من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الحصكفي
الخطيب بميافارقين. من المتأخرين بديار بكر من حصن كيفا. وُلِدَ بطنزة وتوفي بحصن كَيفا وأقام بميافارقين. علاّمة الزمان في علمه، ومعريُّ العصر في نثره ونظمه، بل فَضَلَ المعريّ بفضله وفهمه، وبذّ الحريري برقّة طبعه، وقوة سجعه، وجودة شعره، وغزارة أدبه، وانفراده بأسلوبه في الشعر ومذهبه، له الترصيع البديع، والتجنيس النفيس، والتطبيق والتحقيق، واللفظ الجزل الرقيق، والمعنى السهل العميق، والتقسيم المستقيم، والفضل السائر المقيم، والمذهب المُذْهَب، والقول المهذّب، والفهم الشهم، والفكر البكر، والقافية الشافية، كأنها العافية والمعيشة الصافية، والروِيّ الروِيّ، والزند الوري، والخاطر الجريّ، الجامع في الوزن بين درّ الحزن، ودرّ المزن، تود الشِّعرى أنها شِعار شعره، والنثرة أنها نثار نثره، والزُّهرة أنها كوكب سمائه، والمشتري أنه مشتري ثنائه، غَنِيَت الغانيات عن قلائدهن بفرائده، وأحبّت الخصور أن توشَّح عوض مناطقها بدرّ مَنْطِقه، وحسدت عيون الغواني عيون معانيه، وغبطت أحداق الحسان أحداق محاسنه وحدائق قوافيه، ما فارق ميا فارقين، بل كان منزله محطَّ رحال المسترشدين المستفيدين، وكنت أحب لقاءَه، وأحدّث نفسي عند وصولي إلى الموصل في شرخ عمري وأنا شَعِف بالاستفادة، كَلِفٌ بمجالسة الفضلاء للاستزادة، فعاق دون لقائه بُعد الشقّة، وضعفي عن تحمل المشقّة، وكنت مع صغري كبير الهمة كثير الاهتمام، بإثبات أبيات تُنشد، وتطلُّب ضالة فاضل تُنشد، أُوثر سماع ما يُؤثر عنهم رواية، وأختار كتب ما أستحسنه حديثاً ونظماً وحكاية، فأحسن ما أثبتُّه من أشعار المُحدَثين، وأغربُ ما تلفَّقتُه من نظم المحدِّثين، مقطَّعة للحصكفي غريبة، مبتكرة معناها عجيبة، في وصف الخمر، أرق منها وأصفى، وآنَق وأضفى، وما سبقه أحد إلى هذا المعنى وهو: شَرُفت عن مخرج الحَدَث والمقطوعة هي:
وخَليعٍ بِتُّ أَعْذُلُهُويرى عَذْلِي من العَبَثِ
قلتُ: إنّ الخمرَ مَخْبَثةٌقال: حاشاها من الخبَثِ
قلتُ فالأرفاثُ تَتْبَعهاقال: طِيبُ العَيش في الرَّفَثِ
قلتُ: منها القيء قال: نعمشَرُفَتْ عن مَخْرَج الحَدَثِ
وسأسْلوها، فقلت: متىقال عند الكَونِ في الجَدَثِ
سمعتُها من غير واحد من الفضلاء والكبراء ببغداد والموصل وواسط وأصفهان، وقد صَقَلَتها الألسنة بالاستحسان، وسجّلوا لصاحبها بالفضل والبيان، وما فيهم إلاّ من أثنى عليه، ونسبها إليه.
وأنشدني بعض الأفاضل الفضلاء ببغداد ليحيى الحصكفي خمسة أبيات، كالخمسة السيّارات، مستحسناتٍ، مطبوعات، مصنوعات، وهي:
أشكو إلى الله من نارَيْن، واحدةفي وَجْنَتيْه وأخرى منه في كَبِدي
ومِن سَقامَيْن: سُقْم قد أحلَّ دميمن الجُفون وسُقم حَلَّ في جَسدي
ومِن نَمُومَيْن: دمعي حين أذكُرهيُذيعُ سِرّي، وواشٍ منه بالرَّصَد
ومن ضعيفين: صَبْرِي حين أذكرهوودّه، ويراه الناسُ طَوْعَ يدي
مُهَفْهفٌ رقّ حتى قلتُ من عَجَبٍأَخْصَرُه خِنْصَري أم جِلْدُه جَلَدي
وأنشدني الفقيه عبد الوهاب الدمشقي الحنفي ببغداد سنة خمسين وخمسمائة قال: أنشدني الخطيب يحيى بن سلامة بميّافارقين لنفسه، من قصيدة شيعية شائعة، رائقة رائعة، أولها:
حَنَّتْ فَأَذْكتْ لَوْعَتي حَنيناأشكو من البَيْن وتشكو البَيْنا
ومنها في مدح أهل البيت ﵈:
يا خائفاً عليَّ أسبابَ الرَّدىأما عَرَفْتَ حِصنيَ الحَصينا
إنّي جعلتُ في الخطوبِ مَوْئِليمحمداً والأنْزَع البَطينا
سُبْل النجاة والمُناجاةِ ومَنآوى إلى الفُلك وطورِ سِينا
سِجنُكمُ سِجِّين إنْ لم تحفظواعَلِيَّنا دَليلَ عِلِّيّينا
وله من قصيدة قصد فيها التجنيس الظريف، اللطيف الطريف، الذي لو كان البُسْتيّ في زمانه أقرّ بأنه عبد بيانه، ومُصَلّي ميدانه، وهي:
أَلَبَّ داعي الهوى وَهْنَاً فلَبّاهاقلبٌ أتاها ولولا ذِكرُها تاها
تَلَتْ علينا ثناياها سُطورَ هوىًلم نَنْسَها مُذْ وَعَيْناها وَعَيْناها
وعَرَّفْتنا معانيها التي بَهَرَتْسُبْلَ الغرام فَهِمْنا إذ فَهِمْناها
عِفْتُ الأَثام وما تحت اللِّثامِ لهاوما اسْتَبَحْتُ حِماها بل حُمَيّاها
يا طالبَ الحُبّ مَهْلاً إنّ مَطْلَبهيُنسي بأكثره اللاهي به اللهَ
ولا تَمَنَّ أُموراً غِبُّها عَطَبٌفَرُبَّ نفسٍ مُناها في مَناياها
فَأَنْفَعُ العُدَد التقوى وأرْفَعُهالأَنْفُسٍ إن وَضَعْناها أَضَعْناها
وله بيتان كأنهما درّتان أو كوكبان دريّان وهما:
ما لِطَرْفي وما لذا السَّهر الدائم فيه وما لليلى وَلَيْلي
هَجرتْني وفاز بالوَصْل أقْوامٌ فطُوبى لواصِليها وَوَيْلي
وأنشدني بعض الأصدقاء له من أول كلمة:
هل من سبيلٍ إلى ريق المُريقِ دَميفليس يَشْفِي سِوى ذاك اللّمى ألَمي
والتمست من ولد الأجَلِّ العالم مؤيد الدين سديد الدولة ابن الأنباري كاتب الإنشاء في ديوان الخلافة المعظمة ما جمعه من إنشاء فضلاء الزَّمان في والده لأنقل منه ما يستظرفه العقل، ويستحسن في نَقده النَّقل، فاعتذر بأن المجموع في خَزْن الوالد، وبعث أَدْرُجاً مشتملة على شيء من الرسائل والقصائد، ومن جملتها كتابٌ بخطّ الحَصْكَفِيّ إليه نظماً ونثرا، كأنه الوَشيُ المُدَبَّج، والرَّوض المُبهِج، والدّيباج الخُسروانيّ رونقاً وجمالاً، والعَضْبُ الهُنْدُوانيّ فِرِنْداً وصِقالاً، يجمع دُرَّ النِّظام، ودَرَّ الغمام، ودراريّ الظَّلام، في سِلْك الكلام، وتُعرِبُ عربيَّتُه عن الغريزة، والرَّويَّة الرَّوِيّة، والذكاء الذَّكيّ، والبيان الوائليّ والخاطر الخطير، والفضل الكثير، والحِكَم المُحكَمة، والفصاحة المُفْحِمَة، بحروف للظَّرف ظُروف، ومَعانٍ لِلُّطْف مَغانٍ، وفُصولٍ للحسن فُصوص، وكلماتٍ عِذابٍ جَزْلَةٍ، كلِمّاتِ عَذارى جَثْلَةٍ، وألفاظٍ ساحرة، كألحاظٍ فاترة، فحملني الشَّعَفُ بآدابه، وحَداني الاكتياب بكتابه، على إثباته، قبل فَواته، ونسج فصوله وأبياته، فأوردْتُ جميع الرِّسالة، لما تحويه من المتانة والجزالة، ونسخة كتاب الحصكفيّ:
سلامٌ كأنفاس الرِّياضِ يَشوبُهاقَسيمةُ عِطرٍ تحتَ قَطرٍ يَصونُها
يجُرُّ النَّسيمُ الرَّطْبُ فيها ذُيولَهُجزاءً بما زُرَّتْ عليه جُيوبُها
ويَخطِرُ في وادي الخُزامَى مُضَمَّناًأزاهيرَ منه قد تضاعفَ طِيبُها
فبالعَرْفِ من دارِيْنَ عن نفَحاتهحديثٌ إذا الأرواحُ نَمَّ هُبوبُها
على المجلس السّامي السَّديديّ إنَّنيلَرَاوي مَزايا مَجده وخطيبُها
على مَجلسٍ تَهوى النُّفوسُ لِقاءَهوتهوي إليه صابِياتٍ قلوبُها
بحيث العُلى تُحْمَى وتُمْنَعُ واللُّهىتُذالُ وسوقُ الفضل تُجْلى ضُروبُها
مجلسُ يتبلَّجُ صباحُه، ويَتَّقِدُ مِصباحه، عن خِلالٍ يحكُمُ لها بالخَصْلِ النِّضال، وكمالٍ يشهد به الفضل والإفضال، وعَرْفٍ يفغم ناشق أثره ريّاه، ويروق رامق خيره محياه، إذ للآثار أرجٌ يُنشق، وللأخبار صورٌ تُرمق، ونشرٍ يهدي إشراقه إلى سواء السبيل، ويحكي مذاقه لذة السلسبيل، وبيت رسختْ في مباني الشرق آساسه، وشمخت بمعاني الكرم أغراسه، واستمجدت للإنجاب قرومه، وفات أمره مَن يرومه.
ما زال يَبْنِي خالِفٌ عن سالِفٍمنهم ويُعْرِبُ آخِرٌ عن أوّلِ
بَيتٌ يَجُرُّ على المَجَرَّةِ ذَيْلَهوندىً به عَزْلُ السِّماكِ الأعزلِ
وفنونِ فضلٍ ترفّ أفنانها، وتؤذن بالفوز الدائم جناتها، مكتسبة من الأشباح القدسيّة علاءً، ومنتسبة إلى الأشخاص الإنسية ولاءً، مترفّعة عن مواطنة الأغفال، ومقارنة أهل السّفال، السائرين في الجيل البهيم، والشاربين شرب الهيم، تحيّة مُربٍّ في الثناء على معاليه، مُكبٍّ على استملاء النُّكت من أماليه. ولرُبّ مُشفق يُتّهم في الإشفاق، ونصيحٍ يرجع بالإخفاق، يستهول في المُفاتَحة مقامي، ويستبعد عندها مرامي، فيقول لشَدّ ما طوّح بك الزَّماع، وطرحتْك الأطماع:
تَحِنّ كأنّك ترجو مَزاراوتصبو، متى كنتَ للنجم جارا؟!
فقلتُ نعم في الحَشا غُلَّةٌأُواري بها في فؤادي أُوارا
أُمَثِّلُ بالفِكر دارَ القَرارِفأهجُرُ دون اللِّقاء القَرارا
أَأَوَّلُ عاشٍ بغى جَذْوَةًفآنَسَ من جانب الطُّور نارا
ولربّ ملومٍ ليس بالمُليم، وما أغفل السالم عن السليم، ولستُ بدعاً في اكتساب الفخار، وهو من أنفس الادّخار. وهبْني المُوفي على العهود، لمطالعة ذات السُّعود، إذ يصهره ناجر، وتلفحه الهواجر، يروقه السَّنا المقصور، فيثني لِيته ويصور، ويشوقه السناء الممدود، فيبعد النُّجعة ويرود:
إذا حَوَّل الظِّلُّ العَشِيَّ رَأَيْتَهحَنيفاً وفي وقتِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ
ثم لا يقال له: راعِ جارك، والزم وِجارك، واذكر ظِيرك، وراسل نظيرك، وارجع إلى قيسك، وأبناء جنسك، وإذا لاعك لاعج البين، فلتكن لأم حنين، ما أنت وذات الإشراق، المرتقية عن كلّ راق.
والصُّمُّ في عُنصُرِ الإفساد حاسِدةٌبصِحّةِ السَّمْع خُلْداً ما له بَصرُ
فيقول: ليس التدرُّع في قضاء الأوطار. مقصوراً على ذوي الأخطار، وقد يشترك في نسيم الهواء، وانتشار الأضواء، ضيوف الدار، وضيغم الخدار، ويتساوى في عموم اللطف، بمصابّ الدِّيم الوُطف، ذَبُّ الرِّياد، وخرق الواد، ولما أشرت بمد اليدين، إلى الخلوّ من همّ الدين، قلا من أحسن وأبيه، وأصاب الشاكلة فيه:
كأنَّ حِرْباءها في كلِّ هاجرةٍذو شَيْبَةٍ من شيوخ الهند مَصلوبُ
ولو وقفت برسمي، وقلبت حروف اسمي، لرأيت إيجابه باقياً، ولوجدته مع الحذف كافياً؛ لا تسمع قول الضلِّيل، عند وقت الغليل:
فقلتُ: يمينَ الله أبرحُ قاعِداًولو قطعوا رَأْسِي لَدَيْكِ وأوْصالي
انظر كيف صرّح عن صدق هواه، واحتقر في جنبه تواه، إشارة تمهّد عذري لديك، وأتقرب بها إليك، وسأنظم بعد هذا الشّذر، وإن كان من الهذر، ثقةً بتلك الأخلاق الطاهرة، والخلائق الباهرة، فاسمع ما أقول، وقد تتباين العقول، فمن خوت من الفضل رباعه، جفت عن الشعر طباعه، والحر إن شاد، سمع الإنشاد، فإن أنخت وأصخت، حَلِيت، وزِنت اللِّيت، وإن أَبَيْت فالزم البيت:
حَتّامَ أَقْطَعُ لَيْلَ التِّمِّ بالأرَقِمُسْتَنْهَضَ الفكر بين الأمنِ والفَرَقِ
أَبْغِي الفَخارَ وأخشى أنْ يُعَنِّفَنيمَن ليس يعلم ما عندي من القلقِ
وسائلُ الفضلِ لا تُكْدي وسائِلُهُإذا تلَطَّفَ للإشكالِ بالملَقِ
بحرٌ من العلم أستهدي جواهِرَهُوكم شفى حالَ من أَشْفَى على الغرق
له فوائدٌ نَجْنِيهنّ أفئدةٌلدى حدائق نَجْنِيهنَّ بالحدقِ
إنْ لم تكن تُورق الأقلامُ في يدهفإنها تُسرِعُ الإثمارَ في الورَقِ
يَبوغُ ذو الفضل تَثْقِيفاً فإنْ تُلِيَتْآياته ظلّ كاليَرْبوعِ في النَّفقِ
وإن تسَوَّق بالألفاظ ألحقهُحُكْم الملوك ذَوي البُقْيا على السُّوَقِ
كم طاش سَهْمُ مُراميه وبات لهطَيْشُ الفَراشة طارَتْ لَيْلَة السَّذَقِ
وكم مُدِلٍّ بحُضْرٍ رامَ غايَتَهفراح يَرْسِفُ كالمَقصور في الطَّلَقِ
مثلُ الذُّبالة إذ غُرَّتْ بمادحهافاستشرقت لتُباري غُرّةَ الفَلَق
صَدرٌ تقَيَّلَ في أفعالِه سَلَفَاًمَن رامَ شَرْكَهمُ في ذاك لم يُطِقِ
مَكارمٌ سنَّها عبدُ الكريم لهُوَمَنْ يَمِقْ غيرَها من سُنّةٍ يَمُقِ
من الأُلى بَهَرَتْ أنوارُ مجدِهمُلَحْظَ العُيونِ فغالَ الشمسَ في الأُفقِ
ما اسْتنَّ أَوّلُهم في شَأْوِه طَلَقَاًفعَنَّ آخرُهم في ذلك الطلَقِ
لكلِّ نَوْءِ عُلاً منهم رَقيبُ عُلاًكما تَتابَعتِ الأنواءُ في نَسَقِ
تَجْلُو مآثرَهم آثارُهم فمتىألمَّ خَطْبٌ ذَكَرْنا الصَّفْوَ بالرَّنَق
عِزٌّ تِلادٌ وفخرٌ غيرُ مُطَّرَفٍوبُعْدُ صِيتٍ وذكرٌ غير مُخْتَلَق
وَهَيْبةٌ ما تهَدَّدْتُ الزمانَ بهافي خَشْيَتي الرَّيْبَ إلاّ خَرَّ كالصَّعِق
مناقبٌ لسديدِ الدولةِ اجتمعتْيَزْدَانُ بالفَرْق منها سائرُ الفِرَق
آثرْتُ عند قُصوري عن بلاغتهخِطابَه فَخَطَبْتُ العَصْب بالخَلَق
ولو سرقْتُ خليعاً من ملابِسهلاخْتَلْتُ في حُلَّةٍ أَبْهَى من السَّرَق
أشكو إليه بَني عَصْرٍ شَرِقْتُ بهموهل تُطاوعني الشَّكوى مع الشَّرَق
فَرَرْتُهم وتوَخَّيْتُ الفِرار وَهَلْيُرْجى الإباق لعانٍ شُدَّ بالأَبَقِ
حُمْرُ العيونِ على أهل النُّهى حُمُرٌخَفِيتُ فيهم خَفاء النَّجم في الشَّفَق
فغُرْبَتي غُرْبةُ البَيضاء في حَلَكٍوَوَحْشَتي وَحْشَةُ السَّوداء في يَقَق
شَأَوْتُهمْ وثَناهمْ ظُلَّعاً أمديفالسَّبْقُ لي وهمُ يَحْظَوْنَ بالسَّبَق
وشامخٍ في الورى بالتِّيه مُسْتَفِلٍكأنّه بانحطاطٍ فاتَهُمْ وَرَقي
ولو أفاق من الأهواءِ فاقَهمُفإنه من يُفِقْ من سُكْرِها يَفُق
ولِلعُلى مُرتقىً دَحْضٌ وكم زَلَقَتْعنه الأُيومُ فمن للأَبْلَق الزَّلَق
زافَتْ لَدَيْه نقودُ الفضلِ وانْمحَقتْسوقُ الرَّشاد وجازَتْ صَفْقَةُ الحَمَق
وغرَّه عِزُّه والدِّرْعُ ساخرةٌفي ضِحْكها من بُكاءِ الكَلْم بالعَلَق
وفي الوِفاض نِبالٌ حَشْرَةٌ عَجَبٌتَنْفَلّ بين حَرابي الزَّغْف والحَلَق
يُسَرُّ أن رَمَقَتْهُ غُلْبُ صاغيةٍتَذُبّ عنه، وموتُ الشاة في الرَّهَق
والهمّ في حَكَماتِ الضَّعفِ وهو علىجِماحه الطِّفْلُ، فعلَ المهر في الوَهَق
يَطْغَى ولو رَمَقَ الإغبابَ كان لهفي أوّل البطش ذِكرى آخِر الرَّمَق
لولا الرّجاءُ ولولا الخوف ما شُغِلَتْأَيْدِي الكماة بحَملِ البِيض والدَّرَق
مِن مَعْشَرٍ صُنْتُ عِرْضي عنهمُ كَرَمَاًإنّ الكريم لَيَحْمي عِرضَه ويَقي
وكم تراءَتْ ليَ الأطماعُ كافِلَةًبما أُحبّ فما ذَلَّتْ لها عُنُقي
لا يَعْطِفُ الحِرصُ أَعْطَافي إليه ولاعَيْنِي مُؤَرَّقَةٌ بالعَينِ والوَرِقِ
نزاهةٌ يَفْخَر الصادي بعِزَّتِهاعلى أخل الرِّيِّ، والطاوي على السَّنِقِ
وكلما قُلتُ يُفْضي بي إلى حَدَبٍعلى بني الفضل أفضى بي إلى حَنَق
كم من دَثائث شَحَّتْ عن نوىً دَمِثٍزاكٍ ومن بُوَقٍ سَحَّتْ على بُوَقِ
هذا ولي في عُبوسِ المَحْل بَيْنَهمُتبَسُّمُ الرَّوْض غِبَّ الوابِل الغَدَق
وطال ما زاد إظْلاماً فزادَ بهقَدْرِي وُضوحاً كذاك البَدرُ في الغَسَق
يَطيبُ في الخَطْب نَشْرُ الحُرّ فهو بهكالوَرْد في الهَمّ لمّا انْهمَّ بالعَرَق
وفي محمّدٍ المَيمونِ طائرُهُشِفاءُ ما رابني في الخَلْقِ من خُلُق
مُؤيِّد الدين مَن ناجَتْهُ هِمَّتُهُكانت إلى مُبْتغاه أَقْصَدَ الطُّرُق
ثِقْ منه بالشَّيْم بالسُّقْيا وإنْ وَعَدَتْغُرُّ السَّحاب بها يوماً فلا تَثِقِ
سوف يعلم عند كشف الغطاء وصيحة الحق، ما مقدار ما لبسه من المَين وخلّفه من الصدق. قد سلف من برد البائية، والإشارة الحِربائية، ما يشفعه الاعتذار، ويسعه الحلم والاغتفار، من إطالة في تقصير، ودلالةٍ تفتقر إلى تبصير، لكن سرت والزميل ظنُّها الجميل:
فذالَتْ كما ذالَتْ وَليدةُ مَجْلِسٍتُري ربَّها أذيالَ سَحْلٍ مُمَدَّدِ
تهجر في العجل قول عاذلها، وتعثر للخجل في ذلاذلها، وللآراء السامية في ستر خلّتها، وغفر زلّتها، والتشريف بالجواب عنها مزيد السموّ والاقتدار إن شاء الله.
وللحصكفي من خطبة بغير نقطة: ألا مُسدّد أراد وصل الآراد، وداوم مواصلة الأوراد، وأعدّ صلاة الأسحار لحصول صلة المَحار، وحاول دار السلام، ومحلّ الإكرام، دار سُرّ أهلها، ودام أُكلها، لا همّ ولا هرم، ولا علل ولا ألم، لا كدار الأكدار، ومُعار الأعمار، دار وِردها آل، وإطماعها مُحال، وإسماعها مِحال، وإمراعها إمحال، والدهر مداره لأهله دمار، وطواره لعالمه أطوار، إحلاء وإمرار، وإحلال وإمرار، وسُكْر وصحو، وسطر ومحو، كؤوسه سِمام، وسهامه سهام، إمّا وعد مطل، وإما أوعد هطل، رِهاماً درّ، وأحلاماً أمرّ، ما أكرم إلاّ مكر وركم، ولا رحم إلا رمح وحرم، ولا وصل إلا اصطلم وصرم، ولا مهّد إلا أهمد وهدم، ما مدح مسالماً، إلا ودهم كالماً، كم رسم ورمس، ووسم وطمس، ودعم وأعدم، وسالم وأسلم، كم سحر وحسر، وسهّل ووعّر، وأسر لما سرّ، وللعداوة أسرّ، كم سوّر وساور وأحال السوار، وروّع وعاور وألاح العوار، كم أراس وأعار، وأسار العار، مادِر ما درّ إلا للإكداء، ماكرٌ ما كرّ إلا للإرداء، ماحلٌ ما حلّ إلا للإسراء، ماصحٌ ما صحّ إلا للأدواء.
وللحصكفي هذا البيت المقبول المقلوب، الذي تتقلّب نحوه القلوب:
أَليفُ الشَّتات شَتيتُ الأَليفبعيدُ القَرين قَرين البِعاد
وله في هلال الفطر، بيتان كصيّب القَطر، وطيّب العطر:
تَباشَروا بهِلال الفِطْر حين بَداوما أقام سِوى أنْ لاحَ ثم غدا
كالحِبِّ واعَدَ وَصْلاً وهو مُحتَجِبٌفحين بانَ تَقاضَوْهُ فقال: غدا
وأنشد الشيخ محمد الفارقي عنه قولاً:
سألتُه اللَّثْمَ يومَ البين فالْتَثماوصَدَّه التِّيهُ أنْ يَثْنِي إليَّ فَما
فكيف أطلُب حِفظ الودّ من صَلِفٍسألتُه قُبلَةً يوم الوَداع فما
وأنشد أيضاً عنه:
وليلةٍ أرشفتْني ظَلْمَ من ظَلَمَاونوَّلَتْني من الطَّيْف المُلِمّ لَما
ولو درى أنني في النوم فُزتُ بهمِنْ بُخلِه ثم حاولتُ الرُّقاد لَما
وهذه من لطائف التجنيس، وطرائف النظم النفيس، كلمٌ في العذوبة كاللمى، وألفاظ كألحاظ الدمى، ومعان في صفاء المعين، وحسن الحور العين.
وقرأت في تاريخ السمعاني كتب لي عسكر بن أسامة النَّصيبي قال: وفيما كتب إليّ الخطيب أبو الفضل يحيى الحصكفي:
فَعَتْبي له عَتْبُ البريء وخِيفَتيلحِرصي على عُتْباه خِيفَةُ جانِ
فإنْ يكُ لي ذَنبٌ فأينَ وَسائليوإن لم يكن ذَنبٌ ففيمَ جَفاني
قال: وللحصكفي:
للهِ مَن زادَنا تَذْكَارُهم وَلَهَاًوصَيَّروا زادَنا يَوْمَ الرحيل ضَنا
وله قرأته في بعض الكتب:
على ذوي الحُبِّ آياتٌ مُتَرْجمةٌتُبين من أجله عن كلِّ مُشتَبِهِ
عَرْفٌ يَفوح وآثارٌ تَلوحُ وأسْرارٌ تَبوحُ وأحشاءٌ تَنوحُ بهِ
وله في لزوم ما لا يلزم:
أقول وربّما نفعَ المَقالُإليك سُهَيْلُ إذ طَلَعَ الهلالُ القمر
تُكاثرني بآلات المعانيوكيف يُكاثر البحرَ الهلالُ الماء في أسفل الحوض
أتطمَعُ أن تنال المجدَ قبليوأنّى تَسْبِقُ النُّجْبَ الهلالُ الصغار من النوق
وَتَبْسِمُ حين تُبصِرُني نِفاقاًوَشَخْصي في جَوانِحِكَ الهلالُ الحربة العريضة
وتُبْطنُ شِرَّةً في لِينِ مَسٍّكما لانت مع اللَّمس الهلالُ الحية
وتنتظر الدوائرَ بي ولكنعليك تدور بالشرّ الهلالُ الرحا
كأنّ وُجوههم في ذُلّ مَثْوَىوفَرطِ صَلابةٍ فيها الهلالُ أثر الحافر في الأرض
وأعراضاً أُذِيلَتْ للأهاجيكما يبدو على القِدَم الهلالُ الثوب الرث
وما تُغني الكثائفُ عن صُدوعٍبها أن يَرْأَبَ الصَّدعَ الهلالُ الحديد الذي يشد به القصب
وأعجَب كيف يَلْزَمُكُم كِتابٌوَأَعْقَلُ من لَبيبكمُ الهلالُ أول ما يولد الولد
وله من قصيدة:
جَلّ مَن صوَّر مِن ماءٍ مَهينصُوَراً تَسْبِي قلوبَ العالَمينْ
وأرانا قُضُباً في كُثُبٍتُخجِلُ الأغصانَ في قَدٍّ ولين
والقصيدة التي له في مدح أهل البيت ﵈ وأوردنا منها أبياتاً، ونسيبها هذا:
حَنَّتْ فَأَذْكتْ لَوْعَتي حَنيناأَشْكُو من البَيْن وتشكو البِينا
قد عاثَ في أشخاصِها طُولُ السُّرىبقَدرِ ما عاثَ الفِراقُ فِينا
فخَلِّها تَمْشِي الهُوَيْنا طالماأَضْحَتْ تُباري الريح في البُرِينا
فكيف لا نَأْوِي لها وهي التيبها قَطَعْنا السَّهْل والحُزونا
ها قد وَجَدْنا البَرّ بَحْرَاً زاخِراًفهل وجدتُم غيرَها سَفِينا
إنْ كُنّ لا يُفصِحْنَ بالشَّكوى لنافهُنَّ بالإرزامِ يَشْتَكينا
قد أَقْرَحَتْ بما تَئِنُّ كَبِديإنّ الحزين يَرْحَمُ الحزينا
لو عَذُبَتْ لها دموعي لم تَبِتْهِيماً عِطاشاً وترى المَعينا
وقد تياسرتَ بهِنّ جائراًعن الحِمى فاعْدِل بها يَمينا
نُحَيِّ أطلالاً عفا آياتِهاتَعاقُبُ الأيام والسِّنينا
يقولُ صَحْبِي أَتَرَى آثارَهمنعم، ولكن لا أرى القَطينا
لو لم تَجِدْ رُبوعُهم كَوَجْدِناللبَيْنِ لم تَبْلَ كما بَلينا
ومن رأى قَبْلَ اللِّحاظِ أَنْصُلاًأَرْدَتْ وما فارقَتِ الجُفونا
أكُلَّما لاحَ لعَيْني بارِقٌبَكَتْ فَأَبْدتْ سِرِّيَ المَصونا
لا تأخذوا قلبي بذَنبِ مُقلَتيوعاقِبوا الخائنَ لا الأمينا
ما اسْتَتَرتْ بالورَقِ الوَرْقاءُ كيتَصْدُقَ لمّا علَتِ الغُصونا
كم وَكَلَتْ بكلّ باكٍ شَجْوَهُيُعينُه إنْ عَدِمَ المُعينا
هذا بُكاها والقَرينُ حاضرٌفكيف مَن قد فارَق القَرينا
أقسمتُ ما الرَّوض إذا ما بَعَثَتْأرجاؤُه الخِيرِيَّ والنِّسْرينا
وعَذُبَتْ أنهارُه وأدركتْثِمارُه وأبدَتِ المَكْنونا
أَشْهَى ولا أَبْهَى ولا أَوْفَى ولاأَحْلَى بعَيْني لينا
مِن قَدِّها ووجهها وثَغرِهاوشَعرِها فاستمِع اليَقينا
وله:
أَقْوَتْ مَغانيهم فأقوى الجسَدُرَبْعَانِ كلٌّ بعد سُكْنى فَدْفَدُ
أسألُ عن قلبي وعن أحبابِهومنهمُ كلُّ مُقِرٍّ يَجْحَدُ
وهل تُجيبُ أَعْظُمٌ بالِيةٌأو أَرْسُمٌ دارِسةٌ مَن يَنْشُدُ
ليس بها إلاّ بقايا مُهجَتيوذاك إلاّ حجَرٌ أو وَتِدُ
كأنني بين الطُّلول واقِفاًأَنْدُبُهُنَّ الأشعثُ المُقَلّدُ
كأنّما أنواؤها خَلاخِلٌوالمُثَّلُ السُّفْعُ حَمامٌ رُكَّدُ
صاحَ الغُرابُ فكما تحمَّلوامَشى بها كأنه مُقَيَّدُ
يَحْجِلُ في آثارهمْ بَعْدَهُمُبادي السِّمات أَبْقَعٌ وأسْوَدُ
لبِئْسَ ما اعْتاضَتْ وكانتْ قبلَ ذاتَرْتَعُ فيها ظَبَيَاتٌ خُرَّدُ
لَيْتَ المطايا للنَّوى ما خُلِقَتْولا حَدا من الحُداةِ أحَدُ
رُغاؤُها وَحَدْوهم ما اجتمعاللصَّبِّ إلاّ وَشَجَاه الكمَدُ
تقاسَموا يومَ الوداع كَبِديفليس لي منذ توَلَّوْا كَبِدُ
عن الجُفونِ رحلوا، وفي الحَشاتقَيَّلوا، وماءَ عَيْنِي ورَدوا
فَأَدْمُعي مَسْفُوحةٌ، وكَبِديمَقْرُوحةٌ، وغُلَّتي لا تَبْرُدُ
وَصَبْوَتي دائمة، ومُقلتيدامِية، وَنَوْمُها مُشَرَّدُ
أَرْعَى السُّها والفَرْقَدَيْنِ قائِلاًليتَ السُّها عَنَّ عليه الفَرْقَدُ
تلك بدورٌ في خُدورٍ غَرَبَتْلا بل شُموسٌ فالظلام سَرْمَدُ
تيَمَّني منهم غزالٌ أَغْيَدُيا حبّذا ذاك الغزال الأغْيَدُ
حُسامه مُجَرَّدٌ، وَصَرْحُهُمُمَرَّدٌ، وخَدُّه مُوَرَّدُ
وصُدْغه فوق احمرار خَدِّهمُعَقْرَب مُبَلْبلٌ مُجَعَّد
كأنّما نَكْهَتُه وَريقُهمِسكٌ وخَمرٌ والثنايا بَرَدُ
له قَوامٌ كقَضيبِ بانَةٍيهتزُّ نَضْرَاً ليس فيه أَوَدُ
يُقعِده عند القيام رِدفُهوفي الحَشا منه المُقيمُ المُقعِدُ
أَيْقَنْتُ لمّا أنْ حَدا الحادي بهمولم أمُتْ أنَّ فؤادي جَلْمَدُ
كنتُ على القُرْبِ كئيباً مُغْرَماًصَبّاً فما ظنُّكَ بي إنْ بَعُدوا
لولا الضَّنا جَحَدْتُ وَجْدِي بهِمُلكنْ نُحولي بالغَرام يَشْهَدُ
همُ توَلَّوْا بالفؤادِ والحَشافأين صَبْرِي بَعْدَهمْ والجلَدُ
همُ الحياة أَعْرَقوا أم أَشْأَمواأم أَتْهَموا أم أَيْمَنوا أم أَنْجَدوا
ليَهْنِهِمْ طِيبُ الكَرى فإنّهحظُّهمُ وحظُّ عَيْنِي السَّهَدُ
للهِ ما أَجْوَرَ حُكّامَ الهوىليس لمن يُظلَمُ فيهم مُسْعِدُ
ولا على المُتلِفِ غُرْماً بينهمولا على القاتل عَمْدَاً قَوَدُ
وله أيضاً:
واللهِ لو كانت الدنيا بأجْمعهاتُبْقي علينا ويأتي رِزقُها رَغَدَا
ما كان مِن حقِّ حُرٍّ أن يَذِلَّ لهافكيف وهيَ مَتاعٌ يَضْمَحِلُّ غدا
ثم وقع إليّ قطعة كبيرة من شعره ورسائله، وذلك بمصر، فلمحتها فرأيت فيها كل مُلحة، ذكيّة من نشرها بأطيب نفحة، فنسخت منها ما نسخ فخر مُساجليه، ورسخ فضله على مماثليه. فمن ذلك قوله من كلمة كتبها إلى كمال الدين الشهرزوري بالموصل مشتملة على معاني أهل التصوّف:
أداروا الهوى صِرْفاً فغادرهم صَرْعَىفلمّا صَحَوْا من سُكرِهم شَرِبوا الدَّمْعا
وما عَلِموا أنّ الهوى لو تكَلَّفوامحَبَّةَ أهليه لصارَ لهم طبعا
ولما استلذّوا مَوْتَهم بعَذابهوَعَيْشَهمُ في عُدْمِه سألوا الرُّجعى
إذا فقدوا بعض الغرام توَلَّهواكأنَّ الهوى سَنَّ الغَرامَ لهم شَرْعَا
وقد دفعوا عن وَجْدِهمْ كلَّ سَلْوَةٍولو وَجَدَتْه ما أطاقَتْ له دَفْعَا
وطاب لهم وَقْعُ السِّهام فما جَلَوْالصائبها بِيضاً ولا نسَجوا دِرْعا
فكيفَ يُعَدُّ اللَّوْمُ نُصْحاً لَدَيْهمُإذا كان ضُرّ الحُبّ عندهمُ نَفْعَا
ومنها:
خَلا الرَّبْع من أحبابِهم، وقلوبُهمْمِلاءٌ بهم، فالرَّبْعُ مَن سأل الرَّبْعا
سَلِ الوُرْقَ عن يوم الفِراق فإنّهُبأَيْسَرِ خَطْبٍ منه عَلَّمَها السَّجَعا
إذا صَدَحَتْ فاعلَمْ بأنّ كُبودَهامُؤَرَّثَةٌ غَمّاً تُكابده صَدْعَى
وذاك بأنّ البَيْنَ بانَ بإلْفِهاوكيف ينالُ الوَصْلَ من وَجَدَ القَطْعا
وأهلُ الهوى إنْ صافحَتْهُم يدُ النَّوىرَأَوْا نَهْيَها أمراً وَتَفْريقَها جَمْعَا
رعى وسقى اللهُ القلوبَ التي رَعَتْفَأَسْقَتْ بما أَلْقَتْ وأخرجَتِ المَرْعى
وحَيّا وأحْيا أَنْفُساً أَحْيَتِ النُّهىوحَيَّتْ فَأَحْيَتْنا مَناقِبُها سِمْعا
سحائِبُ إنْ شِيمَتْ عن المَوْصِلِ التيبها حَلَّتِ الأنواءُ أَحْسَنتِ الصُّنْعا
أوائِلُها من شَهْرَزورٍ إذا اعْتَزَتْجزى اللهُ بالخيرِ الأراكة والفَرْعا
وَجَدْتُ الحَيا عنها بنُجْعَةِ غيرهفَأَعْقَبَنا رَيَّاً وأحْسَبَنا شِبْعا
ونِلْنا به وِتْرَ العطاء وَشَفْعَهُكأنّا أَقَمْنا نحوه الوتْرَ والشَّفْعا
وللحصكفي من قصيدة:
أتُرى عَلِموا لمّا رحلواماذا فعَلوا أمْ مَن قتَلوا
خدَعوا بالمَيْنِ قَتيلَ البَيْنِ فدمعُ العَين لهُم ذُلُلُ
وبسَمْعي ثَوَّرَ حادِيهِمْوبعيني قُرِّبَتِ البُزُلُ
فمتى وصَلوا حتى قطَعواومتى سمَحوا حتى بَخِلوا
قد زاد جنونُ النَّفسِ بمَنْللعقل محاسنُه عُقَلُ
إن قام أقام قيامَتهاأو جالَ فَجَوْلتُه الأجَلُ
كقَضيبِ البان وفي الأجفان من الغِزلانِ له مثَلُ
أشكو زَمَنَاً أَوْلَى مِحَناًوجنى حَزَنَاً فَعَفَتْ سُبُلُ
العلمُ يُهانُ وليس يُصان فأيُّ لسانٍ يَرْتَجِلُ
وله من رسالة: للقلوب من دون أستار الغيوب، أطال الله بقاء القاضي، حَواسّ سلمتْ مطالعُها، وعُدمت موانعها، فلا يوقر سامعها، ولا يعشى طامعها، لأنها صفت فوُصفت، وسرحت فشُرحت، فهي تستمد القوى من أنوار ذواتها، وتتلقّاها من فيض أدواتها، وتلك لأهل الأحوال، وأنا منها على الأقوال، وأخرى تطالعها الأنوار من مظانّها، في مكامنها، وتتّصل بها القوى لدى مساكنها، من معادنها، لأنها قُصرت فنُصرت، وحُصرت فبُصرت.
كالشمس لا تبتغي بما صَنَعَتْ منفعةً عندهم ولا جاها
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع