من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
محمد بن عيسى اليماني
ورد بغداد في سنة خمسين وخمسمائة، وكان قد أصعد من واسط، وهو فاضل مهندس، لكن له طبع شرس، نفيس النفس، مصيب الحدس، نزل في دار طبيب نصراني من بني تومة، ولم يبرح من ذلك المنزل ولن يريمه، وكان لعلة في ضيافة الطبيب، وهو يحل عليه إقليدس على الترتيب، وكان يضن به غاية الضنة، ويتقلد لمن يجعل له إليه طريقاً قلائد المنة، وكنت حينئذ مولعاً بإقليدس وحل أشكاله، وفهم ما يعرض من شكوكه وإشكاله، فتوصلت إلى أن بلغت إليه، وحللت مقالات عليه، فلما رأيته نافر الطبع بالكلية، أكدت مفارقته بالألية، ورأيته يدعي علوماً، ويدعو لنفسه أمراً عظيماً، من علم المجسطي وهيئات الفلك، والمنطق الذي من شم سمه هلك، وكان يقول بفارس، إنسان في هذا العلم فارس، وأنا لابد لي من قصده، واستيراء زنده، وغاب ثم عاد في السنة الثانية إلى بغداد، فلقيته في عرض الطريق مرة واحدة، ورأيت طباعه للمعرفة القديمة جاحدة، فما شئت ماشيته، وجادلته في شيء من العلوم وماريته وفارقته، وبعد ذلك ما رأيته. أنشدني لنفسه من أبيات عملها:
إلى الله أَن الدَّهرَ أَنيابُ صَرْفهعليَّ من الْغيظ المُبَرِّح تَصْرُفُ
وذَنْبي إِليه أَن نفسي إلى العُلاتَتُوق وعن طُرْقِ المَذَلَّة تَعْزُفُ
ولكنَّ هذا الدَّهرَ لا دَرَّ دَرُّهُعَلَى الحرِّ جَوَّارٌ ولِلْجِبسِ مُنْصِفِ
وأنشدني لنفسه:
أَقولُ لنفسي وقد أَشْفقتْلِكوْن الهمومِ إليها قواصِدْ
إِذا كُنتِ تَبغين كَسْبَ العُلىفلا تَحْفَلي بِلقاءِ الشدائدْ
أنشدني: كسب المعالي، فقلت: كسب العلا أصوب:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع