تجاوز إلى المحتوى

من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)

حجة الدين المكي الأصل المغربي المنشأ

هو أبو عبد الله محمد بن أبي محمد بن محمد بن ظفر سكن الشام في الشطر الأخير من عمره، وقرط أسماع المستفيدين بدره، وكان إمام وقته في التفسير والأدب، رأيته بحماة مقيما، ونفوس طلبة العلم إليه هيما، توفي سنة سبع أو ثمان وستين وخمسمائة بحماة وله التصانيف الحسنة، والمجموعات المدونة، ومن جملة كتبه: سلوان المطاع في عدوان الأتباع، طالعته فوجدته كتاباً مفيداً مشتملاً على حسن معنى ولفظ، وذكر تنبيه ووعظ، صنفه إبان مقامه بصقلية، سنة أربع وخمسين وخمسمائة، ويشكر في خطبته القائد الذي صنعه باسمه ويقول: بارك الله له فيما ألهمه كسبه، وكان وليه وحسبه، فلقد أنزل الدنيا بدرك منزلتها، وكوشف بشرك مزلتها، فعمل للبقاء لا للفناء، وجمع للجود لا للاقتناء وجاد لله لا للثناء، وآخى للتعاون على البر والتقوى، لا للتهافت في هوى الهوى، وزان الرياسة بنفس لا تضيق بنازلة ذرعا، ولا تصغي إلى الوشاة سمعا، ولا تدنس بطبع طبعا، وبحلم لا يرفع الغضب لديه رأساً، وحزم لا تخاف الإيالة معه بأساً، فالحمد لله الذي أباحني من إخائه حمى منيعاً، وحرماً أميناً، ومرتعاً مريعا، وورداً معيناً.

فنحن بقَرْبه فيما اشْتهيْناوأَحْببنا وما اخْتَرْنا وَشينا
يقَينا ما نعافُ وإِن ظنَنّابه خيراً أَراناه يقَينا
نميلُ على جوانبه كأَنّاإِذا مِلْنا نَميل عَلَى أَبينا
للشاعر وضاح اليمن، من قصيدة «يقينا ما نخاف وإن ظننا»

وأقسم لولا أن الشكر عقد شرعي، وحق مرعي، لأقررت عينه بطي ما نشرت، والتورية عما إليه أشرت، إذ كان وقاني الله بعده، ولا أبقاني بعده، يرى أن الشكر في وجوهى آلائه ندوب، والمدح من خواص أوليائه ذنوب.

ومن نثره ونظمه في التفويض أسجاع وأبيات حكمية.

فمن النثر: معارضة العليل طبيبه، توجب تعذيبه. إنما الكيس الماهر، من استسلم في قبض القاهر. إذا كانت مغالبة القدر مستحيلة، فمن أعوان نفوذه الحيلة. إذا التبست المقادر، ففوض إلى القادر.

ومن الشعر قوله:

أَيا مَنْ يُعَوِّلُ في المْشكلاتعَلَى ما رآه وما دَبَّرَهْ
إذا أَشْكَلَ الأَمرُ فابرأْ بهإِلى من يرى منهُ ما لَمْ تَرَهْ
تَكُنْ بينَ عَطْفٍ يَقيك الْخُطوبولُطْفٍ يهوِّنُ ما قَدَّرَهْ
إِذا كنتَ تجهل عُقْبى الأْمورومالك حَوْلٌ ولا مَقْدُرَهْ
فلمْ ذا الْعَنا وعَلامَ الأَسىوَمِمَّ الحِذارُ وفيمَ الشَّرَهْ

وقوله:

يا رُبَّ مُغْتَبِطٍ ومَغْبوطٍ برأْيٍ فيه هُلْكُهْ
ومُنافِسٍ في مَلِك مايُشْقيهِ في الدَّارَيْن مُلْكُهْ
عِلْمُ العَواقِب دونَهسِتْرٌ وليس يُرامُ هَتْكُهْ
ومُعارِضُ الأَقدار بالْآراءِ سَيْئُ الْحالِ ضَنْكُهْ
فكُنِ امرءاً مَحَضَ اليقين وَزَيَّف الشُّبُهاتِ سَبْكُه
تَفْويضُه تَوْحيدُهوعِناده المِقْدارَ شِرْكُهْ

وفي سلوانة التأسي: التأسي جنة البلاء، وسنة النبلاء. التأسي درج الاصطبار كما أن الجزع درك التبار.

ومن سلوانة الصبر قوله:

عَلى قَدْرِ فضل المرءِ تأْتي خُطُوبُهويُعْرَف عند الصَّبْر فيما يُصِيبهُ
للشاعر محمد بن مسعود البجّاني، اقرأ القصيدة
ومَنْ قَلَّ فيما يَتَّقِيه اصطبارُهفقد قَلَّ فيما يَرْتجيه نَصِيبُهُ

ومن كلامه في الصبر: صبر الملوك ثلاث قوى: قوة الحلم وثمرتها العفو، وقوة الكلأة والحفظ وثمرتها عمارة المملكة، وقوة الشجاعة وثمرتها في الملوك الثبات، وفي حماة المملكة الإقدام في المعارك، ولا يراد من الملك الإقدام في المكافحة فإن ذلك من الملك تهور وطيش وتغرير، وإنما شجاعته ثباته حتى يكون قطباً للمحاربين ومعقلاً للمنهزمين، وهذا ما دام بحضرته من يثق بذبه عنه، ودفاعه دونه، وحمايته له.

ومن سلوانة الرضا قوله: من رضي حظي. من ترك الاقتراح، أفلح واستراح. كن بالرضا عاملاً قبل أن تكون له معمولاً، وسر إليه عادلاً وإلا صرت نحوه معدولاً.

وقوله نظماً:

يا مَفْزعي فيما يَجيئ وراحِمي فيما مَضى
عِنْدي لمِا تَقْضيه ماتَرْضاه مِنْ حُسْن الرِّضا
ومِنَ الْقطيعة أَستعيذُ مُصَرِّحاً وَمُعَرِّضا

وقوله:

كُنْ مِنْ مُدَبِّرِك الحكيم، عَلا وجَلَّ، عَلَى وَجَلْ
وارْض الْقَضاءَ فإِنّهحَتْمٌ أَجَلْ وله أَجَلْ

وقوله:

يا مَنْ يرى حالي وأَنْ ليس ليفي غيرِ ما يُرْضيه أَوطارُ
وليس لي مُلْتَحَدٌ دُونَهُولا عليه ليَ أَنصارُ
حاشا لِذاك الْفَضل والعِزِّ أَنْيَهْلَكَ من أَنْت له جارُ
وإِنْ تَشأْ هُلْكي فيا مَرْحَباًبكلِّ ما تَقْضي وتَخْتارُ
كلُّ عذابٍ منك مُسْتعْذَبٌما لك يكنْ فَقْدُك والنّارُ

وقوله:

إِذا أَنا لم أَدْفَع قَضاءً كَرِهْتُهُبشيءٍ سِوى سُخْطي له وتَبَرُّمي
فصَبْري له من حُسْنِ معرفتي بهكما أَنّ رِضواني به مِن تَكَرُّمي

وله في سلوانة الزهد قوله في زهد النبي ﵇:

قال لهُ جِبْريل عن رَبِّهِخُيِّرْتَ فاختر يا دَليلَ الهُدَى
نُبُوَّةً في حالِ عَبْدِيَّةٍتَحْوي بها الْقِدْحَ المُعَّلى غدا
أَو حالَ تمْليكٍ تَخِرّ العِدَىبَيْنَ يَدَيْه صُعَّقاً سُجَّدا
فاخْتار ما يَحْظى به آجِلاًلله ما أَهْدَى وما أَسْعدا

وقوله:

يا مُتعَباً كَدّه الْحِرْصُ في الْفُضول وكادَهْ
لو حُزْتَ ما حاز كِسرىوما حَوَى وأَفادهْ
ما كنتَ إِلاّ مُعَنىًّومُغْرَماً بالزِّيادهْ
لم يَصْفُ في الأرض عَيْشٌإِلاّ لأَهْل الزَّهادهْ
فَرُضْ عَلَى الزُّهْد نَفْساًفإِنّما الخيرُ عادهْ

وقوله:

دُنياك دارُ غُرورٍومُتْعَةٍ مُسْتعارَهْ
ودارُ لبس وكَسْبٍومَغْنَمٍ وتجارهْ
ورأَس مالِكَ نَفْسٌفاحْذَر عليها الخَسارهْ
ولا تَبِعْها بأَكْلٍوَطِيبِ عَرْفٍ وَشارهْ
فإِنّ ملك سليمان لا يفي بشَرارهْ

وقوله من قصيدة:

إِنّا بِدارٍ تُرْدي مُحارِبَهاوتَخْفُرُ إِلإِلَّ في مُوادِعِها
وتَسْتَفِزُّ الحَليمَ عَنْ سَنَنِ الْقَصْدِ وتُعْيي عَلى مُخادِعِها
مَنْ رامَ إِبقاءَها عليه فقدحاوَلَ ما ليس في طبائعها
أَسْرَعُ ما تنتحي بَوائقُهايَوْماً إِذا استجمعت لجامِعها
فَتِهْ عليها وارَبأْ بِنَفْسك عنطِلابها وافتفاءِ تابعِها
واشْقُق عصا بَيْعَةِ الْغُرور لهاوانْبِذ صُراحاً إِلى مُبايعها
عَمْري لقد أَنْذَرَتْ مُنَدِّدَةًنَاخِعَةً نُصْحَها لسِامِعِها
مُؤْذِنَةً أَنّها مُؤَدِّيةٌلساعةٍ آهِ مِنْ قَوارِعها
فالأمْنُ، واللهِ، مِنْ فَجائعهايَضْمَنُه الزُّهْد في مَطامِعها

وقوله:

راعَك الزُّهْدُ إِنَّما الزُّهْد رَفْضٌلِفُضولٍ تَلْهي وتُطْغي وتُرْدي
ثم لا تُمْكِنُ الزَّهادةُ في الْمَقْسوم رِزْقاً بل في ضُروب التَّعَدّي
مَرْحَباً بالكَفافِ عَيْشاً هَنيئاًثم لا مَرْحباً بحرصٍ وكَدِّ
ما عَلِمْنا، وقد رأَينا كثيراًوسَمِعنا، مَنْ حاز جَداً بِجِدِّ
لا يَزالُ الْحَريص يَسْتامه الحِرْصُ بنُصْب من الشَّقا وبِكَدّ
ثم لا يستطيع أَنْ يَتَعَدّىقَدَراً ما لِحُكْمِهِ من مَرَدِّ

وقال في آخر الكتاب: أعوذ بالله من عذاب الإعذاب، كما أعوذ به من حجاب الإعجاب، وأستكفيه عول السؤال كما أستعفيه غول الجواب، وأستدفع به فساد الخطأ كما أستدفع به كساد الصواب.

ومن ملتقطات حكم الكتاب المودعة فيه: الدنيا قريب سلبها من سلمها، وخطفها من عطفها. التنعم في الدنيا يضاعف حسرة زيالها، ويؤكد غصة اغتيالها. المال كالماء، فمن استكثر منه ولم يجعل له مسرباً ينسرب به ما زاد على قدر الحاجة غرق به. المواساة في المال والجاه عوذة بقائهما. الموثوق موموق، والأمين، بالمودة قمين. كن من عينك على حذر، فرب جنوح حين، جناه جموح عين. ما أحرى الملول، بأن يحرم المأمول. السآمة من أخلاق العامة، لا من أخلاق السامة. التنقل من خلة إلى خلة، كالتنقل من ملة إلى ملة. من لزم الرقاد، حرم المراد. من بلغ من اليسار ما فوق قدره تنكر لمعارفه. اليسار مفسدة للنساء لغلبة شهواتهن على عقولهن. أمران يسلبان الحر كمال الحرية: قبول البر، وإفشاء السر. إذا أمكنت عدوك من أذنك فقد تعرضت للغرق في بحره، والحصول في وهق سحره. من تسرع إلى الأمانة، فلا لوم على من اتهمه بالإضاعة، ومن تسرع إلى المشاركة في السر، فلا لوم على من أتهمه بالإذاعة، ومن تنصح قبل أن يستنصح، فلا لوم على من اتهمه بالخداع، ومن عني بكشف ما ستر عنه فلا لوم على من اتهمه بخبث الطباع. أصعب ما يعانيه الإنسان ممارسة صاحب لا تتحصل منه حقيقة. إحذر مقارنة ذوي الطباع المرذولة، لئلا تسرق طباعك من طباعهم وأنت لا تشعر. من غرس العلم اجتنى النباهة، ومن غرس الزهد اجتنى العزة، ومن غرس الإحسان اجتنى المحبة، ومن غرس الفكرة اجتنى الحكمة، ومن غرس الوقار اجتنى المهابة، ومن غرس المداراة اجتنى السلامة، ومن غرس الكبر اجتنى المقت، ومن غرس الحرص اجتنى الذل، ومن غرس الطمع اجتنى الخزي، ومن غرس الحسد اجتنى الكمد.

أول الهوى هون وآخره هون. الهوى طاغية فمن ملكه أهلكه. الهوى كالنار إذا استحكم اتقادها، عسر إخمادها، وكالسيول إذا اتصل مدها تعذر صدها. ليس الأسير من أوثقه عداه أسراً، إنما الأسير من أوبقه هواه قسراً، وأرهقه خسراً. الغريب ميت الأحياء، قد أعاده البين، أثراً بعد عين. العاقل يقدم التجريب على التقريب، والاختبار على الاختيار، والثقة على المقة. الرأي سيف العقل. أفضل الرأي ما أجادت الفكرة نقده، وأحكمت التروية عقده. كل رأي لم تتمخض به الفكرة ليلة كاملة فهو مولود لغير تمام. رب حيلة، أنفع من قبيلة. السلطان في حال اضطراب أموره كالبحر في حال هيجه لا ينبغي أن يقرب.

وذكر في صدر الكتاب أن السلوان جمع سلوانة وهي خرزة تزعم العرب أن الماء المصبوب عليها إذا شربه المحب سلا.

ومبدأ خطبة الكتاب: الحمد لله جاعل الصبر للنجاح ضمينا، والمحبوب في المكروه كميناً، الذي ضرب دون أسرار الأقدار حجاباً مستوراً، وقضى أن الخير على الفطن لا يزال حجراً محجورا.

ولهذا حجة الدين كتب مصنفة من جملتها درر الغرر أودعه أنباء نجباء الأبناء، وكان شخصاً عزيزاً، قد برز في العلوم على علماء عصره تبريزا.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «خريدة القصر: أقسام أخرى»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.