من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
وله منها نظماً في طول الليل
يا لَيْلُ ما فَعَلَ الصباحُأَفَمَا لمُبْهَمِهِ اتِّضاحُ
لَيْلِي غُرابٌ واقعٌفي الشرق ليس له جَناحُ
دَلَكَتْ بَراحِ فقالت الأفلاكُ ليس لنا بَراحُ
مَرِضَتْ عن السيْرِ الدُّجىوَرَنَتْ لها الحدَقُ الصِّحاحُ
ما زال تَبْيَضُّ العُقودُ بها ويسْوَدُّ الوِشاحُ
حتى أقول عساه يَخْضِب شَيْبَهُ الدهرُ الوَقاحُ
وكأنّما خَلَعَتْ غدائراها على الجوِّ المِلاحُ
ومنها نثراً:
ما كل عبرةٍ تسفح، عن زفرة تلفح، قلبي الوطيس، وتحنُّ العيس، وعندي اللاعج، وتُرزم النواعج، فعدِّ عن دفع النفاق، ودعوى الإشفاق، إنما كمون الداء، حيث تنفُّس الصُّعداء.
فقد قلتُ يا قلبُ كُن بَعْدَهمجَليداً فقال ألا خَلِّ عنّي
إذا أَوْحَشَ الحيُّ من سادتيفلا أنا منكَ ولا أنت منّي
وله:
جاءني يَحْلِفُ أي أنّي مُحِبٌّ وشَفيقُ
يُظهِر البِرَّ وفي الباطِن خُبْثٌ وعُقوقُ
مِثلما يَخْدَعُكَ الضَّحْضاحُ والبحرُ عميقُ
كلُّه مَحْلٌ وإنْ غرَّتْ رُعودٌ وبُروقُ
ثَمرٌ مرٌّ لجانِيهِ وأوراق تَروقُ
وعجيبٌ أنْ زكا الفرعُ ولم تَزْكُ العُروقُ
دِينُه دِينٌ رقيقُوله وجهٌ صَفيقُ
وله، لا حاطه اللهُ، إلى كلٍّ طريقُ
هو بالفِعل عَدوٌّوهو بالقَولِ صَديقُ
هو في القُربِ رحيقٌوهو في البُعدِ حريقُ
هو قُدّامي مَنْجُوق وَخَلْفي مَنْجَنيقُ
وإنِ اسْتُنطِقَ بَقٌّوإنِ اسْتُكتِمَ بُوقُ
خَلَقُ الأخلاقِ بالهِجرانِ والتَّرْكِ خَليقُ
ففؤادي منه في تيّار أفكاري غَريقُ
إنْ أُجانِبْه يَقُلْ كانتْ وضاعَتْ لي حُقوقُ
أو أُصاحِبْه فما يُلفى له عَقدٌ وثيقُ
وله منّي إنْ أَعْرَضْتُ عنه الخَنْفَقيقُ
عنديَ النارُ له فيها زَفيرٌ وشهيقُ
غير أنّ المَكر والغَدْر بمثلي لا يَليقُ
عَلَّهُ من لَمّة الجَهْل بتَوفيقٍ يُفيقُ
وله:
جَلَّنارٌ أم شَقيقُوَجْنَتاهُ أم عَقيقُ
وسيوفٌ أم جُفونتلك أم خَمرٌ عَتيقُ
بَرَدٌ في الفَم أمْ ثَغْرٌ وريقٌ أم رَحيقُ
غُصنُ بانٍ ماس في البُرْدَة أم قدٌّ رشيقُ
رَشَأٌ كلَّفني فيحُبِّه ما لا أُطيقُ
فكأني وهَواهُرِدْفُه الخصرُ الدقيقُ
وله وقد سبق ذكر أول بيت:
هل من سبيلٍ إلى رِيقِ المُريقِ دَميفما يُزيل سِوى ذاك اللَّمى ألَمي
يَشْفِي به من يُهينُ الدُّرَّ مَنْطِقُهانَظْمَاً ونثراً بدُرِّ الثَّغر والكِلَمِ
رَوْدٌ تَرودُ حِمى قَلْبِي وتشربُ مندَمْعِي وتسكن من صدري إلى حَرم
نادتْ محاسِنها العُشّاقَ مُعلِنةًأنّ المَنى والمُنى في مُقْلتي وفمي
فما احْتكمْتُ وعيْنَيْها إلى فَمِهاإلاّ شُغِلتُ عن الخَصْمين بالحَكَمِ
غَرّاءُ كالدُّرَّة البيضاء تَحْجُبُهاأستارُ بحرٍ بماء الموتِ مُلتَظِم
تُهْوى فَتَهْوي المُنى دون اللَّحاقِ بهاأَفْدِيك مِن أَمَمٍ أَعْيَا على الأُممِ
زارَتْ فَأَيْقَظتُ صَوْنِي في زيارتهاليَقْظتي وَنَدَبتْ الحلْمَ للحُلُمِ
آليتُ أسألُ إلْمامَ الخيالِ وليعَينٌ وقد ظَعَنَ الأحباب لم تَنَمِ
كأنَّني بهمُ أَقْسَمتُ لا طَمِعتطيبَ الكَرى فأبَرَّتْ مُقلَتي قَسَمي
وكيف لي يَوْمَ ساروا لو صَحِبْتُهمُمِن المطايا ورأسي مَوْضِعَ القَدِم
بانوا فَرَبْعُ اصطباري مُنذ بَيْنِهمُبالٍ كَرَبْعِهمُ البالي بذي سَلَم
وا وَحْشَتي إذ أُنادي في مَعالِمِهمْصُمّاً تُجيبُ بما يَشفي من الصَّممِ
يَشْكُو صَداها إلى عَيْنِي فَتَمْنَحُهادَمْعَاً إذا فاض أَغْنَاها عن الدِّيَمِ
وكلّما قال صحبي طالَ مَوْقِفُنافارْحلْ بنا قالت الآثارُ بل أَقِم
مَنازِلٌ كلّما طال البِعاد عَفَتْكأنما تَسْتَمِدُّ السُّقْمَ من سَقَمي
قِفوا فَأَقْوى غَرامي ما يُجَدِّدُهُبرَسْمِه طَلَلٌ أقوى على القِدَم
قُل للأُلى غَرَّهمْ حِلْمي ونَقَّصَهمْإيّاكمُ وطريقَ الضَّيْغَمِ اللَّحِم
فالحِلْمُ جَفْنٌ وإنْ سُلَّتَّ حَفيظتُهفربّما كَشَفَتْ عن صارِمٍ خَذِمِ
وله قصيدة طائيّةٌ على وزن قصيدة المعري وقد أثبتُّها جميعها لإثبات أخواتها من أشعار أهل العصر كتب بها إلى الرئيس أبي طالب الحسين بن محمد بن الكُميت وهي:
أَعَذْلُك هذا أنْ رَأَيْتَهمُ شَطُّواوفي الآلِ إذْ غَطَّوْا هَوادِجَهُمْ غَطُّوا
لئن قُوِّضَتْ فاراتهم وتحَمَّلوالقد نُصِبَتْ في خاطِري وبه حَطُّوا
فلا تَحْسَبنَّ الشَّحْطَ يُذْهِل عنهمُفأقربُ ما كانوا إذا اعترضَ الشَّحْطُ
رَضِيتُ بمن أهوى فدامَ لي الرِّضاوَتَسْخطُه منّي فَدام لك السُّخْطُ
رأيتُ الأُلى كلَّفْتني الصبرَ عنهمُبهم قَسَمي ما إنْ تَناسَيْتُهم قَطُّ
همُ سَوَّموا لَيْلِي وصُبْحي كتائباًمن الروم تَغْزُوني وتَخْلُفها الزُّطُّ
فَأَعْجَبُ منّي كيف أغترُّ بالهوىوأسألُه قِسْطاً وما شأنه القِسطُ
وعن رغبةٍ حكَّمتُ في القلب جائراًفَشَكْوايَ منه القَسْطَ في حكمه، قِسْطُ
نصحتُكمُ لا تركبوا لُجَجَ الهوىألا إنّ بحر الحبّ ليس له شطُّ
بسِقْط اللِّوى أَبْكَى امرأَ القيسِ مَنْزِلٌوليس اللِّوى داءَ ابنِ حُجْرٍ ولا السِّقْطُ
لَقِيتُ برَهْطي كلَّ خَطْبٍ تدافَعوافحينَ لَقيتُ الحُبَّ أسلمَني الرَّهْطُ
وأَرْبُطُ جَأْشِي عند كلِّ عظيمةٍتُلِمُّ ويومَ البَيْن يَنْتَكِثُ الرَّبْطُ
ولمّا أذاعوا ما أسَرُّوا من النَّوىوظَلَّتْ على العُشّاقِ أحداثها تَسْطُو
كَتَبْنا على صُحْفِ الخُدودِ بمُذْهَبٍوكان من الأجفانِ بالحُمْرةِ النَّقْطُ
ومُقْتَبِسٍ سِقْطاً أَشَرْتُ إلى الحَشاوجاحِمِها لمّا تعَذَّرَتِ السقْطُ
أَحِلُّ رِياضَ الحَزْنِ مُكْتَئِبَ الحَشاوَقَلْبي بحيثُ الأَثْلُ والسِّدْرُ والخَمْطُ
تعَلَّق بالقُرْطِ المُعلَّقِ قائلاًسُكوني مُحالٌ كلّما اضطرب القُرْطُ
وفي المِرْطِ ماءُ المُزن لَوْنَاً ورِقّةًعَجِبْتُ له لم يُنْدِ عالِيَهُ المِرْطُ
وفوقَ كَثيبِ الرملِ غُصنُ أراكَةٍبسالِفَتَيْ رِيمِ الأراكةِ إذْ يعطو
يخافُ لضَعفِ الوَسْط يَسْقُطُ رِدْفُهُويخشى لثِقْلِ الرِّدْفِ ينتشر الوَسْطُ
وَتَسْعى على اللِّيتَيْن سُودٌ إذا الْتوتْأقَرَّت لها الأصْلالُ والصِّمَمُ الرُّقْطُ
وفوقَ بَياضِ الخَدِّ خطٌّ مُنَمْنمٌتَذِلُّ لذاك الخطِّ ما تُنبِتُ الخَطُّ
وذي شَنَبٍ عَذْبُ المَجاجةِ رِيقُهكما قُطِّبَتْ بالمِسْكِ صَهْبَاءُ إسْفِنْطُ
رَشَفْتُ وقد غابَ الرَّقيبان: مُوقِدٌبغارٍ ووَقّادٌ يَغور وَيَنْحَطُّ
فيا راكباً تَمْطُو به أَرْحَبيّةٌكِنازٌ تبُذُّ البرقَ والريح إذْ تَمْطُو
وإنْ هي مَطَّتْ للنَّجاءِ وأرْقَلَتْعَزاها إلى فتح المَلا ذلك المَطُّ
فلو رامَتِ الكُومُ المَراسيل شَأْوَهالقُلنا لها: كُفّي لك العَقْرُ والشَّحْطُ
وما يَدَّعي إسآدَها السيِّدُ عاسِلاًبقَفْرَته لو أنّه الأطْلَسُ المِلْطُ
كأنَّ الفَلا طَيُّ الضمير، وَخَطْوَهامع الخَطْر خَطْرُ الوهمِ لا الوهمِ إذ يَخْطُو
بعِيسِك عُجْ بابنِ الكُمَيْت وقل لهأبا طالبٍ ما كان ذا بيننا الشَّرطُ
بَسَطْتَ بِساطَ الأُنسِ ثم طَوَيْتَهولم يتَّصِل كالطَّيِّ ما بيننا البَسْطُ
وَعَدْتَ بإيناسي وعُدْتَ تَلُطُّهوغيرُك يَعْرُوه إذا وعد اللَّطُّ
وما كنت أدري قبل سِمطٍ نَظَمْتَهبأنك بحرُ الدُّرِّ حتى أتى السِّمطُ
كتابٌ بدا فيه لعَيْني وخاطريربيعان مَجْمُوعان: لَفْظُك والخطُّ
تدارَكْتَ وَخْطَ الشيْب فارتَدَّ فاحِماًفمن لي بأُخرى قبل أن يَشْمَلَ الوَخْطُ
عَذَرْتُ جِعاداً يقتفونَ سِباطَهمولا عُذْر أن يَقْتَاف جَعْدَهمُ السَّبْطُ
أَأَحْوَجْتَني حتى اقْتضيْتُك جَأْبَةًبجَحْمَرِشٍ شَوْهَاءَ في جِيدها لَطُّ
ومِن قَبْلِها قد سار نحوك رائداًفَأَبْرمَ ذاك الحَيْدَرُ اليَفَنُ الثَّطُّ
على أنها لو نَفْطَوَيْه انبرى لهابطَعنٍ وإزْراءٍ لحرَّقه النِّفْطُ
ولو أُخِّرَ الشيخُ المعريُّ ما ابْتنى" لمن جِيرَةٌ سِيموا النَّوالَ فلم يُنْطوا "
ولا نَظَمَ الشاميُّ بعد سَماعها" لأيَّةِ حالٍ حُكِّموا فيك فاشْتَطوا "
تَساوى المَعاني والمَباني تَناسُباًكما يستوي في نَفْعِ أسنانِه المُشْطُ
وما كَنَبيط القوم مَنْبَطُ عِلمِهمولا يستوي قُطبُ الفَصاحة والقِبْطُ
وكم صُنتُ نفسي عن حِوار مُجالِسٍمَلاغِمُهُ الوَجْعاء، والكَلِمُ الضَّرْطُ
وما كان عندي أنّه العَوْد مَسَّهُخُباطٌ وأنّ اللَّفظ من فَمِه الثَّلْطُ
فقد نَفِدَ الطِّيبُ الذي كنتُ أتَّقيبه فاه حتى صار من طِيبيَ القُسْطُ
له دَفَرٌ في كلِّ جُزءٍ بجِسمهإذا فاح قُلنا ذا الفتى كل إبطُ
به زَبَبٌ قد عَمَّ أكثرَ جِلدِهولكن فشافي نَبْتِ عارِضه المَرْطُ
إذا ما أَفَضْنا في الكلام رَأَيْتَهيُخَلِّط حتى قلت ثار به خِلْطُ
ويَنشَط للتأويل في الجَهل غارقاًله الوَيلُ ما يدريه ما الغَرْقُ والنَّشْطُ
وَيَعْزو إلى النُّعمان كلَّ عَضيهةٍفيرتفعُ النعمان عنها وَيَنْحَطُّ
ليَ النخل أجني خَيْرَها من فروعهاولكن له من شِيصِها تحتها اللَّقْطُ
فَيَخْبِطُ في عَشْوَاءَ لا دَرَّ دَرُّهُوَمَنْ كان مَمْسُوساً تعَهَّده الخَبْطُ
وكم قد أمرناه بضَبطِ لسانهومُذ شَذَّ عنه العقل أعجزَه الضَّبْطُ
يَخُطُّ بكَفٍّ، حَقُّها البَتْكُ، أَحْرُفاًكما كتبتْ يوماً بأرجُلِها البَطُّ
قويٌّ على نَقْلِ الملام للُؤْمِهِضَعيفٌ به عن كلِّ صالحةٍ وَهْطُ
موَدَّتُه إثمٌ ومنظرُه أذىًومنزِله جَدْبٌ وراحَتُه قَحْطُ
فلو قد رَأَتْهُ أمُّه وَبَدَتْ لهامَساويه وَدَّتْ أنّ مَن وَلَدَت سقْطُ
فقلْ للحُسينِ قد أطلتُ وإنّمالساني على الأعداء مُحتكِمٌ سَلْطُ
فقُطَّ شَوى هَمّي بُرقْشٍ تَقُطُّهافهُنَّ كبِيضٍ دِينُها في الوغى القَطُّ
وهذه قصيدة في التجنيس، من متاعه النفيس:
أَطِعِ الهوى فالعقلُ خازٍ خازمُوالجهل يُغري وهو هازٍ هازمُ
الخازي السائس القاهر، يقال خزاه إذا ساسه وقهره، وأما أخزاه بالألف فهو من الخزي.
واعْملْ فحرفُ الشَّرط صُنعُك والرَّدىعنه جوابٌ وهو جازٍ جازمُ
المعنى أن الموت جواب الشرط، والشرط هو العمل، وحروف الجزاء تجزم، فكذلك الموت يجزم المستقبل.
وإذا عَلَوْتَ فَواصِ بالعلمِ العُلىتَكْمُل فخيرُ القومِ عالٍ عالمُ
واصِ بمعنى واصِل، واصاه أي واصله.
وابْسُط يَدَيْك فإنّ قابض كَفِّهفي بَسْطَةِ الإثْراءِ عادٍ عادِمُ
واكتُمْ نوالك فالكريم نوالُهغَيثٌ وجُنْحُ الليلِ ساجٍ ساجمُ
معناه كن كالغيث الساجم ليلاً فهو يُغني ولا يرى:
وإذا شَكَوْتَ إلى امرئٍ وَشَكَمْتَهكَرِهَ الندى لا كان شاكٍ شاكمُ
شكمته أعطيته، والشَّكم العطاء.
واسْلُ الدَّنايا تَسْلَمِ العُقْبى غداًفي مَنْزِلَيْك، فكلُّ سالٍ سالمُ
يا ساخِط الأقْسام يَأْمُلُ رزقةًيَرْضَى بها والدهر قاسٍ قاسمُ
اِقْنَعْ بجِيدٍ عاطلٍ وانْظِم لهعِقْدَ الصَّلاحِ فكلُّ حالٍ حالمُ
من الحلُم وهو ما يراه النائم.
كم من فتىً جَعَلَ القناعة جُنَّةًدون المطامع فهو غانٍ غانمُ
وارفَعْ مَنارَ المُهتدي بك لا كمنيُولي ويُلْوي فهو هادٍ هادمُ
والهجو لا تَهْجُم على عِرْضٍ بهسَفَهَاً فشَرُّ الناسِ هاجٍ هاجمُ
ترجو وترُجم غيرَ غافِرِ زَلَّةٍبِئسَ الفتى يا صاحِ راجٍ راجمُ
أي شاتم من قوله تعالى: لأَرْجُمَنَّك أي لأشتُمنَّك.
حَسْبُ الظَّلوم على ذَميم مآلِهباللؤم فهو بكلّ نادٍ نادمُ
وإذا المُفيضُ دعا القِداح فإنّماسَهْمُ المُسالم وهو ناجٍ ناجمُ
المعنى أن طالب المسألة ينجو، وسهم الناجم أي الظاهر، والمفيض الذي يُجيل السهام.
وإذا وَقَيْتَ أخاك لم أرَ سُبَّةًوَقْمَ العِدى والشهمُ واقٍ واقمُ
كُن كالحُسامِ كَلا الرَّفيقَ وحَدُّهللضِّدِّ كَلْمٌ فهو كالٍ كالمُ
تُخُطي الحظوظُ ذوي النُّهى وينالُهافَدْمٌ من الخَيرات عارٍ عارمُ
والدهرُ يَحْكِي ثم يَحْكُم بعدمايُلْقي المَعاذر فهو حاكٍ حاكمُ
ونعى إليك العيشُ نفسَك خادِعاًلك بالنعومةِ فهو ناعٍ ناعمُ
فالغُفْل عند الخوف مُغْفٍ مُغْفِلٌوالجَلْدُ عند الأمن حازٍ حازمُ
حاز أي حازر، تقول العرب حزا فلان الشيء أي حزره.
وله يصف الفرس وكتب بها صدر جواب:
ومُحَجَّلٍ لَبِسَ الظَّلامَ وخاضَ في جِسمِ الصَّباحِ
يَحْوِي بحُسن سَوادِهفَضْلاً على البِيضِ المِلاحِ
وترى بغُرَّتِه إذاقابَلْتَه عَلَمَ النجاحِ
تَدْعُو محاسنُه العيونَ إليه من كلِّ النواحي
وتنوبُ للظمآنِ رُؤْيَتُه عن الماءِ القَراحِ
وتكاد أُذْناه تُجيبُ إذا أصاخ عن الصِّياح
غَنَّى وطَرَّبَ بالصَّهيل وظلّ يَرْقُص للمِراح
ومشى العِرَضْنى وانثنىكالمُنْتَشي من شُربِ راح
وسَما إلى وَحْشِ البَراحِ وقال ما لك من بَراح
ذاك الذي لو كنتُ مقْترِحاً لكان من اقتراحي
ذو أَرْبَعٍ قد أُنعِلَتْبالأرْبَعِ الهُوجِ الرياح
ما إن رَأَيْنا قبلَهطيراً يطير بلا جناح
حَسَنٌ وأحسَنُ منه فيعَيْنِي ومن زَهْرِ البِطاح
ومِن الشِّفاه اللُّمْيِ تُبْدي عن ثغورٍ كالأقاحِ
خَطٌّ أتى فأفادونيدُرّاً من الكَلِمِ الفِصاح
وشَّحْتُ ألفاظي بهوشُغِلت عن ذات الوِشاح
وله يصف الخمر:
وَصَهْباء فاتت أن تُمَثَّلَ بالفَهمِأقولُ وقد رَقَّتْ عن اللَّحْظ والوهمِ
خُذوا عَرَضَاً، يا قوم، قامَ بنفسهفقد خَرَقَ العاداتِ، واسْماً بلا جسمِ
فقد كاد يَخْفَى كَأْسُها بضيائهاكإخفائها بالجهل مَنْقَبة الحِلمِ
كأنَّ الشُّعاع الأُرْجُوانيَّ فوقَهسَنا شَفَقٍ يَنْجَاب في الليل عن نَجْمِ
إذا أقبلتْ ولَّى بها الهَمُّ مُدْبِراًكما أدبر العِفْريتُ من كوكب الرَّجْم
وله في المعنى:
حمراءُ تَكْثُف للعقولِ فِعالهاأبداً وَتَلْطُف للنفوس طِباعها
شمسٌ لشمسِ العقلِ منها ظُلمةٌمن حيثُ يظهر في الخدود شُعاعها
أمُّ الخبائثِ مُستطابٌ دَرُّهاإنّ الفِصال من الهموم رِضَاعها
وله:
مال والأغْصانُ مائِلةٌفَعَنَتْ صُغْراً لقامتِه
وَرَنَا والكأسُ في يدهفغَنينا عن مُدامته
لائمي والعُذر طَلْعَتُهأيُّ عذرٍ في مَلامتِه
وله:
بأبي مَن قَلْبُه حجَرُوبه من ناظري أثَرُ
رَشَأٌ بالغُنْجِ مكتَحِلٌوبضَوءِ الصُّبحِ مُعْتَجِرُ
وبثوب الحُسنِ مُشتمِلٌوبِحقْف الرمل مُتَّزِرُ
رِدْفُه شِرْحٌ، وقامتُهوسَط، والخَصر مُختَصَرُ
خَضَعَتْ شَمْسُ النهار لهوتلاشى عنده القمرُ
ما رأينا قبله بَشَرَاًتاه في أوصافه البشَرُ
جائرُ الألْحاظ كلُّ دمٍسَفَكَتْه عندها هَدَرُ
شَهَرَتْ أسيافَها وَمَضَتْفهي لا تُبقي ولا تَذَرُ
جنَّةُ الفِرْدوس طَلْعَتُهوالقِلا مِن دونها سَقَرُ
ومتى أُصغي إلى عَذَلٍفيه وهو السمعُ والبصرُ
وله:
يا عَذولي كُفَّ عن عَذَلِيإنَّ قلبي عنك في شُغُل
فأنا الراضي به حَكَمَاًفي الذي يَقْضِي عليّ ولي
هوَ في حِلٍّ وفي سَعَةٍلا يخافُ الإثْمَ من قِبَلي
وَيْحَ مَن طَلَّ الهوى دَمَهفَغَدَا يشكو إلى طلَلِ
وله:
انْظُرْ إلى البدرِ الذي قد أَقْبَلاوأراك فوق الصُّبح ليلاً مُسْبَلا
ما بَلْبَلَ الأصْداغَ في وَجَنَاتهإلاّ ليترُك من رآه، مُبَلْبَلا
يا أيّها الرَّيَّانُ من ماءِ الصِّبابي في الهوى عطَشُ الحُسين بكَرْبلا
وله:
مَن كان مُرْتَدِياً بالعقل مُتَّزِراًبالعِلم مُلْتَفِعاً بالفضل والأدبِ
فقد حوى شَرَفَ الدنيا وإن صَفِرَتْكَفّاه من فِضّة فيها ومن ذَهَبِ
هو الغنيُّ وإنْ لم يُمْسِ ذا نَشَبوهو النَّسيبُ وإنْ لم يُمْسِ ذا نسَبِ
وله أيضاً:
ساروا فَأَكْبادُنا جَرْحَى، وأعيُنناقَرْحَى، وأنفسنا سَكْرَى من القَلَقِ
تشكو بواطِنُنا من بُعدِهم حُرَقاًلكن ظواهِرُنا تشكو من الفَرَقِ
كأنّهم فوق أكوار المَطِيِّ وقدسارت مُقَطَّرةً في حالِك الغَسَقِ
دَراريَ الشُّهْب في الأبراج زاهرةًتسير في الفَلَك الجاري على نَسَق
يا مُوحِشي الدارِ مذ بانوا كما أَنِسَتْبقُرْبهمْ، لا خَلَتْ من صَيِّبٍ غَدَق
إنْ غِبْتُمُ لم تَغِيبوا عن ضمائرناوإنْ حَضَرْتُم حَمَلْناكم على الحدَق
وله أيضاً:
ولمّا رأيتُ الخال في صَحْنِ خَدِّهذكرتُ احتراقَ القلبِ في نارِ صَدِّه
وعَرَّفَنا خَفْتَانُه حَيْفَ رِدفِهوبالغ في شَكْوَاه عن ضَعْفِ قَدِّه
فحينَ أدار البَنْدَ مِن فوق خَصْرِهرَأَيْناه في الحالَيْن لازِمَ حَدِّه
فلم يَطُلِ المَشدودُ شيئاً بحِلَّهولم يَقْصُرِ المَحلولُ شيئاً بشَدِّه
وله أيضاً:
عارِضاه قد يَنَعَاجَلّ صانِعٌ صَنَعَا
كان وَرْدُ وَجْنَتِهقد أُذيل فامتنعا
وله من رسالةٍ أنشأها على لسان القصّار والصياد وهي مقامة مصنوعة مُجنّسة، على الفضل والبراعة مؤسسة، كتب بها إلى بعض القضاة ويستطرد بقوم وقعوا فيه: كنت لفرط الهُيام، في بعض الأيام، وصدري ضيّق، وفؤادي شيّق، إلى الحضرة القاضيّة، والشمائل المرضيّة، قد صرّحت بالإحصار، وحرصت على الإصحار، فاجتزت في الخروج، ببعض المروج، ودجلة قد تسلسل ماؤها، وصلصل حصباؤها، وصفا شفقُها، وطفا غلفقها، وسما حَبابها، وطما عُبابها، وغدا نونُها، وبدا مكنونها، فوقفتُ أُثني على باريها، وأكاد بالدمع أباريها، أسفاً على طِيب المشاهد، بتلك المعاهد، فإذا أنا بشيخ نبيل، وذقنٍ كالزِّبِّيل، مُضْطبع بإزار، حامل أوزار، قد لوّحت الشمس طلعتَه، وصهرت صلعته، بارز الجَناجِن، بأضلاع كالمحاجن، وجهه وجه مجرم، وزيّه زيّ مُحرم، كأنه بعض القُسوس، أو موبَذ المَجوس، يتلوه آخر عار، في أقبح شعار، بادي الإملاق، في دُرُسٍ أخلاق، ليس بصيِّر، ولا شيِّر، قد أدار على سوءته السمَل، واعتمّ ببعضه واشتمل، يُقِلّ بيتاً من خُوص، يُبدي خلله عن شُخوص، تلوح من تلك الرواشن، في أمثال الجواشن، فهي أحقّ باللهف، من فتية الكهف، لأن أولئك فازوا بالنعيم، وهؤلاء احتازوا الجحيم، فبدأني الأوّل بالسلام، ثم تهيّأ للكلام، وقال: أنا شيخ ذو بنات، قليل الهَنات، أستغني بكسب يدي، وأُنفق على ولدي، وأراني قد عجزت عن العمل، وقصّرت عن بلوغ الأمل، وإن استرحت إلى الإخلال، افتضحت بالإقلال، والفقر من حالفه هان، وعدِم البرهان، والوفر من أسعده زان، وكفاه الأحزان، المال يُكسب الارتفاع، والفقر يهدم المجد اليَفاع، الفقر قبر الأحياء، والنشَب نسب الأدعياء، الفقر يُضيّق المغاني الواسعة، والمال يُفيض المعاني الشاسعة، المال درج الفرَج، ومعرج إلى المخرج، ومفتاح الفلاح، وجناح إلى النجاح:
المالُ يستُر كلَّ عَيبٍ ظاهرٍوالفقرُ يُظهِرُ كلَّ عيبٍ باطنِ
فترى مثالبَ ذي اليَسار مَناقِباًومَحاسِنَ الصُّعْلوكِ غيرَ مَحاسن
والفِكر في الأقسام، مُورث الأسقام، أين لابس التاج، من البائس المحتاج، أين من اكتفى فاستراح، ممن اعتفى فاستماح، أين هذا الشيخ الذي ترى، ممن باع واشترى، ذلك يظلّ في الكِنّ، وأنا أظل مع الجنّ، ألِج طول النهار، في الأنهار، وأُدلج في الأسحار، إلى البحار:
مُقَسَّماً طولَ دهريما بَيْنَ شَطٍّ وَنَهْرِ
فالماءُ يقشُرُ رجليوالشمسُ تَبْشُر ظَهري
رِجْلايَ من العجائب البحرية، وسائري من الوحوش البريّة، وقد ضجرتُ من النقع والعصر، والدقّ والقصر، أصبر على برد الماء، وجلد الصخرة الصماء، ثم المليح، أني أضربها وأصيح، كفِعل ذاك الوُغَيْد، أبي سالم بن الجُنَيْد، حين يؤذي الأحرار، ويشتكي الإضرار:
حاسِرٌ بالليلِ حافِودُجى الليلِ لِحافي
وأعُدُّ الماء غُماًوهو صافٍ للتّصافي
ثم أهتمّ لما يأتي، إذ كدره يكدِّر حياتي، وتراني حامل وزر، لشيءٍ طفيفٍ نزر، لا أنادي الأداني، ولا أناغي الأغاني، ولست برفيق الفريق، في رشف ريق الإبريق، أصرف بعض الأجرة، في كِرى الحجرة، وأنفق بقية الواصل، على الحُمْر الحواصل، وليس لي سعنة ولا معنة، ولا عافطة ولا نافطة، وقد ضعُفَ ساعدي، وقلّ مُساعدي، أبسط الثياب تارةً لتجفّ، ويسهل حملها وتخفّ، وطوراً تبهظني بثقلها، فلا أقدر على نقلها، إن مشيت أكوس، وإن جلست أنوس، جِلدي قد اندبغ، ولوني قد انصبغ، وبصري قد كلّ، ونظري قد قلّ، ثم كرب أن يكفُر، وأنشد لابن يَعْفُر:
ومن الحوادِث لا أبالك أننيضُرِبَتْ عليَّ الأرضُ بالأسْدادِ
لا أهتدي منها لمَدْفَع تَلْعَةٍبَيْنَ العُذَيب وبين أرض مُراد
آخُذ الثوب كالورق، وأردُّه كالجلد المحترق، ومن غبار الخان، وسواد الدخان، لا يراد للكسوة، ولا يصلح للرجال ولا للنسوة، بعضه مُحرَّق، وبعضه مُخرَّق، سرّه إعلان، ولابسه عريان، تُبصره في غِربال، لا في سربال، وبعد فمن أنا من الأستاذِين، ورافعي الكَواذِين، وقد تعرَّقَتْني السنون، وتعلّقتني المَنون، فإلى الله المُشتكى، ثم انتحب وبكى، فمسح الآخر عُثْنونَه، وأوضح مكنونه، ونظر إلى صاحبه شَزْرَا، وعاب فعله وأزرى، وقال: يا عجبا لهذه الفَليقة، هل تغلِبنَّ القُوباء الرِّيقة، ويحك بهذا أتيت، هلاّ حكيت، قبل أن بكيت، ثم أقبل عليّ وبسمل، ومَثُل بين يديّ وحمدل، وأحسن التحية وجعفل، وقال: اسمع أيها السيد، لا كان المُتزَيِّد، أنا رجل زاهد، وهذا بما أقول شاهد، وقد كان عوَّل على الحكاية، فعدل إلى الشكاية، أنا أعرف الشيخ عبيد، وقوام عيشي من الصيد، حداني على هذه الصناعة، رغبتي في القناعة، نظرتُ إلى الدنيا بعينها، فما اغتررتُ بمَيْنها، ولا أوثقتْني بخداعها، ولا أوبقَتْني بمَتاعها، رأيت قُصاراها الفناء، فقلتُ فيم أقاسي العناء، وكم يا نفس البقاء، وإلام هذا الشقاء، لم لا أعتبر بمن سلف، وأطَّرِح هذه الكُلَف، وأنظر إلى عِراص الحِراص، وآثار ذوي الإكثار، ودور الصدور، ومنازل أهل المنازل، ورِباع أولي الباع، وذوي الأتباع، الذي صعَّروا الخدود، فصُرِّعوا في اللحود، وجاروا عن الحدود، فجاوروا الدود، جهلوا فلهِجوا بالحُطام، ورضعوا فضرعوا بالفطام، عَمُوا فما أنعموا النظر، ومرقوا فما رمقوا العِبَر، خُوِّلوا فتخيَّلوا المقام، ومُوِّلوا فأمَّلوا الدوام، تعادَوْا على رائقها، فتداعَوا ببوائقها، منحتْهم، وبنوائبها امتحنتْهم، ونطحتْهم، وبأنيابها طحنتْهم، لبسوا فأبلسوا، وسُلبوا ما أُلبسوا، نهوا وأمروا، ولهوا وعمَروا، بلغوا وغلبوا، وجلبوا وخلبوا، برَّتْ بهم ولطفت، ثم كرَّت عليهم وعطفتْ، أعارت فأبهجت، ثم أبارت فأنهجت، ترنَّمت فأطاحت نغماتُها، ثم تنّمرتْ فأحاطت نقماتُها، كم نكست من سكَّنتْ، وكمنت لمن مكَّنت، كم وهبت ثم نهبت، وأتعبت من أعتبت، وأخمدت من أخدمت، ولكمت من أكرمت، وما رحمت من حرمت، بل أغرمت وأرغمت، فغفلوا حتى أفلوا، وطلعوا حتى عطلوا، وطلبوا حتى بطلوا، فعادت أموالهم وبالا، ولم تُغن عنهم قِبالا، ثم رغَّب في الخير وغرّب، ورطّب حُنجوره وطرَّب، وأنشد أبياتاً في الزُّهد، أحلى من الشُّهْد، بعثني على حفظها، سلامة لفظها وهي:
غريقَ الذنوبِ أسيرَ الخَطاياتنَبَّه فدُنياك أمُّ الدَّنايا
تَغُرُّ وتعطي ولكنّهامُكَدِّرةٌ تسترِدُّ العَطايا
وفي كلِّ يومٍ تُسَرِّي إليك داءً فجِسمُك نَهْبُ الرَّزايا
أما وَعَظَتْك بأحداثِهاوما فعلت بجميع البرايا
ترى المرءَ في أَسْرِ آقاتِهاحَبيساً على الهمِّ نُصْبَ الرّزايا
وإطلاقه حين تَرْثِي لهوَحَسْبُك ذا أن تُلاقي المنايا
ويا راحلاً وهو ينوي المقامتزَوَّد فإنّ الليالي مَطايا
ثم إن الشيخ رجع، فنثر بعد الإنشاد وسجع، وذكر كلماتٍ استغربتُها، فاستعدتها منه وكتبتها، وهي:
الأيّامُ تُكدِّر، لكن المرءُ يُقَدِّرأحلامٌ سُعودُها، دارٌ المَيْنُ وُعودُها
الإجْرام زادُها، إذ تُرَدّي مَن يَرْتَادهاإظْلامٌ إصْباحُها، دنيا الخُسرُ أرباحها
وحُطامٌ مَتاعها، شَيْنٌ وهو خداعهانِيامٌ فيها نحن، أما نُهانا غالَ الوَهْن
أنعامٌ سُكّانها، حتى عَمَّ بُهتانُهاأَرْمَامٌ حِبالُها، عِرْسٌ الهجرُ وِصالُها
فِطام إرْضاعُها، ظِئرٌ تخدع نُهاكأَيْتَامٌ أولادُها، أمٌّ الغَيُّ رَشادها
إعْدام جُودُها، إذا لانعدام وُجودهاأَسْقَام أفعالها، لكن الشَّهْدُ مَقالها
فقلت: أراك قد تكلّفتَها، ففيم هكذا ألّفتها، قال: لأنها درّ مُنظّم إن قُلِّبت وشعر منظوم إن قُلبت، وشحَّتُها بزينتَيْن، وصحّحتها كلَّ بيت من قرينتَيْن:
أما تَراها كَخَوْدٍ أقبلَتْ بقِباوغَيَّرَتْ زِيَّها خَوْفَاً من الرُّقبا
تلَوَّنَتْ فَحَكَتْ في الحالتَيْن أبابَراقِشٍ وأتتْ في عِدَّةِ النُّقبا
ثم كرّ يذكر المنيّة، وذمِّ الدنيا الدنيّة، وقال:
مُرَوَّغٌ طالبُها مُعَذَّبٌ خاطبُها مُنَكَّصٌ آمِلُها
مُمَنَّعٌ مَعْرُوفها مُسبَّبٌ مَخوفها مُنغَّصٌ آكِلُها
مُضَعْضعٌ جَنابُها مُشَوَّبٌ شرابها مُغَصَّصٌ ناهلُها
مُنْقَطعٌ مَتاعُها مُخَيَّبٌ مُبْتاعها مُخْتَرَصٌ نائلُها
فقلت قد عرَّفتني شِكالك، ووقفتني على حلّ إشكالك، ولعمري قطوفها دانية، ولكن مقلوبها ثمانية، ولو كانت مثل أختها، لرُزقت مثل بختها، فألقى ما كان حامله، وفرك غيظاً أنامله، وقال: إن قدرتَ في تقطيعها، على حصر جميعها، وعددت آحادَها والثُّنى، فقد بلغت المُنى، أتِّخذُك إذاً من الناس خِلاّ، وأُسَوِّغكَ ما معي حِلاّ:
تمَلُّها فهي وربّي المُعينْأربعةٌ تُوفي على أربعين
تُذْكِرُك السادةَ أَعْنِي الأُلىعاداهُمُ فيك الشُّيَيْخُ اللعين
فلما اعتبرتها، أكبرتها، وقبّلت عينيه، وأقبلت بكُلّي عليه، فقال: مالي لا أستغني عن الخلق، بالحلال الطلق، وأتيه على أصحاب العصور، وأرباب السُّدَد والقصور، كيف أتناول ما لا يحلّ، وأتطاول إلى ما يضمحلّ، وبم أفاخر، وأبي العظم الناخر، وبعد فمن الخالد، وما يُغني الطارف والتالد، والغنيّ أسوأ حالاً من الفقير، يوم الحساب على الفتيل والنقير، واطَّلعَ على نيتي، عالمُ سِرّي وعلانيتي، فاجتزتُ يا ابن الأماجد، ببعض المساجد، وقد تلا في المحراب إمامه، أُحلّ لكم صيد البحر وطعامه، فنبّهني على الاصطياد، إذ نويتُ حُسن الارتياد، وقلتُ هذا باب الأرباح، ومن أسباب المباح، أتَّجِرُ بلا بضاعة، من غير خُسرٍ ولا إضاعة، فقصدتُ شيخاً يعمل الشبك، فحَباني أجودَ ما حبك، وادَّخرت القصب والبكر، ادخار من نصب واحتكر، وقلتُ لا بد من الآلة، والإعداد لهذه الحالة، غيري يعُدّ الدنانير، وأنا أعدّ الصنانير، ثم إني بَكَرْتُ إلى الشطّ، قبل بكور البط، فبينا أنا أسرح، وأفكر كيف أطرح، إذ دعاني هذا الشيخ الحَصيف، الذي شتاؤه مَصيف، وقال يا ابن الأنجاب، هلُمّ إلى الشيء العُجاب، أدرك هذا الحوت، وإياك أن يفوت، فإن أهملته فاز، فإنه على أوفاز، فلما تقدمتُ إليه، وأشرفت عليه، سمعته يقول لحوت آخر، أظنه طاوله وفاخر، ويحك أنا أوحد الحركة، وأرضي أرض اليُمن والبركة، أنا من خير البقاع، وأشرف الأصقاع، أنا من الكورة المذكورة، ذات السجايا المشكورة، بلدي ترابه عبير، وثوابه كبير، وحجرُه محجوج، وشجره يَلَنْجوج، ثم انفتل وتثنّى، وأوقع لنفسه وغنّى:
بقُطْرَبُلَّ القَطْرُ بلّسُهولَتَها والجَبَلْ
نَشَأْتُ فهل من فتىًله بجدالي قِبَلْ
ويحك أريد البَيّاسيّة، لا العبّاسية، والتي أشرقت، لا التي شرّقت، والتي لها النهي والأمر، لا التي تُنسب إليها الخمر، وأنت من سكان، هذا المكان، من الجفاة الفِظاظ، والأجباس الغِلاظ، من العتاة الغدرة، أُهَيْل هذه المدرَة، لنا الظلال والأندية، ولكم الجبال والأودية، الماء منّا إليكم، والمنّة لنا عليكم، يا نَقَضَة العهود، أخلاق الفهود، أليس صاحبكم غدر، وأعقب الصفوَ الكدر، وعَقّ أربابه، وتناسى أحبابه، لا جرم أنهم جانبوه، فما كاتبوه، ونسوه، وما وانسوه، وألغوا حرمه وأنكروه، وأقسموا أنهم لا ذكروه.
فقال المقصود بالمحاورة، لقد أضعت حقّ المجاورة، مهلاً أَبَيْت اللعن، كُفّ ولا تُكثر الطعن، واسأل العفو إن عفا، فمن اغتاب خرَّق ومن استغفر رَفا، إن كنت سِحْت، تطلب السُّحت، فامضِ لطيّتِك، وانزع عن خطيئتك، وذرِ القَدْح، ودونك الكدح، مالك والنميمة، والأخلاق الذميمة، فلا وأبيك إن كان نزع، ولا نهاه الوعظ ولا وزع، فعلمتُ أنه من الحُسّاد، وطالبي الإفساد، وأمهلته حتى بسط وشرح، وقسط وجرح، ثم رميت نحوه بالشِّصّ، ودببتُ إليه دَبيب اللصّ، وكنتُ قد طعّمْت، قبل أن أَعَمْت، وقلتُ يا غافر الحُوب، وعالم الغيوب، إن كان كذب على أهل بلدي، فأوقِعه بجُرمه في يدي، فحُملتْ دعوتي على الغمام، لتورُّعي عن الحرام، وإذا هو قد عَلِقَ، واضطرب وقلق، وكلما رفعه الموج الطامي، أنشد متمثِّلاً للقَطاميّ:
ليست تُجَرَّحُ فُرّاراً ظُهورُهمُوفي النُّحورِ كُلومٌ ذاتُ أَبْلادِ
فلما رأيته غويَّ الشيطان، قويّ الأشطان، خفتُ أن يقطع الشعَر، فزحفتُ وما شعر، ولذعتُه بالرُّدْنَيْن، ورفعته إلى القُوبَيْن، وقلتُ خذها من عُبَيْد، وأنشدت لفارس زُبَيْد:
عَلامَ نقولُ الرُّمْحُ يُثْقِلُ ساعديإذا أنا لم أطعن إذا الخيلُ كَرَّتِ
وها هو ومن يراه، في الصرعى كما تراه، وقد تلوتُ ما بلوتُ، وألقيتُ وما أبقيت، فانظر ماذا تصنع، وما جوابك عما تسمع، فقلتُ: ورافع ذات البروج، وما لها من فروج، والذي ألهمك، أن تغتال السمك، وأحلّ لك الميْت، وأسكنهم هذا البيت، وجعل عيشك في كشف عَوارك، وإبداء شُوارك، وزواك عن طلب المعالي، وجَلاك في سلب السَّعالي، ووكلك بالسِّياحة، وطول السباحة، كاسَف البال، مُرَعْبَل السِّربال، ما كان ما زعم، ولو صدق لقلتُ نعم، أأكون خائنا، وأحلف مائنا، فأجمع بين الحنث والخيانة، وأنسلِخ من الديانة، لكن تقوّل عليّ، فيما نسبه إليّ، تعدّى، فتردّى، وفرّط، وتورّط، وعاث، فما ظَفْرَ بمن غاث، وجار، فما وجد من أجار، تزيّد وافترى، فصار إلى من ترى، كان من الطغاة، فأُخذ مع البغاة، أعوزتهم الملاحِد، فجمعهم قبر واحد، انظُر إلى سوء حاله، وقُبح مآله، مات وشفتُه قالصة، ومُقلتُه شاخصة، فلا تغمض عينه، وقد حان حينه، ولا يُشَدّ لَحْيُه، بل يُشقّ نِحيُه، وسيبدو ما أخفى من الشَّنار، ثم مصيره إلى النار، فبالله إذا سلختَه وملّختَه، فقل يا خائن وَشَيْت، وبالنميمة مَشَيْت، فهذا لأهل النمائم، وعُقباك لكل ظالم، والله ما حُلْت ولا أَذْنَبت، ولقد قلت فأطنبت، وإنما الرسول كان، أيها الشيخان، فاذهبا عجَّل الله جزاءكما، وأحسن فيكما عزاءكما، لقد حويتما النَّوْك جِدّا، وجئتما شيئاً إدّا، من يظنّ بك من بعدها الزَّهادة، ومن يقبل من صاحبك الشهادة، وحوتِ موسى وفَتاه، ما نطقت شفتاه، ولهذا نسياه وشخصا، فارتدّا على آثارهما قصصا، ولا ادَّعى يونس لحوته ذاك، فدعنا يا عُبَيْد من أذاك، لعلّه كان في المنام، فهو أشبه بالأحلام، كلا بل شبّهتُما، فنبّهتُما، وحكيتُما، فأبكيتُما، وجعلتما الحوت مثَلا، وما ضربتماه إلاّ جدلا، كنِعاج الخصم إذ تسوّروا المحراب، حتى خرّ داوود راكعاً وأناب، وسأُنيب إلى تلك الموالي، بكشف أحوالي، واحرِص على الراحة، ببراءة الساحة:
فأُقسِمُ أنّي ما نقضتُ عُهوديولا حُلتُ يَوْمَاً عن وِداد وَديدي
وأَسْتَعطِف القاضي سعيداً فإنّهبه نَجَمَتْ بين الأنام سُعودي
وأجعلُ من جُودي هُجودي على النَّوىفَمِنْ عَدَمٍ حتى اللقاء، وُجودي
فيا دَوْلَةَ البُعدِ الوَخيمةَ أَقْشِعيويا مُدّةَ القُرب الكريمةَ عُودي
لتَبْيَضَّ آمالي وتسْوَدَّ لِمَّتيويخْضَرَّ من بعد الذُبولة عُودي
وَتَنْعمَ سُكْراً نفسُ كلِّ مُخالِصٍوَيَرْغَمَ غيظاً أَنْفُ كلِّ حسودِ
وله مما أودعه رسالةً أخرى سمّاها بالكُدريّة على لسان قَطاتَيْن، اختصرتها:
سِرُّ حَياةٍ وشَرُّ مَوتٍحياةُ نَفسٍ وَمَوْتُ قلبِ
حِزْبان مِن باطلٍ وحَقٍّما بَرِحَا في عظيمِ حَرْبِ
فَكَوْنُ ذا في نعيمِ رُوحٍبكَوْنِ ذا في أليم كَرْبِ
ومنها: ما كُدْرِيَّةٌ كدَّرَ البَينُ مَشارِبَها، وأبهمَ الحَيْنُ مَسارِبها، عضَّها بالسُّخْط، ولم تَخْطُ، وغَضَّها بالسَّجْن، ولم تَجْنِ، تُصبح كالكُبَّة، لضِيق القُبَّة، فتَطَّلِعُ من الكُوى، وتضطلع بما يوهي القُوى، تتسامع في الصياح، وتبُثُّ الرياح، جوى الارتياح، فبينا هي في دَرسها، رافعة جَرْسها، عارَضتْها أُخرى فسقطت حيالها، وأنكرت حالها، وقالت: قد وسَمْتِ القَطا بالخُرْق، فانْتَفي من الوُرْق، أصبحتِ في المقام الأمين، كأصحاب اليمين، في حِصنٍ حصين، وبناءٍ رصين، قد مُهِّدَتْ أرضُه، وتناسبَ طوله وعَرضُه، الجارحُ يدنو إليكِ، ولا سلطان له عليك، إن عَفَتْكِ النُّسور، حال دونك السُّور، وإن حامت عليك اللِّقوة، خامَتْ ولها الشِّقوَة، وإنْ جمحَ نحوك الصَّقْر، جنحَ وحظُّه الفَقْر، مُحجَّبةٌ في القصر، مؤيَّدة بالنَّصر، يقومُ بطُعْمِك سِواك، ومتى وجدتِ الصَّدى أرواك، آمنةٌ من الطَّيش، لا يَكُدُّك طلبُ العيش، أعزُّ من الغزالة في الدُّلوك، مكرَّمةٌ كبنات الملوك، قد تسلَّفْت الراحة، وربحْت السَّاحة، ما عذرُك في الرَّقص، وهو من دواعي الوَقْص، ونتائج النَّقص، ويحك إنَّ الحَصان، مَن لفَّها الخَفَر وصان، ولن تَعدم البَرزَةُ قادِحا، وقَولاً فادحا. ومنها:
فاقْنَي حَياءَكِ أنْ تصيحيوتقبَّلي قول النَّصيحِ
والصَّمْتُ أجملُ فاصْمُتيإذْ ليس نُطقُكِ بالفصيح
وأَبشري براحة الإطلاق، ومَسرَّة يوم التَّلاق، فإنَّ رضاع القلوب، فَطْمُ النُّفوس عن المطلوب، فاجعلي الحكمة زادَكِ، واعلمي أنَّ ما نقصك زادك، وهذه إشارةٌ تكفُّك وتكفيك، إنْ نجعَتْ فيك، فتأَوَّهَت المَسجونةُ آهةَ حَزين، وفاهَت عن عقلٍ رزين، وقالت: هَناكِ، نَيلُ مُناكِ، وعَداكِ، مَيْلُ عِداكِ، ومُتِّعْتِ بسَعة الفضاء، ومُنِعْتِ من صَرف القضاء، ولا حرَمَك، أن تأْوي حرَمَك، وسلَّمك، ولا أَسْلَمَك، أَأَن خلا قلبُك، وحَلا قليبُك، فما غَلا حَبُّك، ولا حبيبك، واستطعت لذَّة النَّوم، قطَّعت أُختكِ باللَّوم، كلٌّ يعبِّرُ بلسانه، ويُخبر على قدْر إحسانه، ويشرح أوصاف العرَض، ولو صاف سهمُ الهدفِ، عن الغرض، فإنَّ المناطق، أحلى من حليّ المناطق، ومنها غُثاء السَّيل، وجَمع حاطب الليل، والحشَف وسوء الكيل، إنَّما صدَّك عن الإنصاف، أَشَرُ المَكْرَع الصّاف، باختيارك طِرْت، ولهذا بَطِرْتِ، وإليك سَراحُك، فمن أجله مَراحك، ما رقصي للطّرب، بل لابتغاء المُضطرب، ولا صياحي إلاّ للحَرَب، وفَوْت الأرَب:
ورُقادي إنَّما ينْفيهِ هَمٌّ أنا فيه
وفؤادي مِحَنٌ تعريه هَمٌّ يعتريه
حسبي ضيق المَقرِّ، وتعذُّر المَفَرّ، في بيت تدانى سقفُه، وأقرع رأسي نَقفه، وأخلق جناحي زَقْفه، وعدَلني عن البَراح، ورَوح المَغدى والرَّواح، وِردي الغُمْرَ بعد الغَمْر، فكأنَّه قدح الخَمر، يُخال لسواده القار، ثَمَدٌ لا يُغيِّب المِنقار، على طُعمٍ يُعَدُّ من الصِّلة، دون نصف الحَوصلة، قدر ما يسقي الماء، ويُبقي الذَّماء، وكلَّما ألقاه إليّ، وبثَّه لديّ، أقول من ها هنا أُتيت، وبمثله دُهِيت، ولقد أنشدني، قبل أنْ شدَّني:
طِرْ أَيُّها الطَّير واهْجُرْ ما خُدِعْتَ بهفليس للحُبِّ نُلقي الحَبَّ لِلعاصي
وإنَّما هذه الأشياءُ سائرُهاوإنْ حلَتْ لك، أشراكٌ لأَقفاص
لكن الحرص والشَّره أَصَمّاني، والمِقدار بسهمه أصماني، وكنتُ لا أقبل المِنَّة، ولا أخاف الظِّنَّة، فدُفِعت إلى ما ترَيْن، أنْ عصيت الدِّين:
وإذا ما منحتُ دهري عِتابيفرَثى لي وجَدَّ في إعتابي
طلَعَتْ شمسُه عليَّ خُطوطاًفجلَتْني في لملبَس العَتّاب
وقَيِّمي الصَّغير، كأنَّه ليثٌ يُغير، علِم أَنّي أُجالسه، ثمَّ أُخالسُه، أسْتَسْلِم إليه، ثم أُسلِّم عليه، كامنة لانتهاز الفرَص، واختيار القفص على القفص، فبعثه فرط ظَنِّه، أنْ تَمثَّل على صغر سِنِّه: رُبَّ شَدٍّ في الكُرْز، وأخلى حُلَّتي من الطُّرْز، فعمد إلى القوادم فحَصَّها، وإلى الخوافي فقصَّها، وأبعدني من المؤالف، وأقعدني مع الخوالف، كيف يلائمني السكون، وأيُّ صَبرٍ يكون، إذا نظرت إلى أضرابي، ومَن عرفت من أترابي، وقد توالَفْن أزواجا، ورُحْن بعيني أفواجا، كلٌّ يرجع بالعَشِيِّ، إلى وَكره المَغْشِيّ، من طيِّب المآكل، إلى الحبيب المُشاكل، ومن صَفو المَناهل، إلى الرَّبْع الآهِلْ، قد اكتفى وانكفى، وَوَفي له كما وفى، فاذْكر مسكني، وما يفوت من سكَني، فليتَ شِعري حين آضَ، بمَن اعتاض، ولمّا راح، إلى مَن استراح، أظنّه اسْترجع تلك الفَينة، وسأل عنّي جُهَينة، فلمّا لم أعد إليه، وعَمِيَت الأنباء عليه، شدَّ إلى سِواي الرِّحال، وفي عَرارٍ خَلَفٌ من كَحْل، ليت شِعري مَن حَبا تلك الأنفال، وخلَّفني في الأُصَيْبِيَة الأطفال، ومَن هازَل الغصنَ المائل، وغازل تلك الشَّمائل:
ومَن وردَ الماءَ الذي كنتُ وارداًنعم ورعى العُشْبَ الذي كنت راعيا
وما أنا وابتغاء المُجون، وشكواي من السجن المسجون، إشارةٌ يطيش عنها سَهْمُكِ، ويطيح منها فَهمُك، ويستغرق مِقولُها صِفاتِك، ويغرق مِعولُها في صفاتك، فاخلعي بقدسها نعلَيك، واخْصِفي من وَرَقها عليك، فإنَّ حِمى الحقيقة، لحامي الحقيقة، مَنْ لي بذات الأضا، ووادي الغَضا، آه على عصر الكثيب، في الخِدن المُثيب، وبُكرة العلَم، بذي سلَم، ونسيم العِشا، بعَسيب أَشا، لا أشري بيوم الغَدير،، ملْكَ الخَوَرْنَق والسَّدير،، ولا أرى لبُرود الما، بَرْد عشِيَّاتِ الحِمى، إذ تَميدُ بي لِدان الأعواد، بالجَهْلَتين وبَطن الواد:
بأَصبى إلى ما فارَقَتْ يوم فارقتْمن العُشِّ والعيش الرِّضا والمُعاشِرِ
وماضي الصِّبا منّي إلى مَن فِراقُهرَدايَ ومَن لقياه إن متُّ ناشري
وما حالُ مَن تنأَى معاشِرُ أُنْسِهِفيُضحي ويُمسي بين شرِّ مَعاشر
وإنَّ مُحَيّا الليث يَكشِرُ ضارِياًلأَمْلَحُ مِن وجه العدوِّ المُكاشِر
يمُدُّ بَناناً بالسّلام مُشيرَةًقضى العدلُ فيها لو تُمّدَّ لِواشِر
فها أنا حتى يُبشِر اللهُ مُنعِماًبقربِكُمُ للإنس غيرُ مُباشِر
والسلام على سادة الإخوان، وذادة الأحزان، سلاماً تحفُّه التّحيّات، وتحفّه الكرامات والبركات، فلبعدهم الكَرى مات.
وله وقد أودعها كِتاباً في استدعاء المُكاتبات:
فلا تُخلِني منها فإنَّ وُرودَهالعَيني وقلبي قُرَّةٌ وقَرارُ
وفي الكتْب نَجوى مَن يَعِزُّ حِوارُهوتقريبُ مَن لم يَدْنُ منه مَزارُ
قضى الله تسريحاً مُريحاً من الأسىبقربِكُمُ إنَّ البِعاد إسارُ
وله وقد أودعَها أُخرى:
أَما لهذا البِعاد مِن أمَدِفيُطفِئَ القربُ لاعِجَ الكَمَدِ
ويجمع الدَّهر شملَ مُنفردٍأصبح يبكي لنأْي مُنفردِ
فوالّذي راعَني بِبَينِكُمُفَعيلَ صَبري وخانَني جلَدي
ما أَتّقي الموتَ عند ذِكرِكُمُإلاّ بوَضْعي يدي على كبِدي
وطالما بِتُّ فيكمُ قَلِقاًأقطع ليل التَّمام بالسَّهَد
فما درى النّاسُ ما أُكاتِمُهُولا شكوْتُ الهَوى إلى أَحَدِ
وله أُخرى وقد أودعَها كتاب عِتاب:
فإنّا رِضِيعا وِدادٍ صَفاوناسي الرِّضاعة بئس الرَّضيعُ
أتحْفَظُه في زمان الصِّباوعند اكتمال نُهانا يَضيعُ
ويِثني هَوانا، على أَنَّهشريفُ المَناسب، ساعٍ وَضيعُ
وله تعزيةٌ بابنٍ صغير:
أَرَّقني أَنْ بِتَّ مَتبولاموَكَّلاً بالحزن مَشغولا
على هلالٍ ما بلغْتَ المُنىفيه ولا نِلْتَ به السُّولا
فكمْ خشِينا أَنْ نرى يومَهلو أنَّ لِلْمَقدور تَحويلا
لكنْ غدا إشْفاقُنا باطلاًوكان أمر الله مَفعولا
فاصْبر على بَلواه تلْقَ الرِّضافالصَّبر عند الصَّدمة الأُولى
وله وقد أودعها تعزية بامرأةٍ وذَكَرَ في وصْفها:
في حياةٍ مَزينةٍ بحَياءِخلفَ سِترَيْنِ مِن حِجىً وحِجال
ذَكَرُ العقل وهي أُنثى أَلا رُبَّ نِساءٍ لها عقول الرجال
وله تعزيةٌ بأخٍ: سطَّرتها عن هَمٍّ ناصب، وقلقٍ واصِب، وعَبرَةٍ سافِحَة، وزَفرةٍ لافِحة، لفقد من حرَّم فقده السُّلوان، وأضرم في القلوب النيران، ذي الرَّأي الأصيل، والحِجى والتَّحصيل، قِنْوِ أُرومته، وصِنو أُمومته، أجمع باسه لإيناسه، وأمتع ترابه في احتراسه، ومَن فقِد الدَّهر بفقده حِصن الحَزامَة، وقلَّم بيومه ظُفر الشَّهامة، وصَلَمَ أُذُن الظَّرف والوَسامَة، وأخرس لسان الفصاحة، وأصمَّ سَمع الفضل، والرجاحة، وفقأَ عين الكمال، وجدع أنف الجَمال، وصدعَ فؤادَ الإفضال، وانتزع قلبَ السُّودد من صدر الجَلال، وفَقَر ظهر السَّداد، وبقَرَ بطن الرَّشاد، فرَبْعُ النَّدى بعده بَيْتٌ مَهجور، والكرَم حَجُّه مَحجور، والشرف غامض الصُّوى، والمَجد مضَعْضَع القوى، والعرف بائر السوق، والبِرُّ ضائع الحقوق:
وفي حفرةٍ حَتف الأُسودِ مُوَسَّدُوتحتَ صَفيحٍ ذُو الصَّفيحةِ مُلْحَدُ
وأوحَدُ هذا النّاس في العلم والهُدىوَحيدٌ، وفَردُ البأْس والجودِ مُفرَدُ
فتىً خلَّدَ الذِّكْرَ الجميلَ لعلمِهبأنَّ أخا الدُّنيا بها لا يُخلَّدُ
محاسنُ تُتلى من محاسنَ تَمَّحيفللَّه مَيْتٌ بالبِلى يتجَدَّدُ
ولو كان ينجو ذو الكمال من الرَّدىإذاً لنَجا منه النَّبيُّ محمَّدُ
وله في التهاني من تهنئةٍ بمولود: أبهجَني شُروق الهلال، الطّالع بالسَّعد والإقبال، الذي آنسَ بُرجَ السِّيادة، وبشَّر باليُمن والزِّيادة، تنافس في يده الرُّمح والحُسام، وحنَّت إليه في وِفاضِها السِّهام، وصُبَّت نحوه الطُّروس والأقلام، وتوقَّعَتْ ظهورَهُ ظُهور الجياد، وأتْلعَتْ لِحُلِيِّه عُطُلُ الأجياد، وتاقت إلى التَّجَمُّل بمكانه المَجامع، واشتاقت إلى التَّلذُّذ ببيانه المسامع، ولقد تخلَّقَ مَرضِيَّ الخليقة، وخلع العقوق بلبس العقيقة، وحُبِيَ بكرَم الشِّيمة، زمنَ المَشيمة، وفارقَ الغَرس زَكِيَّ الغِراس، ووافقَ النَّفاسَةَ وقت النِّفاس، ورغِبَ عن الوَضاعة، وقتَ الرَّضاعة، وأُلهِمَ هجرَ الأخلاف، قبل وصل الأخلاف، وأُكرِم باختيار المَكرُمة، قبل أخذ الحَلَمة، فاغتدى والمجد رضيعُه، ورقدَ والسُّودَدُ ضَجيعُه، وسَيَدِبُّ والشرف دِينه، ويَشِبٌّ والعُرفُ خَدينُه،، حتى يصبح مع الفِصال، مهذَّب الخِصال، وعند الإثغار، جامع الفَخار، ويَعمُرَ سُبْلَ آبائه، ويَغمُر بسيل حِبائه، فرزقه الله أمثاله، وبلَّغه فيه آماله، فهو المُجَلِّي للهموم وكان بالسَّبق المجلِّي، ولسوف يتلوه إلى الأَمد المُصلّي والمُسلِّي، ويضاعف الله السّعود بهم لسيِّدنا الأجلّ.
وله يقصد التَّجنيس:
أرى الدَّهر أغنى خَطْبُه عن خِطابهبوَعظٍ شفى ألبابَنا بلُبابه
وجرَّد سيفاً في ذُباب مَطامعٍتهافتَ فيها وهي فوق ذُبابه
له قلبٌ تهدي القلوب صَوادِياًإليها وتَعمى عن وشيك انقلابه
هو اللَّيثُ إلاّ أَنَّه وهو خادِرٌسطا فأَغاب الليثَ عن أُنس غابه
إذا جال أَنساكَ الرِّجالَ بظُفرهوإنْ صال أنساكَ النِّصال بنابه
فكم من عروشٍ ثلَّها بشُبوبهوكم من جيوشٍ فلَّها بشبابه
ومن أُمَمٍ ما أُوزِعَتْ شُكرَ عَذبهفصبَّ عليها الله سَوطَ عذابه
وأشهد لمْ تسلَمْ حلاوة شُهدهلِصابٍ إليه من مَرارة صابه
مُبيدٌ مَباديه تَغُرُّ، وإنَّماعواقبه مختومةٌ بعِقابه
ألَمْ ترَ مَن ساس الممالكَ قادراًوسارت ملوك الأرض تحت رِكابه
ودانت له الدُّنيا وكادت تُجِلُّهعلى شُهْبِها لولا خُمودُ شِهابه
أَليس أتاه كالأتِيِّ حِمامُهوفاجأَه ما لم يكن في حِسابه
ولم يخش من أعوانه وعُيونهولا ارتاع من حُجّابه وحِجابه
لقد أسلمتْه حِصْنُه وحَصونهغداةَ غدا عن كَسبه باكتسابه
فلا فِضَّةٌ أنجتْهُ عند انقضاضهولا ذَهَبٌ أنجاه عند ذَهابه
فحَلَّتْ شِمالُ الحَيْنِ تأليف شَملهوعَفَّت جُنوب البين إلْفَ جنابه
وغُودِرَ شِلواً في الضَّريح مُلحَّباًوحيداً إلى يوم المآب لما به
يترجِمُ عنه بالفَناء فِناؤهوما أَوْحشَتْ من سُوحِه ورِحابه
وعرِّجْ على الغَضِّ الشَّباب برَمسِهوسائلْه عن صُنع الثَّرى بشَبابه
ففي صَمته تحت الجُيوب إشارةٌتُجيب بما يُغني الفتى عن جوابه
سلا شخصَه وُرّاثُه بتُراثهوأَفْرَده أترابُه في تُرابه
وأعجَبُ من دهري، وعُجْبُ ذوي الفَنالعَمرُكَ فيه من عجيب عُجابه
وحتّى متى عَتبي عليه ولم يزَلْيَزيد أذى مَن زادَه في عِتابه
إذا كنتُ لا أخشى زئير سِباعهفحتّامَ يُغري بي نَبيحَ كِلابه
يُناصبُني مَن لا تَزيد شهادةعليه سوى بُغضي بلؤم نِصابه
إذا اغْتابَني فاشْكُرْهُ عنّي فإنَّمايُقَرِّظُ مِثلي مِثلُه باغتيابه
ويرتاب بالفضل الذي غمرَ الورىوفي بعضه لو شئتَ كَشفُ ارتِيابه
ويَنحَس شِعري إنْ دبَغْتُ إهابهُبهَجوي فقد نزَّهْته عن إهابه
وله من قصيدة مبدؤها في الشيب:
إذا كان مِن فَودي وَميضُ البَوارِقِفمِنْ مُقلتي فَيضُ الغُيوثِ الدَّوافقِ
تبسَّم هذا الشيبُ عند نزولهتبسُّمَ مَظنونِ الفؤاد منافِق
شَنْئْتُ نجومَ الليل من أجْل لونهوأبغَضْتُ من جرّاه يوم الحدائق
على أنّه في زَعمه غير كاذبٍخلاف شبابٍ زَعمه غيرُ صادق
وأحسَب أنَّ الصِّدق أوجبَ كونَهُكثير الأعادي أو قليل الأصادق
تمسَّك بميعاد المَشيب وعهدِهوكنْ بمَواثيق الصِّبا غير واثق
ومنها:
أيا دهرُ قد شيَّبْتَ قلبي وناظريفأهونُ ما عندي مَشيبُ مَفارِقي
أَعندك أَنّي أَيُّها الدَّهرُ واهِنٌوقد ذَرَّ في إلفِ النّوائب شارِقي
ومنها في وصف الفرس:
أَغَرُّ دَجوجِيٌّ كأَنَّ سَبيبهجناحا غرابٍ أُودِعا صدرَ باشِقِ
جوادٌ على حُبِّ القلوب مُحَكَّمٌيُبين بحسن الخَلْق عن صُنع خالق
بهيجٌ يَهيجُ السّامعين صهيلُهُويُشعِرُ أنَّ العِزَّ خوضُ الفيالق
ومنها في وصف السيف:
وفي يَمنَتي ماضي الغِرار كأنَّهإذا اخترطَتْه الكَفُّ إيماضُ بارق
له ضِحْكُ مَسرورٍ ودَمعةُ ثاكِلٍوعِزَّةُ مَعشوقٍ وذِلَة عاشق
يُسِرُّ قديمَ الحِقدِ وهو مُلاطِفٌويْبطِنُ في السّلسال نار الصَّواعق
له من حديد الهند أكرمُ والدٍوبين قُيون الهند أصنع حاذق
ومِنْ شَقِّ هامات الفوارس شاهدٌبه من حميد الصَّمْتِ أبلغُ ناطِق
وإمّا بدا مِن مَشرِق الغِمْد طالعاًفمَغْربه بين الطُّلى والمَفارق
ها هنا قبضتُ يدي، وقضبْت جدَدي، وقطعت اختياري، وأطعْت اضطراري، فإنّي لو أتيت على فوائد الحصكفيّ المختارة، لأغرقت هذا الكتاب في أبحره الزّخّارة، فما عدَّه الانتقاءُ من نتف الحصكفيّ وأحصى كفى، وما أعدَّه الانتقاد لِمَن يُطالعه ممن بعدها كفلَ بالمَقصود ووَفى، ودأْبي في هذا الكتاب، أن أستوفيَ شرح فضائل الأفاضل من ذوي الآداب، إلاّ مَن لم يقع إليَّ ديوانه، أو مَن لمْ يجمع بيني وبينه بيانه، فإنّني مع صدِّه قنعتُ بمَوجود جَداه، ونقعْتُ الصَّدى بنَداه، والمقصود المَصدوق تكثيرُ الفائدة، وتخضير المائدة، وتوشيع المُسهَم، وتوشيح المُعلَم، وتطريز برود البُدور المُتجلِّية، وتبريز عقود العقول المُتحلِّية، فليَهَبِ المستفيدُ منها طولَها لطَولها، ولْيُعَوِّلْ على مسائل الفضائل في عَوْلها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع