في مَشهدٍ لَو لُيوثُ الغِيل تشهدُهخرَّت لأذقانها من شِدَّة الوَهَل
وسْطَ العِدى وحدَه ثَبْتَ الجِنان وقدطارت قلوبٌ على بعدٍ من الوجل
يعودُ عنهم رويداً غيرَ مُكترثٍبهم وقد كَرَّ فيهم غيرَ مُحتفل
يزدادُ قُدْماً إليهم مِن تَيَقُّنِهأنَّ التَّأَخُّرَ لا يحمي من الأجَل
ما كان أَقربَهُم من أسر أَبعدِكُمْلو أَنَّهم لم يكونوا منه في شُغُل
ثباتُه في صُدور الخَيل أَنقذكُمْلا تَحسِبوا وثَباتِ الضُّمَّرِ الذُّلُلِ
ما كلَّ حينٍ تُصابُ الأُسْدُ غافلَةًولا يصيبُ شديدَ البَطشِ ذو الشَّلَلِ
واللهُ عونُكَ فيما أنتَ مُزمِعُهكما أعانكَ في أيّامِكَ الأُوَلِ
كم قد ملكْتَ لهم مُلْكاً بلا عِوَضٍوحُزْتَ من بلدٍ منها بلا بدل
وكم سقيتَ العوالي من طُلى مَلِكٍوكم قريتَ العوافي من قَرا بطَل
وأَسْمَرِ من وريد النَّحر مَوردهُوأَجْدَل أكله من لحمِ مُنجَدِل
حصيدُ سيفكَ قد أَعفيتَه زمناًلو لم يَطُلْ عهدُه بالسيف لم يَطُلِ
لانكَّبَتْ سهمَكَ الأقدارُ عن غرَضٍولا ثُنُتْ يدَكَ الأَيّامُ عن أَمل
ومن شعره في الصالح ابن رُزِّيك قصيدةٌ أَرادَ قصده بها ثم أنفذها إليه، أوّلها:
أَيرْجِعُ عَصرٌ بالجزيرة رائقُتَقَضَّى وأبقى حَسرةً ما تُفارِقُ
لياليَ أبكارُ السُّرور وعَونُهُهدايا وأُمّاتُ الهموم طَوالق
إذا قلتُ يصحو القلبُ من فَرط ذِكرِهدعا هاتفٌ في الأَيْكِ أو لاح بارِقُ
ومنها:
تركْنا التَّشاكي ساعةَ البين ضِلَّةًولا غروَ يومَ البينِ إن ضلَّ عاشق
فلا لذَّة الشكوى قضينا ولا الذيسترناه أَخْفَتْه الدُّموع السَّوابِقُ
فمن لؤلؤٍ شَقَّ الشَّقيقَ مُبدَّداًووَرْسٍ جرَتْ سَحّاً عليه الشقائق
إذا نحن حاولنا التَّعانُقَ خُلسَةًعَلانا الزَّفير والقلوبُ خوافق
ومنها:
وزائرةٍ بعد الهُدُوِّ وبيننامَهامِهُ تُنضي رَكبَها وسَمالِقُ
تعجَّبُ من شَيبٍ رأتْ بمَفارقيوهل عجبٌ من أنْ تشيبَ المَفارِقُ
وقالتْ وفَرْطُ الضَّمِّ قد هدَّ مِرْطَهاولُزَّتْ ثُدِيٌّ تحتَها ومَخانِق
أَتُسليكَ عنّا كاذباتٌ من المُنىوما خِلتُ تُسليكَ الأماني الصَّوادِقُ
متى نلتقي في غيرِ نومٍ ويشتكيمَشوقٌ وبُشْكي من جوى البين شائق
ثِقي بإيابي عن قريبٍ فإنَّنيبجُودِ ابن رُزِّيكٍ على القربِ واثق
هو البحرُ فيه درُّه وعُبابُهوصوبُ الحَيا فيه النَّدى والصَّواعِقُ
أخو الحَرب ربُّ المكرمات أبو النَّدىحليف العُلى صَبٌّ إلى العُرف تائقُ
يُنال الحَيا من بحره وهو نازحٌويَدنو الجَنى من فَرعِه وهو باسِق
ومنها في حكاية وزير المصريين عباس وكونه قتل ظافرهم وجماعة من أعمامه بالقصر، وجاء ابن رزِّيك فأخذ بالثّأْر منه:
ولمّا رأى عبّاسُ لِلغدر مَذهباًوأظهرَ ما قد كان عنه يُنافِقُ
وأنفق من إنعامِهم في هلاكهمجزاءً به عَمري خَليقٌ ولائق
ومدَّ يداً هم طوَّلوها إليهمُوحلَّت بأهل القصر منه البوائق
دعَوْكَ فلبَّيْتَ الدُّعاء مُسارعاًوفرَّجْتَ عنهم كَربَهُمْ وهو خانق
وجاوبْتَهُم عن كتْبهم بكتائبٍتَمُرُّ بها مَرَّ السّحاب السَّوابق
وفرَّ رجاءً أنْ يفوتَ شَبا الظُّبىفعاجلَه حَيْنٌ إليهنَّ سائق
وقدَّر أنْ قد خلَّفَ الحتفَ خلفَهوقدّامَه الحَتْفُ المُوافي الموافِقُ
سقى ربَّه كأسَ المنايا وما انقضىله الشَّهر إلاّ وهو للكأس ذائقُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع