تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

الرئيس أبو الحسن علي بن مُسْهِر المَوصلي

عاش إلى زماننا هذا، ولما كنت بالموصل في سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة صادفته شيخاً أناف على التسعين وقال علم الشاتاني: توفي ابن مُسهر سنة ست وأربعين. أبو عُذرة النظم وابن بَجْدَتِه، ومُفتَرِع عذارى الكلام وفارس نجدته، وفارع مَراقب البيان وراقي مراقيه، وإنسان طرف الفضل ومقلة مآقيه، ونافث سحر البلاغة وراقيه، أعرق وأشأم، وأنجد وأتْهم، فهو السائر المقيم، كأنما تنسّم رقّته النسيم، وسرق حُسنه السّرَق، وغبط وضوح معانيه الفلق، وكأنما ألفاظه مدامة تُعَلُّ بماء المُزن، ومعانيه سُلافةٌ فيها جلاء الحُسن، أصفى من دَرِّ السحاب، وأجلى من دُرِّ السِّخاب، وأضفى من بُرد الشباب، وأحلى من برد الشراب، فابن مُسهرٍ مُسهرُ المعاصرين حسدا، ومميت القاصرين عن شأوه كمدا، قرأت في مجموع لأبي الفضل بن الخازن، أنشدني ابن مُسهر لنفسه:

رِدُوا ترابك دَمْعِي فهي غُدرانُونَكِّبوا زَفَرَاتي فهي نيرانُ
وإنْ عَدَتْكُمْ سَواري الحَيِّ فانتجعواما روَّضَتْ من ثرى الأطلال أجفانُ
بانوا فأرْسلتُ في آثارِهمْ نَفَسَاًترَنَّحَ الأَيْكُ منها وانْثنى البانُ
لم أَدْرِ عَوْجَاءُ مِرْقالٌ بسهم نوىًأَصْمَت فؤاديَ أم عَوْجَاء مِرْتانُ
إني لَأَعجبُ من سُمْرٍ مُثَقَّفَةٍجَنَوْا بها شَهْدَ عِزٍّ وهي مُرّانُ
والغِيدُ إنْ تَرْنُ نحوَ السِّرْبِ مائلةًقلت اشْرَأَبَّتْ إلى الغِزلانِ
أو تستظِلَّ غصون البان كانِسَةًنَقُلْ تفَيَّأَت الأغصانَ أغصانُ
وإن يَنَمْنَ على كُثْبِ النَّقا لعباًنَقُلْ توَسَّدَتِ الكُثبانُ كُثْبانُ
يا ذا السياسةِ لو يومَ الرِّهانِ بهافَتَكْتَ ما احْتَرَبَتْ عَبْسٌ وذُبْيانُ
والحزمِ لو علمت لِحْيان أَيْسَرَهلما نجا ثابِتٌ والموت خَزْيَانُ
والفضلِ لو لعَبيدٍ من بدائعِهِبَدَتْ تلَقّاه بالنَّعْماءِ نُعمانُ
وذا الكتابة لو عبدُ الحميدِ لهاأودى بمُلك بني العباس مروانُ

على أنّي سمعتُ أن هذه القصيدة مسروقة من غيره. وهي قصيدة طويلة، لها على جمع قصائد فضيلة، قد سارت في الآفاق، وسافرت من خراسان إلى العراق، ولم يقع إليّ منها غير هذه الأبيات، المخصوصة بالإثبات.

وقرأت في مجموع هذين البيتين، إلى ابن مُسهر منسوبين، وهما في عدّة العَين، ونضرةِ اللُّجين، معناهما رقيق، ولفظهما سَلِس بالثناء عليه حَقيق:

أُعاتِبُ فيكِ اليَعْمَلاتِ على السُّرىوأسأَلُ عنكِ الريحَ إنْ هيَ هَبَّتِ
وأُمْسك أحناءَ الضلوع على جوىًمُقيمٍ وصبرٍ مستحيلٍ مُشَتَّتِ

وقرأت في تاريخ السمعاني: سمعتُ أبا الفتح عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن الأخوّة البغدادي بأصفهان مُذاكرةً يقول: رأيت في المنام كأنّ مُنشِداً يُنشدني هذين البيتين، أحدهما وأعجب من صبري، والآخر وأُطبِق أحناء الضلوع، فلما انتبهت جعلت دأبي البحث عن قائل هذه الأبيات، ومضت عدة سنين، واتفق نزول الرئيس أبي الحسن بن مُسهر الموصلي في ضيافتي، فتجارَينا في بعض الليالي ذكر المنامات وذكرت له حال المنام الذي رأيته وأنشدته البيتين فقال أقسم أنهما لَمِنْ شعري من جملة قطعة، ثم أنشدني لنفسه:

إذا ما لسانُ الدَّمع نَمَّ على الهوىفليس بسِرٍّ ما الضلوعُ أجَنَّتِ
للشاعر جعفر الخرسان، اقرأ القصيدة
فواللهِ ما أدري عَشِيَّةَ وَدَّعتْأناحتْ حَماماتُ اللِّوى أمْ تغنّتِ
للشاعر جعفر الخرسان، اقرأ القصيدة
وأعجب من صَبري القَلوصَ التي سَرَتْبهَودَجِكِ المَزْمومِ أنّى استَقَلَّتِ
للشاعر جعفر الخرسان، اقرأ القصيدة
أُعاتِبُ فيكِ اليَعْمَلاتِ على الونىوأسألُ عنكِ الريح إن هيَ هبَّتِ
وأُلصِقُ أحناءَ الضلوعِ على جوىًجميعٍ وصبرٍ مُستَحيلٍ مُشَتَّتِ

ثم أنشدني علم الدين الشاتاني عنه هذه الأبيات. وأنشدني المعلم الشاتاني لابن مُسهر:

حَسَرَتْ عن يَوْمِنا النُّوَبُواكْتسى نُوّارَهُ العُشُبُ
واستقامت في مجَرَّتِهابالأماني السبعَةُ الشُّهُبُ
يا خليلي أين مُصْطَبَحٌفيه للَّذّاتِ مُصْطَحَبُ
وثُغورُ الزهر ضاحكةٌودُموع القَطْر تَنْسَكِبُ
ولنا في كلِّ جارحةٍمن غِنا أطيارِهِ طرَبُ
اسقِنيها بنتَ دَسْكَرةٍوهي أمٌّ حين تَنْتَسِبُ
خَنْدَريسٌ دون مُدَّتِهاجاءتِ الأزمان والحِقَبُ
طاف يَجْلُوها لنا رَشأٌقَصُرَتْ عن لحظه القُضُبُ
أَوْقَدَتْها نارُ وَجْنَتِهفهي في كَفَّيْهِ تلتهبُ
ولها من ذاتها طَرَبُفلهذا يَرْقُصُ الحبَبُ
للشاعر الأبيوردي، من قصيدة «بأبي ريم تبلج لي»

هذا البيت الأخير كنت أعلم أنه للأبِيوَرْدي من قطعةٍ أولها:

بأبي ظَبْيٌ تبلّج ليعن رضا في طَيِّه غَضَبُ
وأراني صُبْحَ وَجْنَتِهبظلام الليل يَنْتَقِبُ

ثم ذكر لي كمال الدين أنه كان إذا أعجبه معنىً لشاعر أو بيتٌ له عمل عليه قصيدة وادّعاه لنفسه.

واجتمع هو والأبيوَرْدي وهو لا يعرف ابنَ مُسهِر فجرى حديث ابنِ مسهر وأنه سرق بيت الأبيوردي فقال ابن مسهر بل الأبيوردي سرق شعري.

وأنشدني المهذَّب لابن مُسهر أيضاً:

هَجَرَتْ يدي فضلَ اليراعِ، وذَمَّها السيفُ القَطوعُ

وشَكا مخاطبتي النديمُ وذمَّني الضيفُ القَنوعُ

ونفى همومي عن طِلابِ العِزِّ مَطْلَبُهُ المنيعُ
إن لم أُجَشّمْها الطُّلوعَ بحيث أَنْجُمها طُلوعُ

وأنشدني المهذّب علي بن هدّاف العُلَثِيّ ببغداد سنة ستين للمهذّب ابن مُسهر الموصلي من قصيدة طويلة:

هي المواردُ بين السُّمْرِ والحَدَقِفَرِدْ فإنّ المنايا مَوْرِدُ الأَبِقِ
وأطْيَبُ العيش ما تَجنيه من لَغَبٍوأعذبُ الشُّربِ ما يَصفو من الرَّنَقِ
يا دارُ دَرَّتْكِ أخْلاف الغَمام علىمَرِّ النسيم بجاري الغرب مُنْبَعِقِ
وإن عدَتْكِ أخْلاف الغَمام فانْتجعيما رَوَّضَ الأرضَ من أجفان ذي حُرقِ

ومنها في صفة الفهد أبيات مُستحسنة أنشدنيها غيره، الأبيات التي فيها في وصف الفهد:

من كلِّ أَهْرَتَ بادي السُّخطِ مطَّرِحِ الحياءِ جَهْم المُحَيّا سَيِّئَ الخُلُقِ

والشمسُ مُذْ لقّبوها بالغَزالةِ لمتَطْلُع على وجهه إلاّ على فَرَقِ
ونَقِّطَتْهُ حِباءً كي تسالمَهاعلى المنون نِعاجُ الرَّمل بالحَدَقِ

قال قاضي القضاة كمال الدين الشهرزوري: هذه الأبيات سرقها من ابن السراج شاعرٌ بصور، ما أبدل إلاّ قوله القافية حيث يقول:

والشمسُ مُذْ لقّبوها بالغَزالةِ لمتَطْلُعْ لخَشْيَتِه إلاّ على وَجَلِ
ونَقِّطَتْهُ حِباءً كي تسالمَهاعلى المنون نِعاجُ الرَّمل بالمُقَلِ

قال: ومن قصيدة ابن مُسهر في وصف الخيل:

سودٌ حوافرها بيضٌ جحافلُهاصِبْغٌ توَلَّدَ بين الصُّبْحِ والغَسَقِ
من طولِ ما وطئتْ ظَهر الدُّجى خَبباًوطولِ ما كَرَعَتْ من مَنْهَلِ الفَلَقِ

وأنشدني المرتضى لابن مُسهرٍ من قصيدة أولها:

الوجدُ ما قد هيّج الطَّللانِمِنّي وأذكَرني حَمامُ البانِ
أنا والحمائم حيث تَنْدُبُ شَجْوَهافوق الأرائكِ سُحْرَةً سِيّانِ
فأنا المُعنّى بالقُدودِ أما لهاشَرْخُ الشباب وهُنَّ بالأغصانِ

ومنها أنشدنيها التاج البلطي:

فافْخَرْ فإنك من سُلالةِ مَعْشَرٍعقدوا عمائمهم على التيجانِ
كلُّ الأنام بَنُو أبٍ لكنّمابالفضل تُعرَفُ قيمةُ الإنسانِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.