من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الرئيس أبو طالب الحسين بن محمد بن الكميت
من أولاد الكميت الشاعر، كان رئيس قرية يقال لها أَنْعَين من أعمال أَرْزَن، وهي ضيعة جليلة، عامرة آهلة، وبها لبني الكميت الرئاسة والمَضيف للطرّاق، من سائر الآفاق، وكان شاعراً مجيداً لبيباً، وأريباً أديباً، يناقل الفضلاء، ويُساجل الكبراء، وكانت بينه وبين الأديب الخطيب الحصكفي مُناقلات، ولما كتب إليه الحصكفي القصيدة الطائيّة، التي سبق ذكرها، ومنها:
بَسطتَ بِساطَ الأُنْس ثم طَوَيْتَهُ
أجابه ابن الكميت بطائية منها:
وما كان طَيُّ البُسْطِ إلاّ لأننيتيَقَّنْت أنّ البُسْط يُخْلِقُها البَسْطُ
ومنها يصف الفلاة:
وَدَيْمومةٍ للجِنِّ فيها زَمازِمٌكما رَجَّعن يوماً بألحانها الزُّطُّ
وذكر علم الدين الشاتاني أنه انحدر إلى بغداد، وقصد العم الصدر الشهيد عزيز الدين بها ومدحه بقصيدة أولها:
تطاوَلَ هذا الليلُ وهو قصيرُوبِتُّ أُراعي النَّجمَ وهو يَسيرُ
فقرّبه وولاّه، وأسدى إليه الجميل وأولاه، وناب عن ضياء الدين الكفرثوي، في حالتي وزارته للأمير الأحدب طغان رسلان، ولأتابك زنكي، وتوفي ابن الكميت قبل الوزير في سنة خمس وثلاثين، وله بنون فيهم الفضل والرئاسة، وديوان شعره موجود بالموصل وعند أولاده، ومن شعره:
سَلْ وأَسِلْ إن لم تَصُب دمعاً دماعينُك في الدار أُثَيْلاتِ الحِمى
والعلَمَ الفَرْدَ وباناتٍ بهظلائل، سقى الغمامُ العلَما
ومنها:
وا كبدي وأين منّي كبديماعَتْ فصارت ليَ في العين دما
//باب في ذكر محاسن فضلاء الحجاز واليمن وقد ألحقت بالقسم الثالث شعراء الحجاز وتهامة واليمن، وأوردت مما سمعته من شعرهم الأحسن، وجعلت القسم الرابع لمصر والمغرب، وأثبت فيه المعرب المغرب، المعجب المطرب، ورأيت تأخير هذا الإقليم، الذي هو أولى بالتقديم، صيانة لمنزل الوحي ومهبط الذكر القديم، عن كلام البشر النظيم، فتيمنت في خاتمة القسم الثالث باليمن، ونظمتها في سلكه، فإن ملكها الآن لمالك الشام وتوأم ملكه، فإنها معدودة من مملكة بني أيوب، الذين عصموها من النوائب العصل النيوب، وملأوها بالمفاخر وفرغوا عيابها من العيوب، لقد تملأت اليمن يمناً، وعادت عدنها عدناً، وذهبت زبد زبيدها الجافية جفاء، وصارت أرض سباها العافية سماء، وطلع بها شمس الدولة شماً أبدى نور نجدها وغورها، وجلا بسنا إحسانه وعدله ديجور جورها، فآثرت إيرادها بين الشام ومصر واسطة لعقدهما، ورابطة لعقدهما.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع