من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الملك عز الدين أبو سعد فرخشاه بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي
ابن أخي الملك الناصر صلاح الدين يوسف ملك مصر، مولده دمشق.
غيث السماح، ليث الكفاح، غوث النجاح، طود الحجا، جود الندى، عود النهى، السديد الآراء، الشديد الإباء، فارس الجلاد، فارس الأجلاد، مطعان الهياج، مطعام المحتاج، عين إنسان الإحسان، وإنسان عين الزمان، معاذ الرجاء، وملاذ الفضلاء، يجل عن نظم الشعر قدره، ويزيد على فخر الأدب فخره، لكنه لكثرة مخالطة أهل الفضل قد خلص من الشوب، خلوص النضار غب الذوب، فما يفوه إلا بغريبةٍ، ولا يحبو إلا برغيبةٍ، ولا ينطف إلا ببديعةٍ، ولا يفهق إلا بصنيعةٍ، ينظم البيت والبيتين، ويرتجل القطعة والقطعتين، لتتم له الفضائل كلها.
أنشدني بنفسه بقلعة دمشق، ونحن بين يدي السلطان الملك الناصر في ذي الحجة سنة سبعين:
إذا شِئْتَ أَنْ تُعْطي الْأُمورَ حُقوقَهاوَتُوقِعَ حُكْمَ الْعَدْلِ أَحْسَنَ مَوْقِعِةْ
فَلا تَصْنَعِ المْعَروفَ مَعَ غَيْرِ أَهْلِهِفَظُلْمُكَ وَضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوِضِعِهْ
هذان البيتان ينبئان عن فضله، وكرم طبعه، فإنه مغرم بإكرام الفاضل ورفعه، مغرى بإهانة الجاهل ووضعه. قلت له: هلا قلت: فلا تضع المعروف في غير أهله، فإني أكره مع وهي ثقيلةٌ يمجها الطبع السليم والخاطر المستقيم؟ فقال: كذلك قلته.
وأنشدني بيتين كتبهما بمصر إلى صديقٍ له:
عَرَتْني هُمومٌ أَرَّقَتْني لِعُظْمِهاكما يَأْرَقُ الصَّبُّ الْكَئيبُ مِنَ الْوَجْدِ
وَلابُدَّ أَنْ أَدْعو شَقيقاً يُزيلُهافإنْ تَسْتَجِبْ يا بْنَ الرَّشيدِ فمِنْ رُشْدي
شعره ظرف الظرف، وحسن الحسن، وملح الملاحة، وجادة الإجادة، ومائدة الفائدة، ومأدبة الأدب، وعلم العلم، وحكمة الحكمة، ونور الحدقة، ونور الحديقة.
وله يداعب بعض أصدقائه وهو رجاء:
رَجاءٌ كانَ قِدْماً مُسْتَهاماًبِأَخْبارِ الرَّسولِ وَبالسَّماعِ
وَلا يَسْعى لِمَكْرُمَةٍ وَلكِنْتَراهُ إلَى الْمَطاعِمِ خَيْرَ ساعِ
وَلا يَرْوي مِن الأَخْبارِ إلّاأُجيبُ وَلَوْ دُعِيتُ إلى كُراعِ
وله في مثل ذلك:
هذا أَبو الْخَيِر قَدْ أَضْحى لَهُ خُلُقٌكَمادِرٍ فَهْوَ لا يَخْلو مِنَ الْعارِ
وَلَيْسَ يَرْوي مِنَ الأَشْعارِ قَطُّ سِوىقالوا لِأمِّهِمُ: بُولي عَلَى النَّارِ
وقال يداعب بعض أصدقائه من ندمائه، وكان يخضب لحيته، فنظم على لسانه:
بَكَيْتُ وَمِمَّا زادَني عِنْدَ سَفْرَتيمَلامُ الأعادي عَلَى صَبْغِ لِحْيَتي
أَمُدُّ لِصَبّاغٍ يُجيدُ خِضابَهاقَذالاً مَديدأً عَرْضَ شِبْرٍ وَخَمْسَةِ
وَما صَبِغْهُا سَهْلٌ عَلَيَّ وإَنَّهُيُقَوَّمُ عِنْدي كلُّ طاقٍ بِصَفْعَةِ
وقال:
مَنْ قالَ إنَّ رَجاءَ يَصْبغُ ذَقْنَهُتَبّاً لَهُ بَلْ ذاكَ مِنْ خَدَّيْهِ
مَا الصِّبْغُ سَوَّدَ عارِضَيْهِ وَإنَّماوَجَناتُهُ نَفَضَتْ عَلَى لَحْيَيْهِ
وسألني أن أعمل في هذا المعنى، فارتجلت:
كانَ عَهْدي بِفُلانٍ شائِباًقَدْ فَشَتْ شَيْبَتُه في شارِبَيْهِ
وَأَراهُ الْيَوْمَ في صِبْغِ الصِّبالَوْنُهُ الْحالِكُ قَدْ عادَ إلَيْهِ
ما أُراهُ خَضَبَ اللِّحْيَةَ بَلْوَجْهُهُ الأَسْوَدُ أَعْدى عارِضَيِه
ولي في عز الدين فرخشاه قصائد، بعثني على نظمها فيه كرمه، ودعتني إليه مناقبه وشيمه، فإنني أول ما مدحته بقصيدةٍ مقضيةٍ موسومةٍ باسمه هائيةٍ أولها:
جَلَّتْ عَنِ الأَوْصافِ وَالَأْشباهِأَوْصافُ عِزِّ الدّينِ فَرُّخْشاهِ
فاهتز لها واعتز، وهش لها وبش، وجاد وزاد، ورادف الرفد، وحالف المجد، واسترق ذخر الود، واسترق حر الحمد، وحفظ القصيدة حفظه للقصد، وصار ينشدها إنشاد المتبجح بها المعتد.
وأنا أورد الآن قصيدةً أخرى هائيةٍ، موسومةً بخدمته، خدمته بها وقت وصولي إلى مصر، أتشوق فيها الجماعة بالشام، وأتندم على مفارقتهم، سنة اثنتين وسبعين، وهي:
بَيْنٌ أَمَرَّ حَلاوَةَ الْعَيْشِ الشَّهِيوَهَوًى أَحالَ غَضارةَ الزَّمَنِ الْبَهِي
وَصَبابَةٌ لا أَسْتَقِلُّ بِشَرْحِهاعَنْ حَصْرِها حَصَرُ الْبَليغِ الْمِدْرَهِ
أَأَحِبَّتي إنْ غِبْتُ عَنْكُمْ فَالْهَوىدانٍ لِقَلْبٍ بالْغَرامِ مُوَلَّهِ
أُنْهي إلَيْكُمْ أَنَّ صَبْرِيَ مُنْتَأًبَلْ مُنْتَهٍ، والشَّوْقُ لَيْسَ بِمُنْتَهِ
أَما عُقودُ مَدامِعي فَلَقَدْ وَهَتْوَأَبَتْ عُقودُ الْوُدِّ مِنِّيَ أَنْ تَهي
وَلَقدْ دُهِيتُ بِيَنِكم فاشْتَقْتُكُمْيا مَنْ لِمُشْتاقٍ بَبَيْنِكُمُ دُهِي
ما زِلْتُ عِنْدَكُمُ بأَرْضى عِيشَةٍوَبقيتُ بَعْدَكُمُ بِعَيْشٍ أَكْرَهِ
أَبْدَتْ دُموعيِ مِنْهُ ما لَم أُبْدِهِوَبُدِهْتُ مِنْهُ أَسًى بما لْم أُبْدَهِ
أَمّا الْهَوى فَأَنا مُدِلٌّ عِنْدَكُمْعُوفِيتُمُ مِنْهُ بِقَلْبِ مُدَلَّهِ
أَرْعى نُجومَ اللَّيْلِ فِيكُمْ ساهِراًبِنُجومِ دَمْعٍ أَوْجُها في الأَوْجُهِ
خَطْبُ الْفِراقِ شُدِهْتُ مِنْهُ وَإنَّنيلِلنّائِباتِ أَشَدِّها لْم أُشْدَهِ
نَظَري إلَيكُمْ كانَ إثْمِدَ ناظِريوَبَقِيتُ أَمْرِي خِلْفَ جَفْنٍ أَمْرَهِ
وإَذا أَلَمَّ خَيالُكُمْ مُتَأَوِّباًلاقَيْتُه بِتَأَلُّمِ الْمُتَأَوِّهِ
في شَوْقِكم أَبَدَ الزَّمانِ تَفَكُّريوَبِذِكْرِكُمْ عِندَ الْكِرامِ تَفَكُّهي
لوْ قيلَ لي: ما تَشْتَهي مِنْ هذِهِ الدُّنْيا؟ لَقُلْتُ: سِواكُمُ لا أَشْتَهي
ما كانَ أَرْفَهَ عِيشَتي وَأَلَذَّهامَنْ ذَا الذَّي يَبْقى بِعَيْشٍ أَرْفَهِ
وَمِنَ السَّفاهَةِ أَنَّني فارَقْتُكُمْمِنْ أَيْنَ ذُو الْحِلْمِ الَّذي لمْ يَسْفَهِ
وَعِقابُ أَيْلَةَ ما يُفارِقُ جِلَّقِاًأَحَدٌ إلَيها غَيْرُ غِرٍّ أَبْلَهِ
حَلَبَتْ غُروبَ الشَّأْنِ مِنّي غُرْبَةٌفي بَلْدَةٍ شَأْني بها لمْ يَنْبُهِ
ما لي وِمِصْرَ وَلِلْمطامِعِ إنَّمامَلَكَتْ قِيادي حَيْثُ لمْ أَتَنزَّهِ
لا تَنْهَني يا عاذِلي فَأَنا الذَّيتَبِعَ الْهَوى وَأَتى بما عَنْهُ نُهي
قَدْ قُلْتُ لِلْحادي وَقَدْ نادَيْتُهُفي مَهْمَهٍ: أَقْصِرْ وَصَلْتَ مَهٍ مَهِ
حَتَّامَ جَذْبُكَ لِلزِّمامِ فَأَرْخِهِفَلَقَدْ أَنَخْتَ إلى ذَرى فَرُّخْشَهِ
قَدْ لُذْتَ بالْمُتَطَوِّلِ الْمُتَفَضِّلِ الْمُتَكَرِّمِ الْمُتَلَحِّمِ الْمتَنَبِّهِ
نُجْحُ الرَّجاءِ جَوابُ قَصْدي بابَهُمَهْما هَمَمْتُ لَهُ بِجَوْبِ الْمَهْمَهِ
مَلكٌ يُجيبُ خِطابَ كلِّ مُؤَمِّلٍوَيُجيرُ مِنْ عَضِّ الْخُطوبِ الْعُضَّهِ
مَنْ لمْ يُجِبْ بِسِوى نَعَمْ سُؤَّالَهُوَلِمُعْتَفيهِ بِلا وَلَنْ لمْ يَجْبَهِ
مُتَكَرِّمٌ بالطَّبْعِ لا مُتَكَرِّهٌشَتّانَ بَيْنَ تَكَرُّمٍ وَتَكَرُّهِ
بِيَدَيْهِ نُجْحُ الْمُرْتَجيى وَإلَيْهِ قَصْدُ الْمُلْتَجى وَلَدَيْهِ رُشْدُ الْأَتْيَهِ
إِحْسانُ ذي مَجْدٍ وَهِمَّهُ مُحْسِنٍمُجْدٍ وَتَقْوى عابِدٍ مُتَأَلِّهِ
ما بارِقٌ ذُو عارِضٍ مِنْ وَدْقِهِوَرُعودِهِ في نادِبٍ وَمُثقْهَقِهِ
هامٍ يَظَلُّ الرَّوْضُ مِنْ أَمْواهِهِفي الزَّهْرِ بَينَ مُذَهَّبٍ وَمُمَوَّهِ
فالْأَرْضُ مِنْ حُلَلِ الرَّبيعِ أَنْيقَةٌوَالرَّوْضُ منْ حَلْيِ الشَّقائِقِ مُزْدَهِ
أَجْدى وَأَسْمَحَ منْ يَدَيْهِ فَجُودُهاعِنْدَ الْغُيوثِ إذا انْتَهَتْ لا يَنْتَهي
لا عِزَّ إلّا عِنْدَ عِزِّ الدّينِ مَوْلايَ الأَجَلِّ أَخي الْفَخارِ الْأَنْبَهِ
يَهَبُ الْأُلوفَ لِمُجْتَديهِ وَظَنُّهُأَنْ قَدْ حَباهُمْ بِالْأَقَلِّ الأَتْفَهِ
أَنْتُمْ بَني أَيُّوَب أَكْرَمُ عُصْبَةٍهذا الزَّمانُ بِفَخْرِ سُؤْدُدِهِمْ زُهي
وَأُولو وُجوهٍ بَلْ صُدورٍ منْ نَدىماءِ الْبَشاشَةِ وَالسَّمَاحَةِ مُوَّهِ
عَذُبَتْ مَوارِدُكُمْ وَطابَتْ لِلْوَرىوَصَفْت فلَمْ تَأْسَنْ وَلْم تَتَسَنَّهِ
ما يَدَّعي مَلِكٌ بلُوغَ مَحَلِّكُمْإلاّ تَقولُ لَهُ مَساعِيكُمْ: صَهِ
وَالنّاصِرُ المَلِكُ الصَّلاحُ هُوَ الّذيإلاّ بهِ اللَّزَباتُ لمْ تَتَنَهْنَهِ
لاهٍ عَنِ اللاّهي بِدُنْياهُ وَعَنْإعْزازِ دِينِ اللهِ يَوْماً ما لَهي
فاقَ المُلوكَ عُلًي وَإنْ لمْ يَظْفَروامِنْها بغَيْرِ تَشَبُّثٍ وَتَشَبُّهِ
إنَّ الْمُلوكَ تَخَلَّفُوا وَسَبَقْتُمُأَيْنَ السَّوامُ مِنَ الْعِتاقِ الفُرَّهِ
راجِيكُمُ منْ داءِ كُلِّ مُلِمَّةٍيَشْفى وَعِدُّ سَماحِكُمْ لمْ يُشْفَهِ
وَعَدُوُّكُمْ في مَهْرَبٍ لمْ يُنْجِهِوَوَليُّكُمْ في مَطْلَبٍ لمْ يُنْجَهِ
إنْ يَجْحَدِ الشّاني عُلاكَ فما تَرىإشْراقَ عَيْنِ الشَّمْسِ عَيْنُ الأَكْمَهِ
وَلَرُبَّ مَجْرٍ رائِعٍ حَمَلاتُهُوَتَخالُهُ في الزَّحْفِ سَيْلَ مُدَهْدِهِ
يَقْرِي الْعَواسِلَ مِنْ فَرائِسِ أُسْدِهِلَحْماً بِنارِ الْبِيضِ مُشْعَلَةً طُهِي
مَتَحَتْ بِه قُلْبَ الْقُلوبِ ذَوابِلٌأَشْبَهْنَ أَشْطاناً بِأْيدي مُتَّهِ
فَالْأَسْمَرُ الْعَسّالُ يَحْكي ناحِلاًمُتَلَوِّياً مِنْ سُقْمِهِ لمْ يَنْقَهِ
وَالْأبْيَضُ الرَّعَافُ يُشْبِهُ مُدْنَفاًأَلِفَ الضَّنى وَأَصابَهُ جُرْحٌ صَهِي
وَهُوَ الّذي ترَكَ الْعِدى مِنْ رُعْبهِيَوْمَ اللِّقاءِ بِصَدْمِهِ في وَهْرَهِ
بِكَ أَصْبَحَتْ راياتُهُ مَنْصورَةًيا سَيِّداً عَنَتِ الْوُجوهُُ لِوَجْهِه
لَكَ في الشَّهامَةِ وَالصَّرامَةِ مَوْقِفٌلِصِفانِه إعْجازُ كُلِّ مُفَوَّهِ
مَا الصّارِمُ الْهِنْدِيُّ غَيْرَ مُكَهَّمٍوَالْباسِلُ الصِّنْديدُ غَيْرَ مُنَفَّهِ؟
وَإذا عَزَمْتَ تَرَكْتَ أَعْداءَ الْهُدىمَا بَيْنَ هُلاَكٍ وَحْيرى عُمَّهِ
يا حِلْفَ جُودٍ لِلْغُيوثِ مُخَجِّلٍأَبداً وَبَأْس اللُّيوثِ مُجَهْجِهِ
مَوْلايَ مِنْ مَدْحي سِواكَ تَوَجُّعيوإِلَيْكَ مِنْ دونِ الْمُلوكِ تَوَجُّهي
أَهَبُ الثَّناءَ لَمِجْدِ بَيْتِكَ طائِعاًوَأَبيعُهُ لِسِواكَ بَيْعَ الْمُكْرَهِ
مَدْحُ الْجميِع مُوَجَّهٌ وَمَديحُكُمْفي الصِّدْقِ وَالإخْلاصِ غَيْرُ مُوَجَّهِ
يَفْديكَ مَغْرُورُ الزَّمانِ بلَهْوِهِوَلَهاهُ غَرَّارُ السَّرابِ بلَهْلَهِ
مَوْلايَ مِصْرٌ أَخْملَتْ قَدْري فكُنْباسمي جُزيتَ الْخَيْرَ خَيْرَ مُنَوِّهِ
شَرَهي عَلى العَلْياءِ جَرَّ مَعاطِبيأَمِنَ المَعاطِبَ كُلُّ مَنْ لمْ يَشْرَهِ
وَلقَدْ تَملَّى بالسَّعادَةِ ذُو غِنىًعَنْ شَقِوْةِ الْمُتَطَلِّبِ الْمُتَطَلَّهِ
أَيْنَ الْكَرامَةُ لِلأْفاضِلِ عِنْدَكُمْإنْ لمْ تكُنْ عِنْدَ الْكِرامِ فأَيْنَ هِيْ؟
لَبّى نِداءَ نَداكَ لُبُّ رَجائِهفازْجُرْ مُلِمَّ الْيَأْسِ عَنْهُ وَانْدَهِ
أَعْلَيْتَ في مِصْرٍ مَكاني بَعْدَماخَفَضَتْ بِه وَلِقَدْرِهِ لمْ يُؤْبَهِ
طَلعَتْ نُجومُكُمُ الثَّواقِبُ لِلْوَرىزُهْراً وَإنّي كالسُّهى عَنْهُ سُهِي
جَبرَتْ يَدُ الإفْضالِ مِنْهُ مَكاسِراًمِنْ فَضْليَ الْمُتكَسِّرِ الْمُتَكَدِّهِ
عَرِّفْ بِعُرْفِكَ مِنْهُ ما لمْ يَعْرِفوانَبّاً وَعَنْ سِنَةِ التَّغافُلِ نَبِّهِ
فَضْلي خَلَوْتُ لأَجْلِهِ منْ حُظْوَةٍهِيَ لِلْأرَيبِ كَنَبْتِ مَرْتٍ أَجْلَهِ
الْفَضْلُ مُشْتَعِلٌ بِنارِ بَلائِهوالْحَظُّ مُشتغِلٌ بِأَخْرَقَ أَوْرَهِ
أَعِرِ التَّأَمُّلَ فِقْهَ شِعْري مُنْعِماًلا يَشْعُرُ الإِنْسانُ ما لمْ يَفْقَهِ
وَتَمَّلها غَرّاءَ جامِعَةً لَكُمْفي النَّعْتِ بِيْنَ تَمَدُّحٍ وَتَمَدُّهِ
يَهتَزُّ ذُو الْحُسْنى لِجَلْوَةِ حُسْنهاوَتَجِلُّ عَنْ تَحْسينِ كُلِّ مُزَهْرِهِ
أَفْواهُ أَهْلِ الْفَضْلِ ناطِقَةٌ لهَابالْفَضْلِ إنْ قِيسَتْ بِشْعِر الأَفْوَهِ
وَإنِ الْعُقولُ لهَتْ لهَا فَلأِنَّهامَحْمِيَّةٌ عَنْ كُلِّ مَعْنىً لَهْلَهِ
صَهْباءُ تُودِعُ سامِعيها نَشْوَةًوَتُعيرُ عَرْفَ الْمِسْكِ لِلْمُسْتَنْكِهِ
فَوَلِيُّها بِتَشَوُّقٍ وَتَشَوُّفٍوَحَسودُها بِتَشَوُّرٍ وَتَشَوُّه
دُمْ يَا بْنَ شاهِنْشاهَ مَلْكاً سَيِّداًمُتَوَشِّشحاً بِالسُّؤْدُدِ الشَّاهِنْشَهي
مُتَمَلِّياً بهرامَ شاه مُمَتَّعاًمِنهُ بنَدْبٍ سَيِّدٍ شَهْمٍ شَهِيْ
لَوْ شاهَدَ الْيَمَيِنيُّ جَبْهَة يُمْنِكُمْما ظَلَّ مُفْتَخِراً بِخَيْلِ الأَجْبَهِ
هذه إشارةٌ إلى أنني نظمت هذه القصيدة على وزن قصيدةٍ أوردها لبعض شعراء اليمن في آخر القسم الثالث أولها:
العز في صهوات خيل الأجبه
ولما سمع تاج الدين الكندي القصيدة، عمل على وزنها في مدح عز الدين أيضاً:
هَلْ أَنتَ راحِمُ عَبْرَةٍ وَتَوَلُّهِوَمُجيرُ صَبٍّ عِنْدَ مَأْمَنِهِ دُهِيْ
هَيْهاتَ يَرْحَمُ قاتِلٌ مَقْتُوَلهُوَسِنانُهُ في الْقَلْبِ غَيْرُ مُنَهْنَهِ
مَنْ بَلَّ منْ داءِ الْغَرامِ فإِنَّنيمُذْ حَلَّ بي داءُ الهَوى لمْ أَنْقَهِ
إنّي بُليتُ بِحُبِّ أَغْيَدَ ساحرٍبلِحاظِه رَخْصِ الْبَنانِ بَرَهْرَهِ
أَبْغي شِفاءَ تَدَلُّهي منْ دَلِّهِوَمَتى يَرِقُّ مُدَلَّلٌ لِمُدَلَّهِ؟
كَمْ آهَةٍ ليَ في هَواهُ وَأَنَّةٍلَوْ كانَ يَنْفَعُني عَلَيْهِ تَأَوُّهي
وَمَآرِبٍ منْ وَصْلِهِ لَوْ أَنهاتُقْضي لَكانَتْ عَنْدَ مَبْسَمِهِ الشَّهي
يا مُفْرَداً بالْحُسْنِ إنَّكَ مُنْتَهٍفيهِ كما أَنا في الصَّبابَةِ مُنْتَهِ
قَدْ لامَ فيكَ مَعاشِرٌ أَفأَنْتَهيباللَّوْمِ عَنْ حُبِّ الْحياةِ وَأَنْتَ هِيْ
أَبْكي لَدَيْهِ فإنْ أَحَسَّ بِلَوْعَةٍوَتَشَهُّقٍ أَوْما بِطَرْفِ مُقَهْقِهِ
أَنا منْ مَحاسِنِه وَحالي عنْدَهُحَيْرانُ بَيْنَ تَفَكُّهٍ وَتَفَكُّهِ
ضِدَّانِ قَدْ جُمِعا بِلَفْظٍ واحِدٍلي في هَواهُ بِمَنْعَيَينِ مُوَجَّهِ
لأُجَرِّدَنَّ مِنِ اصْطِباري عَزْمَةًما رَبُّها في مَحْفِلٍ بِمُسَفَّهِ
أَوَ لَسْتُ رَبَّ فَضائِلٍ لَوْ حازَ أَدْناها وَما أُزْهى بها غَيْري زُهي
شَهِدَتْ لَها الأَعْداءُ وَاسْتَشْفَتَ بهَاعَيْنا حَسودٍ بالْغَباوَةِ أَكْمَهِ
أَنا عَبْدُ مَنْ شَهِدَ الزَّمانُ بِعَجْزِهِعَنْ أَنْ يَجْيءَ لَهُ بِنِدٍّ مُشْبِهِ
عَبْدٌ لِعزِّ الدِّينِ ذي الشَّرَفِ الّذيذَلَّ المُلوكُ لِعزِّهِ فَرُّخْشَهِ
الْمُوقِدِ الْحَرْبَ الْعَوانَ بِبَأْسِهِوَالأُسْدُ بَينَ مُعَرِّدٍ وَمُوَهْوِهِ
الَمْفُحْمِ الْفُصَحاءِ فَصْلُ خِطابهِمنْ ذي الرَّوِيَّةِ فِيهِمْ وَالْمِبْدَهِ
فَكَأَنَّ قِرْناً يُبْتَلى بِنِزالِهِيُرْمى بِطَوْدٍ فَوْقَهُ مُتَدَهْدِهِ
وَكَذا الْبَليغُ مُلْجْلِجٌ في نُطْقِهِحَصَراً كأَلْكَنَ في الْكلامِ مُتَهْتِه
فَلْتَبْجَحِ الْعَلْياءُ منْهُ بِمِحْرَبٍعِنْدَ الجْلِاد وفي الْجِدالِ بِمِدْرَهِ
هو غُرَّةُ الزَّمن البَهيمِ وعِصْمَةُ الْمُلِكْ العَقيمِ وَغوثُ كُلِّ مُؤَيِّهِ
مَلِكٌ هُمامٌ حازِمٌ يَقِظٌ رِضىبَحْرٌ غَمامٌ عالمٌ نَدِسٌ نَهِي
فَطِنٌ لأِخَذْ ِمَحامِدٍ خَفِيَتْ عَلَىفِطَنِ الْأُلى فَلِبَعْضِها لمْ يُوبَهِ
مُتَنَبِّهٌ لِلْمَكْرُماتِ وَلمْ يَكُنْعَنها يَنامُ فَيهْتَدي بِتَنَبُّهِ
يُعْدي عَلَى جَوْرِ الزَّمانِ بِعَدْلِهِوَيُجيرُ بِالنَّعماءِ كُلَّ مُوَلَّهِ
وَإذا اسْتَغاثَ إليهِ منهُ مالُهُكانَتْ إغاثَتُهُ لَهُ: صَهٍ أوْ مَهٍ
وَعَلَى شمائِلِ مَجْدِهِ وَرُوائهِلِلْمُلْكِ أُبَّهَةٌ بغَيْرِ تَأَبُّهِ
مَا اللَّيْثُ أَوْغَلَ في التَّرائِبِ نابُهُسَغَبِاً يَصولُ بأَهْرَتٍ مُتَكَهْكِه
يَوْماً بِأَسْفَكَ لِلدِّماءِ لَدى الْوَغىمِنْهُ وَأَقْتَلَ لِلْعُداةِ وَأَعْضَهِ
تَعِبَتْ أَسِنَّتُهُ عَلَى عَلْيائِهِحَتّى تَفَرَّدَ بِالْمَحَلِّ الأَنْوَهِ
فَغَدا وَراحَ بهِ رَعايا مُلْكِهِفي راحَةٍ تَتْهو بِسُودَدِهِ الْبَهي
كَمْ في عَناءِ المُتْعَبينَ عَلَى الْعُلىمِنْ مُتْرَفٍ بِعَنائهمْ مُتَرَفِّهِ
اُنْظُرْ إذا ازْدَحَمَ الْوُفودُ بِبابِهِمِنْ كُلَّ ذي أَمَلٍ بِهِ مُتَوَجِّهِ
إنْ شَطَّ لمْ يَشْطُطْ رِضاهُ وَإنْ سَطافيما يُحاوِلُ عِنْدَهُ لمْ يُنْجِهِ
طابَتْ مَوارِدُهُ فَغَصَّ فِناؤُهُوَشَدا الْحُداةُ بِذِكْرِهِ في الْمَهْمَهِ
كالْماءِ عِنْدَ وُرودِهِ ما لمْ يكُنْعَذْباً نَميراً سائِغاً لمْ يُشْفَهِ
يا خَيْرَ بانٍ بالشَّجاعَةِ وَالنَّدىفَخْراً يَهِي عُمْرُ الزَّمانِ ولا يَهي
يَفْدِيكَ كُلُّ مُمَلَّكٍ مُتَيايِهٍأَبَداً بِأَلْسِنَةِ الرَّعاعِ مُمَدَّهِ
لا يَفْقَهُ النَّجْوى إذا حَدَّثْتَهُوَإذا أَتى بِحَدِيثِهِ لمْ يُفْقَهِ
إني عَلَى شَرَفِ الْقَريضِ لهَاجِرٌلِلنَّظْمِ هِجْرَةَ آنِفٍ مُتَنَزِّهِ
أَضْحى وَعُصْبَتُهُ كَمَمْدُوحِيِهمُفي جَهْلِ قِيمَةِ ذي الْحِجى وَالأَوْرَهِ
أَبَداً عَرائِسُ مَدْحِهِ تُجْلى عَلَىدَنِسِ الْخَبيئَةِ بالْعُيوبِ مُشَوَّهِ
قُلْ لِلْممُيَزِّ مُنْشِشداً أَوْ سامِعاًفي النّاسِ بَيْنَ مُفَهَّهٍ وَمُفَوَّهِ
آليْتُ لا أَوْلَيْتُ غَيْرَكَ مِدْحَةًشِعْراً وإنْ أَفْعَلْ فَمِدْحَةُ مُكْرَهِ
أَصْبَحْتُ منْ نُعْماكَ صاحِبَ أَنْعُمٍتُرْجى نَوافِلُها وَعَيْشٍ أَبْلَهِ
وَبَدا لَدَيْكَ صَريحُ فَضْلي مِثْلَ مالا يَسْتَسِرُّ لدَيْكَ نَقْصُ مُمَوِّهِ
حُزْتَ السَّعادَةَ مِنْ إِلاهِكَ ما سَرَتْفي الليَّلْ دَعْوَةُ عابِدٍ مُتَأَلِّهِ
هذا آخرها، وهي تسعةٌ وأربعون بيتاً.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع