من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الملك الناصر صلاح الدين
فالملك الناصر صلاح الدين أبو المظفر يوسف بن أيوب، أيد الله بالنصر سلطانه، وأيد بالشكر إحسانه، وإن كان لا يقول الشعر، لكنه ناقدٌ خبيرٌ، ونافذٌ بصيرٌ، بعجبه المعنى المعري، واللفظ السهل الأبي، وهو يحفظ من محاسن العرب ومزاين الأدب؛ وأعاجيب السير، وأساليب العبر؛ وقصائد القدماء، وشوارد الحكماء؛ ما يستشهد فيه لكل حادثٍ وحديثٍ؛ بما هو اللائق، ولا يجري في مجلسه ومأنسه إلا هو من الحكم والكلم الفائق الرائق، يحب الشعر الجيد ويحبوه بشعار جوده، ويكرم الفضل وينادي نداه إلى ناديه أهليه من تهائمه ونجوده، خرقٌ، صدره في الكرم أوسع من خرق فدفد، ولمحه من الحكم أسرع من برقٍ مرعد، ومجده في الأمم أرفع من فرق فرقدٍ؛ وكيف لا يتسم بالفضل من يستمد من ألفاظ الفاضل، ويستضيء برأيه الفاضل، ويعتمد على ركنه الأمنع، ويعتمد بيمنه الأمتع ويصول به على الخطوب المستطيلة فيقصر خطوها ويسطو بقلمه على الأهواء المضلة فيضعف سطوها، وما في بني أيوب من اشتغل بالأدب أو قرأ شيئاً من كلام العرب، لكنهم لمجالسة الأدباء، ومساجلة الألباء، ومذاكرة العلماء، ومكاثرة الحكماء، علموا فعملوا، وأقبلوا وقبلوا، وشملتهم السعادة من الملك الناصر، فنطقوا بكل غريبةٍ وسبقوا بكل رغيبةٍ.
وقد أوردت منهم من تولع بالنظم طبعاً فاتفقت له أبياتٌ موزونةٌ، كأنها في السرد مضاعفاتٌ موضونةٌ.
فمنهم:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع