من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأجل تاج الملوك أبو سعيد بوري بن نجم الدين أيوب
أصغر إخوة الملك الناصر ذو الكرم الظاهر، والمحتد الطاهر، والفخر الصادع فجره الصادق، والنجر السامي قدره السامق، طفل السن كهل السنا، أهل المدح والثنا، نشأ بالفضل متشبثاً، وبالفصل متحدثاً، وبالنبل متبعثاً، له الفطرة الزكية، والهمة العلية الجلية، والعزمة الماضية المضية، الحافظ من العلم ذماء الذمار، واللاحظ في الحلم وقاء الوقار، لم يبلغ العشرين سنة، ولم يورق ترعة الترعرع غصنه. وله نظمٌ لطيفٌ، وفهمٌ شريفٌ، وقد كتب لي ما أورده استحساناً، ولا أقيم على حسنه سوى معناه برهاناً.
فمن ذلك قوله:
يا حَياتي حينَ تَرْضىوَمَماتي حينَ تَسْخَطْ
آهِ منْ وَرْدٍ عَلى خَدَّيْكَ بِالْمِسْكِ مُنَقَّطْ
بَيْنَ أَجْفانِكَ سُلْطانٌ عَلَى ضَعْفي مُسَلَّطْ
قَدْ تَصَبَّرْتُ وَإنْ بَرَّحَ بي الشَّوْقُ فَأَفْرَطْ
فَلَعَلَّ الدَّهْرَ يَوْماًبالتَّلاقي منْكَ يَغْلَطْ
وقوله:
يا مانِعي أَنْ أَجْتَني زَهَراًفي رَوْضَتَيْ خَدَّيْهِ مَنْتِبُهُ
لا تَبْخَلَنَّ عَلى الُمحِبِّ بمايَبْلى غَداً وَتَزولُ بَهْجَتُهُ
وقوله:
وَا شُؤْمَ بَخْتي يَضُمُّنا وَطَنٌولَيْسَ يُقْضي فيهِ لَنا وَطَرُ
وَلا تَراني وَلا أَراكَ فَوَاطُولَ بَلائي حَتّى وَلا النَّظَرُ
تِلْكَ لَعَمْري مُصيبَةٌ عَظُمَتْوَخُطَّةٌ ما يُطيقُها بَشَرُ
وقوله:
أَيا حامِلَ الرُّمْحِ الشَّبيهِ بِقَدِّهِوَيا شاهِراً سَيْفاً حَكى لَحْظَهُ عَضْبا
ضَعِ الرُّمْحَ وَاغْمِدُ ما سَلَلْتَ فَرُبَّماقَتَلْتَ وَما حاوَلْتَ طَعْناً ولا ضَرْبا
وقوله:
لي في الأَنامِ حَبيبٌيُنْمى إلَى الأَتْراكِ
أَشْكو إليْهِ غَراميفما يَرِقُّ لِشاكِ
يَظَلُّ يَضْحَكُ عُجْباًوَالطَّرْفُ مِنِّيَ باكِ
فَدَيْتُهُ منْ غزالٍبِعَيْنهِ فَتَّاكِ
ظَبْيٌ أَغارُ عَلَى رِيقِهِ منَ الْمِسْواكِ
يا لَيْتَني كُنْتُ في كَفِّهِ عُوَيْدَ أَراكِ
وقوله:
أَفْديهِ منْ رامٍ يُفَوِّقُ سَهْمَهُعَنْ قَوْسِهِ فيُصيبُ قَلْبَ مَرامِهِ
وَهُوَ الْغَنِيُّ بِحاجِبَيْهِ كِلَيْهِماوَلِحاظِهِ عَنْ قَوْسِهِ وسِهامِهِ
وقوله:
يا غَزالاً يُميتُ طَوْراً وَيُحْييوَهُوَ بُرءُ السَّقيمِ سُقْمُ الصَّحيحِ
هذِه الُمْعِجزاتُ لَيسَتْ لِظْبيٍإنَّما هذِه فِعالُ الْمَسيحِ
وأنا أستطرف منه هذه الفتاءة، وَطرو نشائه وانتشاءه، وأستبدعه ولا أستبعده، لأنه نازلٌ من بيت العلياء في سمائه، عالٍ على سمائه بسنائه.
واستبعد أخوه الملك الناصر منه قول الشعر، فقال:
أَيا مَلكاً ما زالَ يَفْعَلُ جُودُهُعَلَى سائرِ الْحالاتِ ما يَفْعَلُ الْقَطْرُ
أَتُنْكِرُ نَثْرَ الُّدِّر منْ بَحْرِ خاطريوَتعَلُم أنَّ الدُّرَّ مَسْكَنُهُ الْبَحْرُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع