من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الملك الأجل تقي الدين
عمر بن شاهنشاه بن أيوب بن شاذي، ابن أخي الملك الناصر صلاح الدين يوسف ذو السيف والقلم، والبأس والكرم، المشور في المشورة أري رايه، المشكور الشهامة في جميع أنحايه، وله العزم الماضي المضي، والخلق الراضي الأبي، يحل مشكلات الخطوب الحوادث بفكرته، ويحيل معضلات الصروف الكوارث بفطنته، ويساجل العظماء، ويجالس العلماء، ويثافن الألباء، وينافث الأدباء، ولكثرة امتزاجه بهم، نظم الشعر طبعاً، ولم يميزه خفضاً ونصباً ورفعاً، فأراد تاج الدين الكندي أن يتقرب إليه بتهذيبه فانتقى منه مئتي بيتٍ على حروف المعجم وترتيبه، وهو شهمٌ شديدٌ، وسهمٌ سديدٌ، وله فهمٌ حديدٌ. طالعت الذي جمعه من شعره التاج أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي البغدادي. وقال في أوله: جمعت من شعر المولى تقي الدين ما عذب لفظه وراق معناه، وأخذ من الجزالة بطرفٍ، وتمسك من الرقة بأهدابٍ، فجرى من القلوب والأذهان، مجرى الدم في الأبدان، يلج الآذان، بلا استئذانٍ؛ هذا على أنه غير معنيٍ بقول الشعر عنايةً شاعر، بل هو فيض القريحة والخاطر، وما أشبهه إلا بسيف الدولة ابن حمدان وابن عمه، أو عضد الدولة ابن بويه وأقاربه، فإن هؤلاء الملوك كانوا على ما خصوا به من علو الشان، وأوتوه من سعة الملك والسلطان، يتفرغون للكتب، ويتشاغلون بالأدب، ويؤثرون مجالسة العلماء، على منادمة الأمراء، ويقولون الأبيات، فيما يعرض لهم من الحالات، ويتفق لهم من التشبيهات. ومثل هذا المعشر كان سبب قوله الشعر، فإنه لما استكثر من مجالسه الفضلاء، واستأثر بمعاشرة الأدباء وصلت إلى سوق رغبته من معادن المحاسن لطائف الطرف، وخدم من جواهر الخواطر بطوائف التحف، أحب أن يكشف لهم قناع الكتمان عن وجه المساهمة في الفضائل المتقرب بها إليه، وينخرط معهم في سلك المشاركة في نتائج القرائح المزلفة لديه، فجرى في هذا المضمار برهةً حلت مجانيها لجانيها، ولذت معانيها لمعانيها، ثم شغلته شؤون العلياء، بما عني به من إصلاح الدهماء، فترفع عن قول الشعر طبعه، ولم ينب عن استعذاب شربه فكره ولا سمعه، ولا كست بحمد الله لديه للفضائل سوقٌ، ولا ازدحمت على غير فنائه للرجاء سوقٌ. وهذه الملح تصلح أن تكون للحمام أطواقاً، وللبزاة الشهب صدوراً، وللطواويس أهلة جلوةٍ، وللظباء الغيد سوالف، وللعذارى الحسان نهوداً، وللحدق الملاح غمزاتٍ.
إلى هاهنا من كلام التاج الكندي. وأنا أقول:
أي قدرٍ لنهود الخرائد، وعقود الفرائد، مع هذه القلائد والفوائد أين در الأصداف، من غرر الأوصاف؛ وأين نوار الحدائق، من أنوار الأحداق، وأين صدور الشهب من شهب الصدور؛ وأين جلوة الطاووس، من خلوة العروس، وأين مطوق الحمام، من ذوق الغرام، وأين السمك من السماك، وكم بين التوحيد والإشراك. إذا لاحت أدلة الدروج فما أهلة البروج، وإذا طلعت زهر الآداب فما زهر الشعاب، وما ظبي الجفون عند جفون الظباء، ولهى الأغنياء عند نهى الألباء. وأشعار الملوك ملوك الأشعار، وأحرار الفضائل فضائل الأحرار. قد كلل التاج تاج فضله بهذه الجواهر الزواهر، وسجل بإثبات نتائج خاطر هذا الملك الخطير أنه لا خطر لخواطر المعاني بالخواطر.
وسنورد ذلك على ترتيب الحروف، والتهذيب المعروف.
قافية الهمزة له من قصيدة:
دَعْ مُهْجَةَ المُشْتاقِ مَعْ أَهْوائهايَا لائمي ما أَنْتَ مِنْ نُصَائِحها
منها:
مَنْ مُخْبِرٌ عَنّي نَضِيرَةَ أَنَّنيأَزْجَيْتُ عِيْسَ الشَّوْقِ نَحْوَ لِقائها
لِلهِ لَيْلَتُنا وقَدْ طَلَعْت لَناوَضَّاحَةً كالْبَدْرِ بَيْنَ نِسائِها
جاءَتْ بِكأْسٍ مِنْ شَهِيِّ رُضابِهاتُزْري بِلَذَّتِها عَلَى صَهْبائَها
ومنها:
أَفْنَيْتُ نَفْسي حَسْرَةً وَتَلَدُّداًفيمَنْ تَزايَدَ بي أَليمُ جَفائها
ومن مديحها:
جاءَتْكَ أَرْضُ الْقُدْسِ تَخْطُبُ ناكِحاًيَا كُفْأَها مَا الْعُذْرُ عَنْ عَذْارئها
زُفَّتْ إلَيْكَ عَرُوسَ خِدْرٍ تُجْتَلىمَا بَيْنَ أَعْبُدِها وبَيْنَ إِمائها
إيهٍ صَلاحَ الدّينِ خُذْها غادَةًبِكراً مُلوكُ الأَرْضِ مِنْ رُقَبائِها
كَمْ خاطِبٍ لِجَمالِهَا قَدْ رَدَّهُعَنْ نَيْلِها أَنْ لَيْسَ مِنْ أَكْفائها
قافية الباء وله:
اِسْقِني راحاً أُريحُ بِهامُهْجَتي مِنْ شِدَّةِ التَّعَبِ
نَشَأَتْ في حِجْرِ دَسْكَرَةٍوَغَذَتْها دِرَّةُ السُّحُبِ
وله:
ذَخَرْتُكُمُ لي عُدَّةً عادَ كَيْدُهاعَلَيَّ فكانَتْ لي أَشَدَّ مُصابِ
ظَنَنْتُ بِكُمُ ظَنَّ الْفَتى بِشَبابِهِفَخُنْتُمْ كما خانَ الْحَبيبُ شَبابي
وِمنْتُمْ فِمْلُتمْ نَحْوَ غَيْري تَعَمُّداًفَحُبُّكُمُ شَهْدٌ يُدافُ بِصابِ
أُعاتِبُكُمْ كيْ أشْتَفي بِعِتابِكُمْوماذا عَسى يُجْديِه فَضْلُ عِتابِ
وله:
يُعاتِبُني قَوْمٌ يَعِزُّ عَلَيْهِمُمَسيرِيَ: ما هذا السُّرى في السَّباسِبِ
فَقُلْتُ لَهْمُ: كُفوا فمَا وَكَفَتْ لَكُمْجُفونٌ وَلا ذُقْتُمْ فِراقَ الْحبائِبِ
وله:
قَدْ فَاز مَنْ أصْبَحَ يَا هذِهِوَذَنْبُهُ وَصْلُكِ يَوْمَ الْحِسابْ
كَأَنَّكِ الْجَّنةُ مَنْ حَلَّهانالَ أَماناً مِنْ أَليمِ الْعَذابْ
وله:
قَلْبي وَإنْ عَذَّبُوهُ لَيْسَ يَنْقَلِبُعَنْ حُبِّ قَوْمٍ مَتى ما عَذَّبوا عَذُبُوا
راضٍ إذا سَخِطوا دانٍ إذا شَحَطواهُمُ الْمُنى لِيَ إنْ شَطّوا وإنْ قَرُبوا
وله:
ضَلالٌ لِهذا الدَّهْرِ كمَ زَاد ناقِصاًوَكمَ نابَ سَمْعي فيِه لَفْظُ مُؤَنِّبِ
وَلا بُدَّ لي مِنْ وَقْفَةٍ عُمَرِيَّةٍبِقَلْبٍ شَديدِ الأسْرِ غَيْرِ مُقَلَّبِ
تَرى رَجُلاً لا كالرِّجالِ بِسَيْفِهِيُطَهِّرُ وَجْهُ الأرْضِ مِنْ كلِّ مُذْنِبِ
وله:
وَلا ذَنْبَ لي إلّا مَحَبَّةُ مِثْلِهِمْولَوْ أَنْصَفوني لَمْ يَكُنْ حُبّهُمْ ذَنْبي
وله:
هات اسْقِني قَهْوَةً مُشَعْشَعَةًفي كَأْسِها ذائِبٌ مِنَ الذَّهَبِ
إنْ ناسَبُوها كيَمْا تُجيبَهُمُقالَتْ: سَلُوا آدَماً عَنِ النَّسَبِ
قافية التاء وله:
أًسالِمُ دَهْري ما حَيِيْتُ وَإنْ غَدايُحارِبُني في خلَّتي وَأَخِلَّتي
قافية الثاء وله:
مَنْ لي بِأَسْمَرَ مَحْجوبٍ بِأَسْمَرِهِوفي اللَّواحِظِ مِنْهُ السِّحْرُ مَنْفوثُ
اَلحْسُن مَا اشْتُقَّ إلاَّ مِنْ مَحاسِنِهِوَفِعْلُهُ في الْهَوى بِالْقُبْحِ مَبْثوثُ
إنْ كانَ يوسُفُ نَصَّ الْحُسْنَ في أَحَدٍفَحُسْنُهُ مِنْهُ دُونَ الْخَلْقِ مَوْرُوثُ
وله من قطعةٍ أولها:
لِمَنْ دِمَنٌ بأِعْلى الخْيفِ شُعْثُ
منها:
إذا حَثُّوا مَطاياهُمْ لِبَيْنٍفَسائِقُها لأَحْشائي يَحُثُّ
ومنها:
قَتيلُكُم وَحَقِّ الْوَصْلِ صالٍجَحيمَ الهَجرِ فابْكُوه وَرَثُّوا
جَديداً كان حبلُ الوَصْل دهراًفمُذْ هجروا فحَبلُ الصَّبْرِ رَثُّ
فُؤادُ الصَّبِّش في الهجرانِ مَيْتٌووَصْلُكُم له نَشْرٌ وبَعْثُ
قافية الجيم له وأنشدنيها لنفسه:
إن خاضَ قَلْبٌ بِشَطِّ حُبِّكُمُفإنَّ قلبي الغريقُ في اللُّجَجِ
قلبي جَنى قَتْلَه بِغِرَّتِهِفما على قاتِلِيه مِنْ حَرَج
قافية الحاء
وهَبْتُ جِنايةَ الْفعلِ القَبيحِلِأَجْلِ شَفاعِة الْوَجْهِ الْمَليحِ
ومنها:
تقول إلى مَتَى بالصَّدِّ تُغْرىوهَجْري دائماً يا رُوحَ رُوحي
فقلتُ نعم قبيحُك صَدَّ قلبيفقلت لمهجتي يا رُوحُ رُوحي
وله:
قد صاحَ حادي عِيسِهْم بالنَّوَىفَصَمَّ سَمْعي حين نادى وصاحْ
صافحْتُهُ والقلْبُ في أَسْرِهِفَسَلَّ باللحْظِ عَلَيَّ الصِّفاحْ
وقال لي أَنتَ قتيلُ الْهوىقلتُ كذا أَثْخَنْتَني بالجراحْ
وله من قصيدة:
إني لَأَكْتُم لَوْعَتي وأَظنُّهيَوْمَ التَّفَرُّقِ بالمَدامع فاضِحى
لا تَجْحَمُوا في هَجْركُمْ فلَرُبَّماخُشِيَ الِعثارُ عَلَى الْحِصانِ الجامحِ
كم عَنَّفُوني في هَواكُمْ مَرَّةًفأَبى فؤادي أن يُصيخ لناصحِ
ومنها:
جَنَحوا إلى سِلْم الوِصالِ أَهِلَّةًهالاتُها يومَ الْوَدَاع جَوانِحي
ومنها:
أَمُبَرِّحي ما شئتَ كن بي فاعِلاًمَنْ حَلَّ في قلبي فليس يبارحِ
قافية الخاء له:
لنا منكُمُ غَدْرٌ ومنّا لكُم وَفاوما ذاك إّلا أنَّ حُبِّيَ راسخُ
فلا تَحسُبوا أنّي تَغيَّرتُ بَعدَكُمْولا أَنني عَقْدَ المودَّة فاسخُ
فيا لائمي فيمن أُحبُّ جَهالةًرُوَيْدَكَ لا أَسلو وفي الأرض نافخ
قافية الدال وله:
مَلَّكْتُها رِقّي وَقَدْ عَلِمَتْأنّي أَسيرُ الخَدِّ والقَدِّ
فَلأَجْلِ ذا مالتْ وما عَطَفَتْيوماً عَلَى المأْسور بالقِدِّ
وله من قطعة:
أَوَما ترى صَبّاً صَحيح الوِدِّ مُعتَلّ الفؤادِ
هَجَرَ الْهُجوع كأنَّ بَيْن ضُلوعِهِ شَوْكَ القَتادِ
وغدا الفؤادُ مُقَسَّماًبصُدوده في كلِّ وادِ
فارْحَمْ فَديتُكَ مُهجةَ الْعبد المُعَذَّبِ بالبِعادِ
وله:
يا مالِكاً رِقّي بِرِقَّةً خَدِّهومُعَذّبي دُونَ الأنامِ بصدِّه
ومُكَذِّبي وأَنا الصَّدوق وهاجريوأَنا الْمَشُوق ومانِعي من رِفُده
لما تَيَقَّن قلْبُه أَني أَرَىفَقْدَ الحياةِ أَلذَّ لي من فَقِده
أَشتاقُه وأَنا الجريحُ بِلحظِهوأُحبّه وأَنا الطعين بِقَدِّه
وله:
ما كانَ تَرْكي وصدّي عن زيارتكمْإلاّ لقُبْح فِعالٍ منكُمُ بادِ
كَمْ ذا التَّجَنّي وقد جاد الزمانُ بكمْكأَنكمْ ساءَكُمْ وَصْلي وإِسعادي
أَحْبَبْتُكمْ ثم أَحْبَبْتُهم سِوايَ فيالَله من جائِرٍ في حُكمهِ عادِ
وله:
يا للَرّجال لقدْ أُصيبَ مُمَنَّعٌيَعْلُو عَلَى الْعَيْوقِ ذُروةُ مَجْدِه
إنْ قال أَوْفى بالمقالِ وإنْ سَطَاخِلْتَ البريَّةَ كلهَّا من جُنْدِه
فاعْجَبْ لمملوكٍ تَمَّلك مالكاًوارْثُوا لِمَوْلىً في الهوى مِنْ عَبْدِه
خرج من الواحد إلى الجمع في الخطاب وهذا جائز في الشعر.
وله:
عقَدَ القلوبَ بطَرْفه وَقَوامِهِفأَنا الأَسيرُ بلَحظه وبقَدِّه
يا ناظِريه على جَفاه ناظِراعن حافظٍ عَهْداً لِناقِضِ عَهْده
وله:
أَرى الشَّبيبةَ زارَتْني عَلَى وَجَلٍثم انثَنَتْ وأَتاني الشَّيْبُ مُتَّئِدا
ومنها:
كم زارَنا في سَوادِ اللَّيْلِ غانِيةٌوراعَهُنَّ بَياضُ الصُّبْحِ حينَ بَدا
وله:
كمْ بالْكَثيبِ الْفرْدِ لي مِن أَهْيَفٍبعَذابِ قلبي الْمُسْتَهامِ تَفَرَّدا
جَمَعَ الملاحَةَ والْخِيانَةَ في الهوىوَجَمْعُت فيِه تَحَرُّقاً وتَجلُّداً
وله:
إنْ كُنتَ واحِدَ ذا الْجَمالِ فإنَّني في الْحُزْنِ واحدْ
كُلٌّ يَبوحُ بِحُبِّهِوأَنا كَتومُ الْحُبِّ جاحِدْ
وله من قصيدة:
حَفِظْنا عُهودَ الغانِياتِ ولم يكنْلهنَّ على طولِ الزَّمانِ عُهودُ
ومنها:
دِمَشْقُ سَقاكِ اللهُ صَوْبَ غَمامَةٍفما غائِبُ عنها لَدَىَّ رَشيدُ
عَسى مُسْعِدٌ لي أَن أَبِيتَ بأَرْضِهاألا إنَّني لَوْ صَحَّ لي لَسَعيدُ
قافية الذال وله:
أُعيذكُمْ مِنْ قَتْلِ مُضْنًي بِكُمْمِنْكُمْ بكُمْ في الحُبِّ قدْ عاذا
وله:
مَطَرَتْ مدامِعُهُ عَلَى هِجرانِكُمْوَبْلاً وكانت قبلَ ذاكَ رَذَاذا
قافية الراء وله:
أَخي كمْ أخٍ لي في هواكَ هَجَرْتُهُولم أَسْتَمِعْ منهُ مَقالَةَ زُورِ
فَزُرْ غَيْرَ مُزْوَرٍ ولا مُتَجَنِّبٍلِتُنْقِذَني مِنْ لَوْعَتي وزَفيري
تُسامِرُ مَنْ تَهْواهُ نفْسُكَ في الدُّجىوذِكْرُكَ مِنْ دُونِ السَّمير سَميري
وله:
أَأَحْبابَنا شَطَّتْ بنا عنكُمُ الدّارُوقلبي على بُعْدِ المَزارِ لكُمْ جارُ
وإنّي عَلى ما تَعْهدونَ مِنَ الهوىمُقيمٌ وفائي أَنصَفونّي أَوجاروا
وله:
ما أَحْسَنَ الصَّبْرَ ولكنِنَّيأَنْفَقْتُ فيهِ حاصِلَ الْعُمْرِ
فَلْيتَ دَهْري عاد لي مَرَّةًبِبَعْضِ عُمْرٍ ضاعَ في الصَّبْرِ
وله:
أَحْبابَنا والْهوى لا حُلْتُ بَعدَكُمُعنِ الْعُهودِ ولا اسْتَهوانِيَ الْغِيَرُ
فإِنْ أَحِلْ بَخِلَتْ كَفِّي بما مَلَكَتْولا أَجَبْتُ النَّدى إن قيلَ يا عُمَرُ
ما أحسن إيقاعه الندى هاهنا من العطاء موضع النداء، من المناداة لأنه لا ينادي إلا للعطاء.
وله في توديعٍ من موضعٍ يسمى شبرا:
يقولونَ لي إنّا سَنرجِعُ من شَبْراومَنْ لي بأَنّي لا أُفارقُهمْ شِبرا
وكيفَ احتيالي والْهَوى قائدٌ لهمفؤاداً أبى أن يَقْتَني بَعْدَهُمْ صَبرا
فَرِقّوا لِقلبٍ قلَّبَتْهُ يَدُ النَّوىوعَيْنٍ عليكمْ بَعْدَ بُعْدِكُمُ عَبْري
وله:
يا كاسِياً قلبَ المحِبِّ صَبابةًأَقسمتُ أَنّي من سُلُوِّكَ عارِ
وله:
أَسْمَرٌ كالْرُّمْحِ مُعْتَدِلٌلَيْتَني أَمْسَيْتُ من سَمَرِهْ
قَمَرَتْ ألحاظُ مُقْلَتِهقلبَ مَنْ يَرْنو إلى قَمَرِهْ
عُمَرٌ يشكو الغرامَ بهوزماناً ضاع مِنْ عُمُرِهْ
قافية الزاي وله:
يا ناظِرَيْهِ تَرَفَّقاما في الْوَرى لَكُما مُبارِزْ
هَبْكُمْ حَجَزْتُمْ أَن أَراهُ فهل لِقْلبِ الصَّبِّ حاجِزْ
قافية السين وله:
حبائبَنا شَطَّ الْمزارُ وأَوْحَشَتْدِيارٌ عَهِدْناها بكُنَّ أَوانِسا
وحَقَّ الْهَوى لا غَيَّرَتْني يَدُ النَّوىولا كنتُ ثَوبَ الْغَدْرِ فِيكُنَّ لابِسا
قافية الشين وله من أبياتٍ:
تأَخرتَ عن وقتِ الْعشاء تَعَمُّداًوما ذاك إلاّ لانتظارِك للرَّشا
قافية الصاد وله:
كلَّ يومٍ يَسْعى إلى المُلْكِ قَوْمٌفي ازْديادٍ وُعْمُرهمْ في انتقاصِ
شَرَكٌ هذه الأماني فيا للَّهِ كم واقعٍ بِغَيْرِ خَلاصِ
قافية الضاد وله:
أَنا راضٍ بالذي يُرْضِيهِمُلَيْتَ شِعري بِتَلافي هل رَضُوا
أَقْرَضُوني زمناً قُرْبَهُمُواسْتعادوا بالنَّوى ما أَقْرَضوا
قافية الطاء وله:
لَئِنْ بانَ أَحْبابٌ لِقلبيَ أَوْ شَطُّوافإنَّهُمُ في القلب مُذْ رَحَلوا حَطُّوا
ومنها:
لها روضةٌ من نفسها اجتَمَعتْ بهاغرائبُ من حُسْنٍ أَحاطَ بها الْمِرْطُ
فمِنْ قَدِّها غُصْنٌ ومن رِدْفها نَقاًومن خَدِّها وَرْدٌ ومن ريقها اسْفِنْطُ
قافية الظاء وله:
أَرَى قوماً حَفِظْتُ لهم عُهوداًفَخانوني ولم يَرْعَوْا حِفاظا
أَرِقُّ لهم مُحافَظَةً فأَلْقىلَهُمْ خُلُقاً وأَفئدةً غِلاظا
قافية العين وله:
أَما إنَّه لو كان غَيْرك جُرِّدَتْصَوارمٌ بِيضٌ للرؤوسِ قواطِعُ
وكنت جديراً بالفَعال وصَوْلة الْمَقال إذا الْتَفَّتْ عليك الْمَجامعُ
قافية الغين وله:
شَغْلتُ بِحُبِّها قَلْبي إلى أَنْتَمْنَّى القلبُ لو عَرَفَ الْفَراغا
وكَم عَذَلوا لِأُقْصِرَ عنْ هَواهافلمْ يَجِدوا لِعَذْلِهِمُ مَساغا
قافية الفاء وله في الملك الناصر عمه سلطان مصر:
خَيْرُ الملوك أَبو المظفَّرِ يُوسُفٌما مِثْلُ سيرَتهِ الشَّريفةِ تُعْرَفُ
لو سُطِّرَتْ سِيَرُ المُلوكِ رأَيتَهاديوانَ شعرٍ وهْي فيها مُصْحَفُ
مَلكٌ يَبيتُ المُلْكُ يُرْعِدُ خيفَةًمنهُ وليسَ يَخافُهُ من يُنْصِفُ
وله:
كلَّما زِدْتُمُ جَفازاد قَلْبي تَلَهُّفا
جارَ في يَوْم بَيْنِكُمْحاكمٌ ما تَوَقَّفا
ومن أخرى:
ما لِرَبْعِ الْوِصالِ بالصَّدِّ والبُعْدِ قد عَفا
يا مُنى النَّفْس بالحْطَيِم وبالرُّكْنِ والصَّفا
لا تُكَدِّرْ بالْهَجْرِ ماكان بالْوَصْلِ قدْ صَفا
فاغْتِفرْ ذَنْبِيَ الصَّغيرَ فكَمْ قادرٍ عفا
وله:
آهٍ من قومٍ بُليتُ بِهمْأَدْمُعي من بُعَدْهِم تَكِفُ
عَرَفوا أَني أُحِبُّهُمُوبلائي أنَّهم عَرَفوا
قافية القاف وله:
واللهِ ما اسْتَوجَبْتُ هَجْرَكُمُلكنْ سعيدٌ في الْهوى وَشَقي
وله:
أَلْم تَرَيَا نَفْسي وقد طَوَّحَتْ بهاعُقابُ السُّرَى في الْبيدِ من رأْسِ حالِقِ
تَسيرُ أَمام اليَعْمَلاتِ كأنّماحَكَتْ أَلِفاً قُدّام أَسْطُرِ ما شِقِ
تَراها إذا كَلَّتْ تَئِنُّ صَبابةًإلى منزلٍ بَيْنَ الِّلوَى والأبارِقِ
فقلْتُ لها سِيِري ولا تُظْهري وَجيًفَبَيْنَ ضُلوعي لاعِجُ الشَّوْقِ سائقي
ومنها:
وها أَنتَ قد فارَقتَ مِثْلي جَهالةًستذكُرُ يوماً شِيمتي وخَلائقي
قافية الكاف وله:
عارضْتُهُ حينَ لاحَ عارِضُهُيُحَيِّرُ الطَّرْفَ لونُه الْمِسْكي
فيا مُصابي من نَظرَةٍ عَرَضَتْأَفْسَدتُ منها ما كان من نُسْكي
وله:
نَعِمَ الأَراكُ بما حَوَتْهُ شِفاهُهايا لَيْتَني أَصْبَحْتُ عُودَ أَراكِ
سَعِدَتْ بكم تلكَ الْبِقاعُ وأَهلُهامَنْ لي بأَنْ أحتَلَّها لأَراكِ
ومنها:
زَعَموا بأَنِك قد كرهتِ وِصالَناحاشاكِ ممّا رَجَّموا حاشاكِ
مَنْ لي بأَيّامِ الشَّبيبَةِ والصِّباأَيّامَ كنتُ من الزَّمانِ مُناك
قافية اللام وله:
وقد زَعَموا أَني سَلوْتُ وشاهِديعَلَى فَرْطِ وَجْدي زَفْرَةٌ وعَويلُ
وإنَّ دَواعي الشَّوْقِ وْهي خَفيفةٌعليكمْ لها عِبءٌ عَليَّ ثقيلُ
وله:
ظَبْيٌ أَذَلَّ إذا أَدَلَّ بحُسْنِهِيا حَبَّذا ذُلّي لِفَرْطِ دَلالِهِ
كالْبَدْرِ أَهْيَفَ مَاسَ في بُرْدَيْ صِباًلا يَنْثَني عن هَجْرهَ وَمَلالِهِ
في وَعْده وَلِحاظِهِ وَقَوامِهِحُسْنٌ يَطيبُ بِه طَويلُ مِطالِهِ
أَفْدِي الذي مارُمْتُ حُلْوَ وِصالهإلّا أَحال عَلَى خيالِ خَيالِهِ
وله في الملك الناصر عمه:
أَصلاحَ دينِ اللهِ أَمرُكَ طاعةٌفَمُرِ الزَّمانَ بما تَشاءُ لِيَفْعَلا
فكأَنما الدُّنْيا بِبَهْجَة حُسْنهاتُجْلى عَليَّ إذا رأَيتُكَ مُقْبِلا
وله:
فلا يَتَعَرَّضْ بالهْوى غَيْرُ مَنْ يَرىمَماتَ الهْوى مَحْياً وَوَعْرَ الهوى سَهْلا
ولا يَدْنُ إلّا مَنْ إذا فَوْقَ الْهَوىإليِه سِهامَ الموتِ يَسْتعِذبُ القَتْلا
وله:
هَبَّ النَّسيُم مِنَ الْمَطْيورِ آصالافهَاجَ لي مِنْهُ عَرْفُ الْمِسْكِ بِلَبْالا
تَأَرَّجَ الْجَوُّ مِنْ أَنْفاسِهِ عَبقاًكَأَنَّ نُصْرَةَ جَرَّتْ فيهِ أَذْيالا
ومنها:
إذا أَدَلَّتْ أَذَلَّتْ قَلْبَ عاشِقِهاما أَطْيَبَ الْحُبَّ إدْلالاً وَإذْلالاً
تَرَنَّحَتْ بِنَسيمِ الْعَتْبِ مائِلَةًلَوْ لَمْ يَكُنْ قَدُّها غُصْناً لمَا مالا
قافية الميم وله:
لا تَأْخُذيني بِأَقْوالِ الْوُشاةِ فماسَعَوا بما قَدْ سَعَوْا إلّا بِسَفْكِ دَمي
وله:
تَحَمَّلَ الْقَلْبُ يَوْمَ ساروافاقْرَ عَلَى قَلْبِيَ السَّلاما
وله:
عَدِمْتُكَ مِنْ فُؤادٍ ضَلَّ عَنْهُرَشادٌ كانَ يَأْلَفُهُ قَديما
عَدِمْتُ أَحِبَّةً فَعَدِمْتُ عَقلاًفَقَدْ أَصْبَحْتُ مَوْجوداً عَديما
وله:
أَشِيمُ الْبَرْقَ مِنْ عَلَمَيْ زَرُودٍفَتَرْوى مِنْ مَدامِعِيَ الشَّآمُ
فَيا لَلّهِ قَلْبٌ مُسْتَهامٌبِنُصَرْةَ لا يُفارِقُهُ الْغَرامُ
لهَا مِنْ قَدِّها رُمْحٌ رَشيقٌومِنْ أَلْحاظِ مُقْلَتها سِهامُ
تُرِيكَ الْبَدْرَ إنْ سَفَرَتْ وتَحْكيهِلالاً حينَ يَسْتُرُها اللِّثامُ
فَلي مِنْ خَدِّها وَرْدٌ جَنِيٌّوَلي مِنْ طِيبِ رِيَقتِها مُدامُ
إذا ما رُمْتُ أَنْ أَسْلو هَواهاتَعَرَّضَ دونَ سَلْوَتيَ الْحِمامُ
قافية النون
وَكَمْ لي بِالْجُنَيْنَةِ مِنْ رُواقٍوَراوُوقٍ يُريقُ دَمَ الْقَناني
ورَيْحانٍ وراحٍ راحَ عَقْليبها في عُقْلَةِ الْغِيدِ الْحِسانِ
وله:
كَمْ عَذَّبونِيَ ظُلْماً وَهْوَ يَعْذُبُ ليإنْ كانَ يُرْضِيهِمُ ظُلْمٌ وَعُدْوانُ
وله أيضا:
أَأَحْبابَنا إنْ تَسْأَلوا كَيْفَ حالُنافَإنّا عَلَى حِفْظِ الْمَوَدَّةِ ما حُلْنا
حَلَلْتُمْ بِقَلْبي والدِّيارُ بَعيدَةٌوَمِلْتُمْ عَنِ الْعَهْدِ الْقَديمِ وَما مِلْنا
وَأَنْساكُمُ حِفْظُ الْعُهودِ مَلاُلُكمْوَعُوِّضْتُمُ بِالْغَيِر عَنَّا وَما اعْتَضْنا
وَإنّي لَأَرْعاكُمْ عَلَى بُعْدِ دارِكُمْوَإنْ كانَ مِنْكُمْ أَصْلُ ذَا الْغَدْرِ لامِنَّا
وله:
إنّي أَغارُ مِنَ النَّسيم إذا مَرَرْت عليهِ وَهْنا
وأُراعُ منْ مَرِّ النَّسيمْ عليكَ يا مَنْ فاقَ حُسْنا
باللهِ لِمْ تَنْسى زَماناً كنتَ لي فيهِ وكُنّا
لا تَتْرُكَنْ بالهجر حاسِدَنا يَرى ما قد تَمَّنى
وَتَلافَني قبلَ التَّلافِ فطالما قَدَّمتَ غَبْنا
وله.
واللهِ لا اعْتَضْتُ يا هذا بهمْ بَدَلاًولا رَضِيتُ لِطَرْفي بَعدَهُمْ وَسَنا
أَقْسَمتُ بالرُّكْنِ ثم المَشْعَريْنِ وَمَنْرَمى الْجِمارَ ومَنْ نالَ المُنى بِمِنِى
لَوْ قيلَ ما لَذَّةُ الدنيا لقُلتُ هُمُأَوْ قيلَ مَنْ هامَ من شوقٍ لقلتُ أَنا
باللهِ رفِقاً بقلْبٍ إنْ قسوتَ حَناوإنْ تَجنَّيْتَ أَرْضي أَوْ بَعُدْتَ دَنا
وله:
ما هَزَّ صَعْدَةَ قَدِّهِ إلّا انْبَرىمِنْ طَرْفِه ولِسانِه نَصْلان
مَنْ ذا يُناظِرُ ناظِرَيْهِ وقد غَدْامِنْ ناظِرَيْهِ لِخَصمِه خَصمانِ
كلٌّ لهُ مِنْ حُبّهِ سَهمٌ وَليمن حُبّهِ دُونَ الْوَرى سَهْمانِ
السُّكْرُ سُكْرٌ واحدٌ لِمَنِ احْتَسىخَمراً ولي من ريقِهِ سُكرانِ
وله:
حَدِّثاني عَنِ الْحبيبِ حَديثاًفيهِ لي راحَةٌ مِنَ الْهِجْرانِ
أَوْ دَعاني وَما حَواهُ فُؤاديمِنْ حَنينٍ وَذِلَّةٍ وَهَوانِ
كُلمَّا رُمْتُ سَلْوَةً عَنْ هَواهُهَيَّجَتْني مَلاعِبٌ وَمَغانِ
وله:
حَلَفْتُ بما يَحْوي منَ الدِّعْصِ مِرْطُهاوَبالْغُصْنِ غُصْنِ الْقَدِّ مِنْها إذا انْثَنى
لقَدْ قَدَّ قَلْبي قَدُّها وَلِحاظُهافَلا تَطُلبوها بي فَطَرْفي الّذي جَنى
وله:
مَطَرَتْ لِلْحُسْنِ فيهْمِ دِيمَةٌأَنْبَتَتْ في كلِّ دِعْصٍ فَنَنَا
وله:
يَا بائِناً أَبانَ عَنْعَيْني لَذيذَ الْوَسَنِ
ويَا مَريضَ المُقَلةِ الْكَحْلاءِ كَمْ تُمْرِضُني
ومنها:
لَهْفي عَلَى الظَّلْمِ الّّذيبِمَنْعِهِ تَظْلِمُني
يَجْني عَلَيَّ خَدُّهُبِمَنْعِهِ الوَرْدَ الْجَنِي
قافية الواو وله:
أَتُراني مِنْ بَعْدِ بُعْدِكَ أَهْوىأَهْيَفاً فاتِرَ اللَّواحِظِ أَحْوى
لا وَمَنْ سَلَّطَ الْغَرامَ عَلَى قَلْبِ مُحِبّيكَ: لا سَلَوْتُ فَأَهْوى
قافية الهاء وله:
ما لُمْتُ قَلْبَي إلاّ لَامني فيهاوقالَ: هَيْهاتَ أُثْني عَنْ تَثَنِّيها
خَوْدٌ رَداحٌ يَكادُ اللَّحْظُ يَجْرَحُهامِنْ لُطْفِها وَنَسيمُ الرّيحِ يَثْنيها
وله على قافية الياء وله:
أَأَحْبابَنا! إنَّ الْوُشاةَ إلَيْكُمُسَعَتْ لا سَعَتْ أَقْدامُ مَنْ باتَ واشِيا
يَرومُونَ بَتَّ الْحَبِل بَيْني وَبَيْنَكُمْفَلا بُلِّغوا فيما أَرادُوا الأْمانِيا
هذا هو السحر الحلال لا كذب، والبحر الزلال الذي عذب، والقهوة المباحة، والروح الذي بقربه الروح والراحة، يضن بديوانه، ترفعاً عن شانه، فالشعراء من خدامه، والفضلاء من فواضله وإنعامه.
أخوه:
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع