من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
باب في ذكر محاسن الشعراء بدمشق وأعمالها وفيه ذكر أعيان الساحل ابن الخياط الدمشقي (٢)
يا مَنْ بِمُجْتَمَعِ الشَّطَّيْنِ إنْ عَصَفَتْبِكُمْ رِياحي فَقَدْ قَدَّمْتُ إِعْذاري
لا تُنْكِرُنَّ رَحِيلي مِنْ دِيارِكُمُلَيْسَ الكَريمُ عَلَى ضَيْمٍ بِصَبارٍ
يَأْبى ليَ الضَّيْمَ فُرْسانُ الصَّباحِ وَماحَبَّرْتُ مِنْ غُرَرٍ تُهْدى وَأَشْعارِ
وَقَدْ غَدَوْتُ بِعزِّ الدّينِ مُعْتَصِماًإنَّ الْكِرامَ عَلَى الأيّامِ أَنْصاري
مَلْكٌ إذا ذُكِرَتْ يَوْماً مَواهِبُهُأَثْرى الرَّجاءُ بها مِنْ بَعْدِ إِقْتارِ
يُعْطيكَ جُوداً عَلَى الإقْلالِ تَحْسِبَهُوَافاكَ عَنْ نَشَبٍ جَمٍّ وَإكْثارِ
رَيّانُ مِنْ كَرَمٍ مَلْآنُ مِنْ هِمَمٍكَأَنَّهُ السَّيْفُ بَيْنَ الماءِ وَالنّارِ
لَيْسَ الْجَوادُ جَواداً ما جَرى مَثَلٌحَتّى يَكونَ كَحَسّانِ بْنِ مِسْمارِ
الْواهِبُ الْخَيلَ إِمّا جِئْتَ زائِرَهُأَقَلَّ سَرْجَكَ مِنْها كُلُّ طَيّارِ
الَطّاعِنُ الطَّعْنَة الْفَوْهاءَ جائِشَةًتَرُدُّ طاعِنَها عَنْها بِتَيّارِ
يَكادُ يَنْفُذُ فيها حَيْثُ يُنْفِذُهالَوْلا عُبابُ دَمٍ مِنْ فَوْرِها جارِ
تَلْقى السِّنانَ بها وَالسَّرْدَ تَحْسِبَهُما ضلَّ مِنْ فُتُلٍ فيها وَمِسْبارِ
في كَفِّهِ سَيْفُ مِسْمار الّذي شَقِيتْهامُ الُملوكِ بِه أَيّامَ سِنْجارِ
لا يَأْمُلُ الرِّزْقَ إلاّ مِنْ مَطالِبِهفَرْسَ الْهُمامِ بِأَنْيابٍ وَأَظْفارِ
نِعْمَ الْمُناخُ لِشُعْثٍ فوْتِ مَهْلكَةٍأَرْماقِ مَسْغَبَةٍ أَنْضاءِ أَسْفارِ
لا يَشْتَكونَ إلِيهِ الْمَحْلَ في سَنَةٍيَشْكو بها السَّغَبَ الْمَقْرِيُّ وَالْقاري
سَحابُ جَوْدٍ عَلَى الرّاجينَ مُنْهَمِلٍوَبَحْرُ جُودٍ عَلَى الّلاجينَ زَخّارِ
إذا تَرَحَّلَ عَنْ دارٍ أقَامَ لَهُمِنَ الصَّنائِع فيها خيْرُ آثارِ
كالْغَيْثِ أَقْلَعَ مَحْموداً وَخَلَّفَ مايُرْضيكَ مِنْ زَهرٍ غَضٍّ وَنُوّارِ
تَبْقى الذَّخائِرُ مِنْ فَضْلاتِ نِائِلِهكَأَنَّها غُدُرٌ مِنْ بَعْدِ إِمْطارِ
مُظَفَّرُ الْعَزْمِ ما تَأْلو مُوَفَّقةًآراؤُهُ بَيْنَ إِيرادٍ وَإصْدارِ
سامٍ إلى الشَّرَفِ الْمَمْنوعِ جانِبُهُنامٍ مِنَ الْحَسَبِ الْعاري مِنَ الْعارِ
مُخَوَّلٌ في جَنابٍ بَيْتَ مَمْلَكَةٍعَزّوا بِه وَأَذّلوا كلَّ جَبّارِ
أَيّامَ ذَلَّتْ لها ما بَيْنَ خَرْشَنَةٍوَبْيَن غَزَّةَ مِنْ رِيفٍ وَأَمْصارِ
يَقودُها مِنْ سِنانٍ عَزْمُ مُتَّقِدٍأَمامَها كَسِنانِ الصَّعْدَةِ الْواري
يَرْمي بِأَعْيُنِها في كلِّ داجِيَةٍمِنْهُ إلى كَوْكَبٍ بالسَّعْدِ سَيّارِ
يَبيتُ كُلُّ ثَقيلِ الرُّمْح حامِلهُفي سرْجِ كلِّ خَفيفِ اللِّبْدِ مِغْوارِ
مَجْدٌ تَأَثَّلَ في نَجْدٍ أَوائِلُهُوَشِيدَ بالشّام مِنْهُ الطّارِفُ الطّاري
يَا بْن الْكِرامِ الألى ما زالَ مَجْدُهُمُمُغْرًى بِقِلَّةِ أَشْباهٍ وَأَنْظارِ
الَمْانِعينَ غَداةَ الْخَوْفِ جارَهُمُوَالْحافِظَينَ بِغيْبٍ حُرْمَةَ الْجارِ
بِيضُ الْعَوارِفِ أَغْمارٌ إذا وَهَبواجُوداً وَلَيْسُوا إذا عُدّوا بِأَغْمار
لا يَصْحَبُ الدَّهْرَ مِنْهُمْ طُولَ ما ذِكرواإلاّ الثَّناءُ وَإلّا طِيبُ أَخْبارِ
إِنَّ الْعَشائِرَ مِنْ أَحْياءِ ذي يَمَنٍلَمّا بَغَوْكَ جَرَوْا في غَيْرِ مِضْمارِ
أَصْحَرْتَ إذْ مَدَّ بالْمَدّانِ سِيْلُهُمُوَاللَّيْثُ لا يُتَّقي مِنْ غَيْرِ إصْحارِ
سالُوا فَأَغْرَقُهمْ قَطْرٌ نَضَحْتَ بِهما كُلُّ سَيْلٍ عَلَى خيْلٍ بِجَرّارِ
مالُوا فَقَوَّمَ فيهِمْ كلَّ مُنْأَطِرٍطَعْنٌ يُعَدِّلُ مِنْهُمْ كلَّ جَوّارِ
حَتّى إذا نَهَتِ الأُولى فما انْتَفعوابالنَّهْيِ وَالبَغْيُ فيهِمْ شَرُّ أَمّارِ
أَنَجْتَها وَحَمَيْتَ الشّامَ مُعْتِقداًأَنْ ليْسَ يَنْفعُ إلاّ كلُّ ضرّارِ
قَدْ نابَك الدَّهْرُ أَزْماناً بِغَيْرِهِمُفَظَلَّ يِغْمِزُ عُوداً غَيْرَ خوّارِ
وَكَمْ أَبَتَّ عَلَى ثأْرٍ ذَوي ضَغَنٍوَلْم تَبِتْ قطُّ مِنْ قَوْمٍ عَلَى ثارِ
إِنْ زُرْتُ دارَكَ عَنْ شَوْقٍ فمَدْحُكَ بيأَوْلى وَما كلُّ مَدَّاحٍ بِزَوّارِ
لَيْسَ المُطيقُونَ حِجَّ البْيَتْ ما تَركُوافَريضَةَ الْحَجِّ عَنْ زُهْدٍ بِأَبْرارِ
وَقَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَعْدي عَلَى زَمَنٍلا يَشْرَبُ الْحُرُّ فيهِ غَيْرَ أَكْدارِ
مُوَكَّلُ الْجَوْرِ بِالأَحْرارِ يَقْصِدُهُمْكَأَنَّهُ عِنْدَهُمُ طَلاّبُ أَوْتارِ
وَالْحَمدُ أَنْفَسُ مَذْخُورٍ تَفوزُ بهِفَخُذْ بِحَظِّكَ مِنْ عَونٍ وَأَبكارِ
مِنَ الْقَوافي الَّتي ما زِلْتُ أُودِعُهاعُلاَلَة الرَّكْبِ مِنْ غادٍ وَمِنْ سارِ
إنَّ السَّماَحَة أُولاها وَآخِرَهافي كَفِّ كلِّ يَمانٍ يَا بْنَ مِسْمارِ
لا تَسْقِني بِسِوى جَدْوى يَدَيْكَ فمَايُرْوي مِنَ السُّحْبِ إلاّ كلُّ مِدْرارِ
وَلَسْتُ أَوَّلَ راجٍ قادَهُ أَمَلٌقَدْ راحَ مِنْكَ عَلَى شَقْراءَ مِحْضارِ
وقصيدته في أبي الحسن علي بن عمارٍ، أعقر للعقول من كأس العقار، وأعذر إلى العذول من آس العذار. وهي:
أَمَا وَالْهَوى يَوْمَ اسْتَقَلَّ فَريقُهالَقَدْ حَمَّلَتْني لَوْعَةً لا أُطيقُها
تَعَجَّبُ مِنْ شَوْقي وَما طالَ نَأْيُهاوَغَيْرُ حَبيبِ النَّفْسِ مَنْ لا يَشُوقُها
فَلا شَفَّها ما شَفَّني يَوْمَ أَعْرَضَتْصُدوداً وَزُمَّتْ لِلتَّرَحُّلِ نُوقُها
أَهَجْراً وَبَيْناً شَدَّ ما ضَمِنَ الْجَوىلِقَلْبَي داني صَبْوَةٍ وَسَحيقُها
وَكُنْتُ إذا ما اشْتَقْتُ عَوَّلْتُ في الْبُكاعَلَى لُجَّةٍ إنْسانُ عَيْني غَريقُها
فَلمْ يَبْقَ مِنْ ذِي الدَّمْعِ إلاّ نَشيجُهُوَمِنْ كَبِدِ المُشْتاقِ إلّا خُفوقُها
فَيا لَيْتَني أَبْقى ليَ الْهَجْرُ عَبْرَةًفَأَقْضي بها حَقَّ النَّوى وَأُريقُها
وَإِنّي لآبي الْبِرَّ مِنْ وَصْلِ خُلَّةٍوَيُعْجِبُني مِنْ حُبِّ أُخْرى عُقوقُها
وَأُعْرِضُ عَنْ مَحْضِ الَمَوَّدِة باِذلٍوقَدْ عَزَّني مِمَّنْ أَوَدُّ مَذِيقُها
كَذلِكَ هَمّي واَلنُّفوسُ يَقودُهاهَواها إلى أَوْطارِها وَيَسوقُها
فَلْو سأَلَتْ ذاتُ الْوِشاحَيْنِ شِيمَتيلَخَبَّرَها عَنّي الْيَقينَ صَدُوقُها
وَما نِكِرَتْ مِنْ حادِثاتٍ بَرَيْنَنيوقَدْ عَلِقَتْ قَبْلي الرِّجالَ عَلُوقُها
فَإمَّا تَرَيْني يابْنَةَ الْقَوْمِ ناحِلاًفَأَعْلى أَنابيبِ الرِّماحِ دَقِيقُها
وَكُلُّ سُيوفِ الْهِنْدِ لِلْقَطْعِ آلَةٌوَأَقْطَعُها يَوْمَ الْجِلادِ رَقيقُها
وَما خانَني مِنْ هِمَّةٍ تَأْمُلُ الْعُلىسِوى أَنَّ أَسْبابَ الْقَضاءِ تَعوقُها
سَأَجْعَلُ هَمّي في الشَّدائِدِ هِمَّتيفَكَمْ كُرْبَةٍ بِاْلَهِّم فُرِّجَ ضِيقهُا
وَخَرْقٍ كَأَنَّ أَلْيَمَّ مَوْجُ سَرابِهتَرامَتْ بِنَا أَجْوازُهُ وَخُروقُها
كَأَنّا عَلَى سُفْنٍ مِنَ الْعِيسِ فَوْقَهُمَجاذِيفُها أَيْدي الَمطايا وَسُوقُها
نُرَجّي الْحَيا مِنْ راحَةِ ابْنِ مُحَمَّضدٍوَأَيُّ سَماءٍ لا تُشامُ بُروقُها؟
فَما نُوِّخَتْ حَتّى أَسَوْنا بِجُودِهِجِراحَ الْخُطوبِ المُنْهَراتِ فُتوقُها
وَإِنَّ بُلوغَ الْوَفْدِ ساحَةَ مِثْلِهِيَدٌ لِلْمَطايا لا تُؤَدَّي حُقوقُها
عَلَوْنَ بآفاقِ الْبِلادِ يَحِدْنَ عَنْمُلوكِ بَني الدُّنْيا إلى مَنْ يَفوقُها
إلى مَلِكٍ لَوْ أَنَّ نَور جَبينِهِلَدى الشَّمْسِ لَمْ يُعْدَمْ بِلَيْلٍ شُروقُها
هُمامٌ إذا ما هَمَّ سَلَّ اعْتِزامَهُكما سُلَّ ماضي الشَّفْرَتَيْنِ ذَليقُها
يَطولُ إذا غالَ الذَّوابِلَ قَصْرُهاوَيَمْضي إذا أَعْيَا السِّهامَ مُروقُها
نَهى سَيْفُهُ الأَعْداءَ حَتّى تَناذَرَتْوَوُقِّرَ مِنْ بَعْدِ الْجِماحِ نُزوقُها
وَما يُتَحامى اللَّيْثُ لَوْلا صِيالُهُوَلا تُتَوَقّى النّارُ لَوْلا حَريقُها
وَقى اللهُ فيكَ الدّينَ وَالْبَأَسَ وَالنَّدىعُيونَ الْعِدى ما جاوَرَ الْعَيْنَ مُوقُها
عَزَفْتَ عَنِ الدُّنْيا فلَوْ أَنْ مُلكهَالِمُلْكِكَ بَعْضٌ ما اطَّباكَ أَنِيقُها
خُشُوعٌ وَإيمانٌ وَعَدْلٌ وَرَأْفَةٌفَقَدْ حُقَّ بِالُّنعْمى عَلَيْكَ حَقيقُها
عَلَوْتَ فَلمْ تَبْعُدْ عَلَى طالِبٍ نَدًىكَمُثْمِرَةْ يَحْمِي جَناها بُسُوقُها
فَلا تَعْدَمِ الآمالُ رَبْعَكَ مُوْئِلاًبِه فُكَّ عانِيها وَعَزَّ طَليقُها
سَبَقْتَ إِلى غاياتِ كُلِّ خَفِيَّةٍوَما يُدْرِكُ الْغاياتِ إلاّ سَبُوقُها
وَلَمّا أَغَرْتَ الْباتِراتِ مُخَنْدِقاًتَوَجَّعَ ماضِيها وَسِيىءَ ذَلوقُها
وَيُغْنِيكَ عَنْ حَفْرِ الخْنَادقِ مِثْلُهامِنَ الضَّرْبِ إِمّا قاَم لِلْحَرْبِ سُوقُها
وَلكِنَّها في مَذْهَبِ الْحَزْمِ سُنَّةٌيَفُلُّ بها كَيْدَ الْعَدُوِّ صَديقُها
لَنا كُلَّ يَوْمٍ مِنْكَ عِيدٌ مُجَدَّدٌصَبوحُ التَّهاني عِنْدَهُ وَغَبُوقُها
فَنَحْنُ بِهِ مِنْ فَضْلِ سَيْبِكَ في غِنًىوَفي نَشَواتٍ لمْ يُحَرَّمْ رَحيقُها
وَقَفْتُ الْقَوافي في ذَراكَ فَلمْ يِكُنْسِواكَ مِنَ الأَمْلاكِ مَلْكٌ يَرُوقُها
مُعَطَّلَةٌ إلاّ لَديْكَ حِياضُهاوَمَهجورَةٌ إلاّ إلَيْكَ طَريقُها
وَما لِيَ لا أُهْدي الثَّناءَ لأَهْلِهِوَلي مِنْطِقٌ حُلْوُ المَعاني رَشيقُها
فإنْ تَكُ أَصْنافُ الْقَلائِدِ جَمَّةًفما يَتَساوى دُرُّها وَعَقيقُها
وقصيدته التي في أبي النجم هبة الله بن بديع الأصبهاني وزير الملك تتش، وكان قد سافر إلى العراق معه من دمشق، وورد الري، وأنشده إياها بها في سنةٍ ثمانٍ وثمانين وأربعمائةٍ، كل بيتٍ منها لؤلؤٌ في سمطٍ، وبيت المخلص واسطته، وما سمعت أحسن من مخلص هذه القصيدة، وهو:
وَخَيْلٍ تَمَطَّتْ بي وَلَيْلٍ كَأَنَّهُتَرادُفُ وَفْدِ الْهمِّ أَوْ زاخِرُ الْيَمِّ
شَقَقْتُ دُجاهُ وَالنُّجومُ كَأَنَّهاقَلائِدُ نَظْمي أَوْ مَساعي أَبي النَّجْمِ
حكى لي مجد العرب العامري قال: كان عندنا بالشام كاتبٌ يعرف بابن القدوري، ذكر أنه لما رماه القدر، بالفقر الكاسر للفقر، فأعرق في أيام السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه، سقاها الله، منتجعاً؛ وانتحل هذه القصيدة، وقصد الصدر الشهيد عزيز الدين أحمد بن حامدٍ، عمك؛ وهو حينئذٍ يتولى استيفاء المملكة، وأنشده إياها، فاهتز لها، فلما بلغ إلى المخلص وقد غيره بأبياتٍ ضعيفةٍ ركيكةٍ، أطرق العزيز ساعةً، وقام ودخل، ثم خرج وجلس، وأدناه إليه وقال: اصدقني لمن هذا الشعر؟ وفيمن قيل؟ حتى تنتفع؟ فحدثته بحديثي وقلت: ما عرفت إلى معروفك من وسيلةٍ، خيراً من ادعاء فضيلةٍ، وما أنا من أرباب النظم، وهذه القصيدة لابن الخياط في أبي النجم، وأنشدته المخلص، ونقدت على محك فضله الإبريز المخلص، فظهرت تباشيره، وأنارت أساريره، وأمر لي بمائة دينارٍ أميريةٍ، وجوائز سنيةٍ، وثوبٍ أطلس مذهبٍ، وبركان قصبٍ، وصار ينوه بذكري في العسكر، وينبه على قدري، ويقول: شاعرٌ مجيدٌ، وفاضلٌ مفيدٌ، حتى اكتسبت أموالاً، وحليت حالاً، ونعمت بالنعمة بالاً. وكان يقول: أنا إلى الآن في نعمة العزيز.
ويناسب هذه الحكاية حكايةٍ أخرى سمعتها منه، وأرويها عنه، قال: كان من شعراء العصر، تاجرٌ سافر إلى مصر، فغرقت بضاعته في البحر، ونجا بنفسه حاملاً أعباء الفقر، فلم يمكنه قول الشعر، لضيق الصدر، فانتحل قصيدة عبد المحسن الصوري في الوزير المغربي التي جمع فيها بين الرقة واللطافة والجودة والصناعة. وهي:
أَتُرى بِثأْرٍ أَمْ بِدَيْنِعَلِقَتْ مَحاسِنُهُ بِعَيْني
في لَحْظِها وَقَوامِهاما في الْمُهَنَّدِ وَالرُّدَيْني
وَبِوَجْهها ماءُ الشَّبابِ خَليطُ نارِ الوْجَنْتَيَنْ
بَكَرَتْ عَلَيَّ وَقَالَتِ اخْتَرْ خَصْلَةً مِنْ خَصْلَتَيْنِ
إمّا الصُّدودَ أَوِ الْفِراقَ فَلَيْسَ عِنْدي غَيْرُ ذَيْنِ
لا تَفْعَلي إنْ حانَ حَيْنُكِ أَوْ فِراقُكِ حانَ حَيْني
فَكأَنَّني قُلْتُ انْهَضيفَمَضْت مُسارِعَةً لَبِيْني
ثُمَّ اسْتَقَلَّتْ أَيْنَ حَلَّتْعِيُسها رُمِيَتْ بِأيْنِ
وَنَوائِبٍ أَظْهَرْنَ أَيّامي إِلَّي بِصورَتَيْنِ
سَوَّدْنَها وَأَطَلْنَهافَرَأَيْتُ يَوْماً لَيْلَتَيْنِ
هَلْ بَعْدَ ذِلكَ مَنْ يُعَرِّفُني النُّضارَ مِنَ اللُّجَيْنِ
فَلَقَدْ جَهِلْتُهُما لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِيْنَهُما وَبَيْني
مُتَصَرِّفاً بالشِّعْرِ يابِئْسَ الْبِضاعَةُ في الْيَدَيْنِ
كانَتْ كَذلِكَ قَبْلَ أَنْيَأْتي عَلِيُّ بْنُ الْحَسْينِ
فَالْيَوْم حالُ الشِّعْرِ ثالِثَةً كَحالِ الشِّعْرَيَيْنِ
إلى آخر القصيدة. قال: فمدح بها الشاعر كبيراً يدعى ذا المنقبتين، وزاد فيها بيتاً آخر وهو:
وَلَكَ المْناقِبُ كُلُّهافَلِمَ اخْتَصَرْتَ عَلَى اثْنَتَينِ؟
فأحسن إليه وأكرمه، وأمر له بجائزةٍ سنيةٍ، فلامه بعض خواصه وقال: هذا شعر عبد المحسن الصوري، فقال: إنما أعطيته لهذا البيت الواحد، فإني أعلم أنه له.
وسمعت من مجد العرب ما يشبه هذا، أنه كان بآمد شاعرٌ مفلقٌ، يقال له ابن أسدٍ، فانتحل قصيدةً له رائيةً الكامل الطبيب اليزدي الأصفهاني عند كونه بالشام، في ريعان عمره، وعنفوان أمره، ومدح بها بعض أمراء العرب، فأمر له بمائة ناقةٍ، فقال له ندماؤه: أيها الأمير! إن هذه، قصيدة ابن أسدٍ، معروفةٌ سائرةٌ، فكتب الأمير إلى ابن أسدٍ بآمدٍ: قد أتانا شاعرٌ، ومدحنا بقصيدةٍ هي كذا، وزعم بعض خواصي أنها لك، فأخبرنا حتى لا نصله بشيءٍ، وإن كانت له حتى نزيد في صلته، فكتب إليه ابن أسدٍ يحلف بالأيمان أنه ما سمعها ولا قالها. فلما ارتقى أمر الكامل أيام نظام الملك، وانتظمت أموره من السعادة في سلكٍ، وتوجه ملكشاه إلى الشام، والكامل في خدمة النظام، وأمر السلطان بالقبض على ابن أسدٍ، لكونه استولى على آمد وبملكها استبد، فأحضر مكتفاً حاسراً حافياً، وظن أنه أصبح خاسراً خاسياً، فمر به الكامل راكباً، وكان عن عرفانه ناكباً، فقرب منه، فسأل عنه، فقيل له: هذا ابن أسد، ذئبٌ قد استأسد. فنزل عن دابته، ومنع الحواشي عن حاشيته، ثم تشفع إلى السلطان في حقه، وأخرجه من ساعته من الحبس بشفاعته، فقال له ابن أسدٍ: من أنت؟ ومن أين تعرفني، حتى أرى مثل هذا الجميل الذي يشملني ويكنفني؟ فقال له: أنا منتحل قصيدتك الرائية. قال: هي لك؛ فإني ما انتفعت بنظمها كما انتفعت بانتحالها و.
وهي ثلاث حكاياتٍ متقاربةٍ، متلائمةٍ متناسبةٍ، في انتحال بعض الشعراء شعر بعضٍ، رأيت ذكرها مثل الفرض وإنما أوردتها عند ذكر انتحال قصيدة ابن الخياط التي في أبي النجم، السيارة سير النجم، وهي:
أَيَا بَيْنُ ما سُلِّطْتَ إلاّ عَلَى ظُلْميوَيَا حُبُّ ما أَبْقَيْتَ مِنّي سِوى الْوَهْمِ
فِراقٌ أتى في إثْرِ هَجْرٍ وَما أَذىًبِأَوْقَعَ مِنْ كَلْمٍ أَصابَ عَلى كَلْمِ
لَقَدْ كانَ في الْوَجْدِ مَا يُقْنعُ الضَّنىوَفي الْهَجْرِ ما يَغْني بِه البْيَنْ عَنْ غَشْمي
وَلكِنَّ دَهْراً أَثْخَتَنْتي جِراحُهُإذا حَزَّ في جِلْدي أَلَحَّ عَلَى عَظْمي
وَإنْ كُنْتُ مِمَّنْ لا يَذُمُّ سِوى النَّوىفإنَّ الْقِلى وَالصَّدَّ أَجْدَرُ بالذَّمِّ
وَما مَنْ رَمى عَنْ غَيْر عَمْدٍ فَأَقْصَدَتْنَوافِذُهُ كَمَنْ تَعَمَّدَ أنْ يَرْمي
فَيَا قَلْبُ كَمْ تَشْقى بِدانٍ وَنَازِحٍفَشاكٍ إلى خَصْمٍ وَبَاكٍ عَلَى رَسْمِ
وَحَتّامَ أَسْشَفي مِنَ النّاسِ مَنْ بِهسَقَامي وأَسْتَرْوي مِنَ الدَّمْعِ مَا يُظْمي
غَريمي بِدَيْنِ الْحُبِّ هَلْ أَنْتَ مُقْتَضًىوَهَلْ لِفُؤادٍ أَتْلفَ الْحُبُّ مِنْ غُرْمِ
أَحِنُّ إلى سُقْمي لَعَلَّكَ عائِديوَمِنْ كَلَفٍ أَنّي أَحِنُّ إلى السُّقْمِ
وَبي مِنْكَ مَا يُرْدي الجْلَيدَ وَإَّنمَالِحُبِّكَ أَهْوى أَنْ يَزيدَ وَأَنْ يَنْمي
وَيَا لائمي أَنْ بَاتَ يُزْري بيَ الْهَوىعَلَيَّ سَفَاهي لا عَلْيكَ وَلي حِلْمي
أَقْلبُكَ أمَ قَلْبي يُصَدَّع بالنَّوىوَجِسْمُكَ يَضْني بالْقَطيعَةِ أَمْ جِسْمي
وَلا غَرْوَ أَنْ أَصْبَحْتَ غُفْلاً مِنَ الْهَوىفَأَنْكَرْتَ ما بي لِلصَّبابَة مِنْ وَسْمِ
نُدوبٌ بِخَدّي للدُّموعِ كَأَنَّهافُلولٌ بِقَلْبي مِنْ مُقَارَعَةِ الْهَمِّ
وَعاِئَبتي أَنَّ الخْطُوبَ بِرَيْنَنيوَرُبَّ نَحيفِ الْجِسمِ ذُو سُؤْدُدٍ ضَخْمِ
رَأَتْ أَثراً لِلنّائِبَاتِ كَما بَداعَلَى الْعَضْبِ ما أَبْقى بهِ الضَّرْبُ مِنْ ثَلْمِ
فَلا تُنْكِري ما أَحْدَثَ الدَّهْرُ إِنَّمانَوائِبُهُ أَقْرانُ كلِّ فَتًى قَرْمِ
وَلابُدَّ مِنْ وَصْلٍ تَسَهِّلُ وَعْرَهُوَغًى تَنْتَمي فيها السُّيوفُ إلى عزِمي
فَرُبَّ مَرامٍ قدْ تَعاطَيْتُ وِرْدَهُفماَ ساغَ لي حَتّى أَمَرَّ لَهُ طَعْمي
وَخَيْلٍ تَمَطَّتْ بي وَلَيلٍ كَأَنَّهُتَرادُفُ وَفْدِ الْهَمِّ أَوْ زاخِرُ الْيَمِّ
شَقَقَتْ دُجاهُ وَالنُّجومُ كأَنَهَّاقَلائِدُ نَظْمي أَوْ مَساعي أَبي النَّجْمِ
إِلَيْكَ يَمينَ الُمْلِك واصَلْتُ شَدَّهامُقَلْقَلَةَ الأَعْلاقِ جائِلَةَ الْحَزُمِ
غَوارِبُ أَحْياناً طَوالِعُ كُلَّماهَبَطْنَ فَضا سَهْلٍ عَلَوْنَ مَطَا حَزْمِ
تَميلُ بها الآمالُ عَنْ كُلِّ مَطْمَعٍدَنِيءٍ وَتَسْمو لِلطِّلابِ الَّذي يُسْمي
تَزُورُ امْرَأً لا يُجْتَني ثَمَرُ الْغِنىبِمِثْلِ نَداهُ الْغَمْرِ وَالنّائِلِ الْجَمِّ
مَتى جِئْتَهُ وَالْمُعْتَفونَ بِبابِهشَهِدْتَ بنُعْمى كَفِّهِ مَصْرَعَ الْعُدْمِ
إِلى مُسْتَبِدٍّ بالْفَضائلِ قاسِمٍلِهِمَّتِهِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْفَرَ الْقَسِمْ
تُعَدَّ عُلاهُ مِنْ مَناقِبِ دَهْرِهِكَعَدِّكَ فَضْلَ اللَّيْلِ بالْقَمَرِ التِّمِّ
وَكَرَّمَهُ عَنْ أَنْ يُسَبَّ بِمِثْلِه الزَّمانُ كمالٌ زَيَّنَ الْجَّد بالْفَهْمِ
وَجُودٌ عَلَى الْعافي وَذَبٌّ عَنِ الْعُلىوَصَدٌّ عَنِ الْواشي وَصَفْحٌ عَنِ الْجُرْمِ
وَرُتْبَةُ مَنْ لمْ يَجْعَلِ الْحَظَّ وَحْدَهُطَريقاً إلى الْعالي مِنَ الرُّتَبِ الشُّمِّ
تَناوَلَها اسْتِحْقاقُهُ قَبْلَ حَظِّهِوَحامى عَلَيْها، وَالَمقاديرُ لمْ تَحْمِ
وَغَيْرُ بَديعٍ مِنْ بَديعٍ مُشَيِّدٌلِما شادَهُ وَالْفَرْعُ يُنْمي إلى الجْذْمِ
سَقى الّلهُ عَصْراً حافِظَ ابْنَ مُحَمَّدٍبما في ثُغورِ الْغانِياتِ مِنَ الظَّلْمِ
أَغَرُّ إذا مَا الْخَطْبُ أَعْشى ظَلامُهُتَبَلَّجَ طَلْقَ الرَّأْيِ في الْحادِثِ الْجَهْمِ
تَرِقُّ حَواشي الدَّهْرِ في ظِلِّ جُودِهِوَتَظْرُفُ مِنْهُ شِيَمُة الزَّمَنِ الْفَدْمِ
وَيَكْبُرُ قَدْراً أَنْ يُرى مُتَكَبِّراًوَيَعْظُمُ مَجْداً أَنْ يِتَيهَ مَعَ الْعُظْمِ
وَيَكْرُمُ عَدْلاً أَنْ يميلَ بِه الْهَوىوَيَشْرُفُ نَفْساً أنْ يَلَذَّ مَعَ الإثْمِ
وَيُورِدُ عَنْ فَضْلٍ وَيُصْدِرُ عَنْ نُهًيوَيَصْمُتُ عَنْ عِلْمٍ وَيَنْطِقُ عَنْ فَهْمِ
بَديهَةٍ رَأْي في رَوِيَّةِ سُودَدٍوَإقْدامُ عَزْمٍ في تَأُيُّدِ ذي حَزْمِ
خَلائِقُ إِنْ تَحْوِ الثنَّاءَ بِأَسْرِهِفمَا الفْخَرُ إلّا نَهُبْةُ الشَّرَفِ الْفَخْمِ
أَبَرُّ عَلَى الأَقْوامِ مِنْ وَابِلِ الْحَياوَأَشْهَرُ في الأَيّامِ مِنْ شَيْبَةِ الدَّهْمِ
أَضاءَتْ بِه الأوقاتُ وَالشَّمْسُ لمْ تُنِرْوَرُوِّضَتِ السّاحاتُ وَالْغَيْثُ لمْ يَهْمِ
وَشُدَّتُ أَواخي المُلْكِ مِنْهُ بِأَوْحَدٍبَعيدِ عُرى الْعَقْدِ الْوَكيدِ مِنَ الْفَصْمِ
فَتىً لا تُصافي طَرْفَهُ لذَّةُ الْكَرىوَلا تَطَّبي أَجْفانَهُ خُدَعُ الْحُلْمِ
يُسَهِّدُهُ تَشْييدُهُ الْمَجْدَ وَالْعُلىوَتَفْريجُ غَمّاءِ الْحَوادِثِ وَالغْمِّ
وَغَيْرُ النُّجومِ الزُّهْرِ يَأْلَفُهَا الْكَرىوَيَعْدَمُهَا الإِشْراقُ في ظُلَمِ الْعُتْمِ
لَقَدْ شَرَّفَ الأَقْلاَم مَسُّ أَنامِلٍبِكَفِّكَ لا تَخْلو مِنَ الْجُودِ وَاللَّثْمِ
فَكُلُّ نُحولٍ في الظُّبي حَسَدٌ لهَاوَكُلُّ ذُبولٍ غَيْرَةٌ بِالْقَنَا الصُّمِّ
وَكُنْتَ إذا طالَبْتَ أَمْراً مُمَنَّعاًأَفَدْتَ بهَا ما يُعْجِزُ الْحَرْبَ في السِّلْمِ
كَفَيْتَ الْحُسَامَ الَعضْبَ فَلَّ غِرارِهِوَآمَنْتََ صَدْرَ السَّمْهَرِيِّ مِنَ الْحَطْمِ
وَجاراكَ مَنْ لا فَضْلَ يُنْجِدُ سَعْيَهُوَأَيُّ امْرِيءٍ يَبْغي النِّضالَ بلِا سَهْمِ
لَكَ الذَّرُوْةَ ُالْعَلْياءُ مِنْ كُلِّ مَفْخَرٍسَنِيّ، وَما لِلْحَاسِدِينَ سِوى الرُّغْمِ
وَكَيْفَ يُرَجِّي نَيْلَ مَجْدَِ طالِبٌوَبَيْنَهُما ما بَيْنَ عِرْضِكَ وَالْوَصْمِ
لَئِنْ أَوْحَدَتْني النّائِباتُ فإِنَّنيلَمِنْ سَيْبِكَ الْفَيّاضِ في عَسْكَرٍ دُهْمِ
وَإِنْ لمْ أَفِدُ غُنْماً فَقُرْبُك كافِلٌبِأَضْعافِهِ حَسْبي لِقاؤُكَ مِنْ غُنْمِ
هَجَرْتُ إلَيْكَ الْعالَمينَ مَحَبَّةًوَمِثْلُكَ مَنْ يُبْتاعُ بِالْعُرْبِ وَالْعُجْمِ
وَما قَلَّ مَنْ تَرْتاحُ نَظْمي صِفاتُهُوَلكِنْ رَأَيْتُ الدرُّ َّألَيْقَ بالنَّظْمِ
أَرى نَيْلَ أَقْوامٍ وَآبى امْتنِانَهُمْوَلَيْسَ تَفي لي لَذَّةُ الشُّهْدِ بِالسُّهِّم
فَهَلْ لَكَ أَنْ تَنْتاشَنيِ بِصَنيعَةٍيَلينُ بهَا عُودُ الزَّمانِ عَلَى عَجْمي
تَحُلُّ مَحَلَّ الْماءِ عِنْدي مِنَ الثَّرىوَأَشْكُرُها شُكْرَ الرِّياضِ يَدَ الْوَسْمي
أَقَرَّ ذَوُو الآدابِ طُرّاً لِمَنْطِقيوَغَيْرُهُمُ فيما حَكى كاذِبُ الزَّعْمِ
فَلَسْتُ بِمُحْتاجٍ عَلَى ما ادَّعَيْتُهُإلى شاهِدٍ بَعْدَ اعْتِرافٍ مِنَ الْخَصْمِ
تُطيعُ الْقَوافي الآبِياتُ قَرائحيوَيَنْزِلُ فِيهنَّ الْكلامُ عَلَى حُكمْي
وَسَيَّارَةٍ بِكْرٍ قَصَرْتُ عِنانَهافَطالَتْ بِه وَالْخَيلُ تَمْرَحُ في اللُّجْمِ
نَمى ذِكْرُها قَبْلَ اللِّقاءِ وإَنَّمايَسُرُّكَ بَوْحي بالْمَحامِدِ لا كَتْمي
كَمَخْتُومَةِ الدّارِيِّ نَمَّ بِفَضْلِهاإلَيْكَ شَذاها قَبْلَ فَضِّكَ لِلْخَتْمِ
حَديثَةُ عَصْرٍ كُلَّما امْتَدَّ دَهْرُهاسَمَا فَخْرُها حَتّى تَطولَ عَلَى الْقُدْمِ
وَما فَضْلُ بِنْتِ الْكَرْمِ يَوْماً بِبَيِّنإذا لمْ يَطُلْ عَهْدُ ابْنَةِ الْكَرْمِ بالْكَرْمِ
ومن مراثيه البديعة، المسلية عن الفجيعة، قصيدةٌ استحسنتها وكثر بها إعجابي فأثبتها ولم يتعدها انتخابي، وهي قوله في قول ابن عثمان يعزي به أبق سنة إحدى وخمسمائةٍ:
لَيْسَ الْبُكاءُ وَإِنْ أُطيلَ بِمُقْنِعيالْخَطْبُ أَعْظَمُ قِيمَةً مِنْ أَدْمُعي
أَوَ كُلَّما أَوْدى الزَّمانُ بِمُنْفِسٍمِنّي جَعَلْتُ إلى المَدامِعِ مَفْزَعي
هَلاّ شَجاني أَنَّ نَفْسِيَ لمْ تَفِضْأَسَفاً وَأَنَّ حَشَايَ لمْ تَتَقَطَّعِ
مَا كانَ هذا الْقَلْبُ أَوَّلَ صَخْرَةٍمَلْمومَةٍ قُرِعَتْ فَلمْ تَتَصَدَّعِ
أَلْقى السِّلامَ عَلَى أَبَرَّ مُؤَمَّلٍوَحَثَا التُّرابَ عَلَى أَغَرَّ سَمَيْدَعِ
يا لَلرِّجالِ لِنازِلٍ لمْ يُحْتَسَبْوَلحِادِيثٍ ما كانَ بالْمُتَوَقّعِ
ما خِلْتُني أَلجْأ إلى صَبْرٍ عَلَىزَمَنٍ بِتَفْريقِ الأحِبَّةِ مُولَعِ
تَاللهِ ما جارَ الزَّمانُ وَلا اعْتَدىبِأَشَدَّ مِنْ هذا المُصابِ وَأَوْجَعِ
خَطْبٌ يُبَرِّحُ بالْخُطوبِ وَفادِحٌمَنْ لمْ يَمُتْ جَزَعاً لَهُ لمْ يَجْزَعِ
لا أَسْمَعَ النّاعي، فَأَيْسَرُ ما جنَىصَدْعُ الْفُؤادِ بِه وَوَقْرُ المِسْمَعِ
يَا قُولُ قَوْلَةَ مُكْمَدٍ مُسْتَنْزِرٍماءَ الشُّؤونِ لَهُ وَنارَ الأَضْلُعِ
شاكي النَّهارِ إذا تَأَوَّبَ لَيْلُهُهَجَعَ السَّليمُ وَطَرْفُهُ لمْ يَهْجَعِ
مَلآْنَ مِنْ حُزْنٍ فَلَيْسَ لِفَرْحَةٍأَوْ تَرَْةٍ بِفؤادِهِ مِنْ مَوْضِعِ
أَشْكُو إلى الأيّامِ فِيكَ رَزِيَّتيلَوْ تَسْمَعُ الأَيّامُ شَكْوى مُوجَعِ
وَأَبِيتُ مَمْنوعَ الْقَرارِ كَأَنَّنيما راعَني الْحَدَثانُ قَطُّ بِأَرْوَعِ
وَرَنينِ مَفْجُوعٍ لَديْكَ وَصَلْتُهُبِحَنينِ باكِيَةٍ عَلَيْكَ مُرَجَّعِ
غَلَبَ الأسى فيكَ الأُساةَ فَلا أَرىمَنْ لا يُكاثِرُ عَبْرَتي وَتَفُّجعي
فإِذا صَبَرْتُ فَقَدْتُ مِثْلِيَ صابراًوَإذا بَكَيْتُ وَجَدْتُ مَنْ يَبكي مَعي
قَدْ غَضَّ يَوْمُكَ ناظِري بَلْ فَضَّ فَقْدُكَ أَضْلُعي وَأَقَضَّ بُعْدُكَ مَضْجَعي
أَخْضَعْتَني لِلنّائِباتِ وَمَنْ يُصَبْيَوْماً بِمِثِلَك يَسْتَذِلَّ وَيَخْضَعِ
وَأَهانَ خطَبْكُ ما بِقَلْبي مِنْ جَوًىكالسَّيْلِ طَمَّ عَلَى الْغَديرِ الْمُتَرِع
يَا قُولُ ما خانَ الْبَقاءُ وَإِنَّماصُرِعَ الزَّمانُ غَداةَ ذاكَ الْمْصَرِع
مَا كُنْتُ خائِفِهَا عَلَيْكَ جِنَايَةًلَوْ كَانَ هذا الدَّهْرُ يَعْقِلُ أَوْ يَعي
صُلْ بَعْدَها يَا دَهْرُ أَوْ فَاكْفُفْ وَخُذْمَنْ شِئْتَ يَا صَرْفَ الْمَنِيَّةِ أَوْ دَعِ
قَدْ بَانَ بِالْمَعْروفِ أَشْجى بَائِنٍوَنَعى إلَيْنا الْجُودُ أَعْلى مَنْ نُعي
غَاضَ الْحِمامُ بِزاخِرٍ مُتَدَفِّقٍوَهَوى الْحُسامُ بِبِاذِخٍ مُتَمَنِّعِ
مِنْ دَوْحَةِ الْحَسَبِ الْعَلِيِّ المُنْتَميوَسُلالَةِ الْكَرَمِ الْغَزيرِ المَنْبَعِ
إِنْ أَظْلَمَتْ تِلْكَ السَّماءُ فَقَدْ خَلامِنْ بَدْرِها الْأَبْهي مَكانُ المَطْلَعِ
أَوْ أَجْدَبَتْ تِلْكَ الرِّباعُ فَبَعْدَماوَدَعَّتْ تَوْديعَ الْغَمامِ المُقْلِعِ
أَعْزِزْ عَلَيَّ بِمِثْلِ فَقْدِكَ هالِكاًخَلَعَ الشَّبابَ وَبُرْدَهُ لمْ يَخْلَعِ
لوْ أُمْهِلَتْ تِلْكَ الشَّمائِلُ لمْ تَفُزْيَوْماً بِأَغْرَبَ مِنْ عُلاكَ وَأَبْدَعِ
قُلْ لي لأَيِّش فَضيَلةٍ لَمْ تُبْكِنيإنْ كانَ قَلْبي ما بَكاكَ وَمَدَمْعَي
لِجَمالِكَ المَشْهِور أَمْ لِكماِلك المَذْكُورِ أَمْ لِنَواِلكَ الْمُتَبِّرعِ
ما خالَفَ الإجْماعَ فيكَ مَقالتَيفَأُقيمَ بَيِّنَةً عَلَى ما أَدَّعي
أَيُضَيِّعُ الْفِتْيانُ عَهْدَكَ إنَّهُما كَانَ عِنْدَكَ عَهْدُهُمْ بِمُضَيَّعِ
قَدْ كُنْتَ أَمْرَعَهُمْ لِمُرتادِ النَّدىكَفَّاً وأَسْرَعَهُمْ إلى المُسْتَفْزِعِ
حَلِيَتْ مَجالِسُهُمْ بِذِكْرِكَ وَحْدَهُوَعَطَلْنَ مِنْ ذاكَ الأبيِّ الأَرْوَعِ
وَالدَّهْرُ يَقْطَعُ بَعْدَ طُولِ تَواصُلٍوَيَشُتِ بَعدَ تَلاؤُمٍ وَتَجَمُّعِ
قُبْحاً لِعَادِيَةٍ رَمَتْكَ فإَنَّهاعَدَتِ الذَّليلَ إلى الأَعَزِّ الأَمْنَعِ
مَا كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ ضَيْماً وَاصِلٌبِيَدِ الدَّنِيِّ إلى الشَّريفِ الأرْفَعِ
قَدَرٌ تَرَفَّعَ يَوْمَ رُزْئِكَ هَمُّهُفَرَمى إلى الْغَرَضِ الْبَعيدِ المْنَزْعَ
كَيْفَ الْغِلابُ وَكَيْفَ بَطْشُكَ وَاحِداًفَرْداً وَأَنْتَ مِنَ الْعِدى في مَجْمَعِ
عَزَّ الدِّفاعُ وَما عَدِمْتَ مُدافِعاًلوْلا مَقادِرُ ما لَها مِنْ مَدْفَعِ
وَلَقْد لَقِيتَ الْمَوْتَ يَوْمَ لَقِيَتُهكَرَماً بِأَنْجَدَ مِنْهُ ثَمَّ وَأَشْجَعِ
عِفْتَ الدَّنِيَّةَ وَالْمَنِيَّةُ دُونَهافَشَرَعْتَ في حَدِّ الرِّماحِ الشُّرَّعِ
وَلوَ اَنكَّ اخْترْتَ الأَمانَ وَجَدْتَهُأَنّى وَخَدُّ اللْيْثِ لَيْسَ بِأَضْرَعِ
مَنْ كانَ مِثْلَكَ لمْ يَمُتْ إلاّ لَقيًبَيْنَ الصَّوارِمِ وَالْقَنا الْمُتَقَطِّعِ
جَادَتْكَ واكِفَةُ الدُّموعِ وَلمْ تَكُنْلَوْلاكَ مُخْجِلَةَ الْغُيومِ الْهُمَّع
وَبَكاكَ مُنْهَلُّ الْغَمامِ فَإِنَّهُما كانَ مِنْكَ إلى السَّماحِ بِأَسْرَعِ
وَتَعَهَّدَتْ مَغْناكَ سَارِيَةٌ مَتىتَذْهَبْ تَعُدْ وَمَتى تُفاِرقْ تَرْجِعِ
تَغْشَاكَ تائِقَةً تَزورُ وَتَنْثَنيبِمُسَلِّمٍ مِنْ مُزْنِها وَمُوَدِّعِ
تَحْبُوكَ مَوْشِيَّ الرِّياضِ وَإنِّمايُهْدَي الرَّبيعِ إلى الرَّبيع المُمْرِعِ
لاَ يُطْمِعِ الأَعْداءَ يَوْمٌ سَرَّهُمْإِنَّ الرَّدى في طَيِّ ذاكَ المَطْمَعِ
الثَّأْرُ مَضْمونٌ وَفي أَيْمَانِنَابِيضٌ كَخاطِفَةِ الْبُروقِ اللُّمَّعِ
وَذَوابِلٌ تَهْوِي إلى ثُغَرِ الْعِدىتَوْقَ الْعِطاشِ إلى صَفاءِ المَشْرَعِ
قَدْ آنَ لِلدَّهْرِ المُضِلِّ سَبيلَهُأَنْ يَسْتَقيمَ عَلى الطَّريقِ الْمَهْيَعِ
مُسْتَدْرِكاً غَلَطَ الليّالي فيكُمُمُتَنَصِّلاً مِنْ جُرْمِها المُسْتَفْظَعِ
أَفَغَرَّكُمْ أَنَّ الزَّمانَ أَجَرَّكُمْطِوَلاً بِبَغْيِكُمُ الوَخيمِ الْمَرْتَعِ
هَلّا وَمَجْدُ الدِّينِ قَدْ عَصَفْت بِكُمْعَزَماتُهُ بالْغَوْرِ عَصْفَ الزَّعْزَعِ
وَغَداةَ عَلْعَالَ التَّي رَوَّتْكُمُبالْبِيضِ مِنْ سَمُ الضِّرابٍ المُنْقَعِ
لا تَأْمَنُنَّ صَرِيمَةً عَضْبِيَّةًمِنْ أَنْ تُقيمَ الْحَقَّ عِنْدَ المَقْطَعِ
بِقَناً لِغَيْرِ رَداكُمُ لَمْ تَعْتَقَلْوَظُبيً لِغَيْرِ بَوارِكُمْ لمْ تُطْبِع
يَا خَيْرَ مَنْ سُمِّي وَأَكْرَمَ مَنْ رُجيوَأَبَرَّ مَنْ نُودي وَأَشْرَفَ مَنْ دُعي
إِنّا وَإِنْ عَظُمَ الْمُصابُ فَلا الأَسىفيهِ الْعَصِيّ وَلا السُّلُوُّ بِطَيِّعِ
لَنَرى بَقاءَكَ نِعْمَةً مَحْقُوقَةًبالشُّكْرِ مَا سُقِيَ الأَنامُ وَما رُعِي
وَلَقَدْ عَلِمْتَ وَلْم تَكُنْ بِمُعَلَّمٍأَنَّ الأَسى وَالْوَجْدَ لَيْسَ بِمُنْجِعِ
هَيْهَاتَ غَيْرُكَ مَنْ يَضيقُ بِحَادِثٍوَسِوَاكَ مَنْ يَعْيا بِحَمْلِ المُضْلِعِ
دانَتْ لَكَ الدُّنْيَا كَأَحْسَنِ رَوْضَةٍشُعِفَ النَّسيمُ بِنَشْرِها المُتَضَوِّعِ
لا زالَ رَبْعُ عُلاكَ غَيْرَ مُعَطَّلٍأبَداً وَسِرْبُ حِمَاكَ غَيْرَ مُرَوَّعِ
مَا تاقَ ذُو شَجَنٍ إلى سَكَنٍ وَمَاوَجَدَ المُقيمُ عَلاَقةً بالْمُزْمِعِ
وقد أثبتت من مقطعاته لمعاً، ومن ملحه ملحاً، ومن طرفه طرفاً، وأوردتها بها شغفاً. والذي عنيت من شعره بإثباته منتخب قصائده، ومنتخل مقطعاته. فمن ذلك بيتان في مرثيةٍ، وهما:
يَا قَبْرُ مَا لِلْمَجْدِ عِنْدَكَ فاحْتَفِظْبِمُهَنَّدٍ مَا كُنْتَ مِنْ أَغْمَادِهِ
تَشْتَاقُ مِنْهُ الْعَيْنُ مِثْلَ سَوادِهاوَيَضُمُّ مِنْهُ الصَّدْرُ مِثْلَ فُؤادِهِ
قال مؤلف الكتاب: وتذكرت، عند إثبات هذين البيتين، بيتين نظمتهما بديهياً في أخي عثمان ﵀، وقد اتصل بي خبر موته عند العود من سفر الحج تغمد في محرم سنة تسعٍ وأربعين وخمسمائة، فأثبتهما:
سَقَى اللهُ إِنْساناً لِعَيْني دَفَنتُهُعَلَى رَغْمِ أَنْفي جاِعلاً قَبْرَهُ قَلْبي
فَلا تَحْسِبَو أَنَّ التُّرابَ ضَريحُهُفَمْنزِلُهُ بَيْنَ التَّرائِبِ لا التُّرْبِ
وما سمعت من المراثي أحسن من بيتين أوردهما الأديب الباخرزي في كتاب دمية القصر في شعراء أهل العصر:
بْرِغَمي أَنْ أُعاتِبَ فيكَ دَهْراًقَليلٌ فِكْرُهُ لِمُعَنِّفيهِ
وَأَنْ أَرْعى النُّجومَ وَلَسْتَ فِيهاوَأَنْ أَطَأَ التُّرابَ وَأَنْتَ فيهِ
وقوله في الغزل في غلامٍ يستخرج ماء الورد، وقد احمرت وجنتاه من حرارة الوقد:
يَا مُوقِدَ النّارِ الذَّي لمْ يَأْلُ في اسْتِخْراجِ ماءِ الوَرْدِ غايَةَ جَهْدِهِ
أَوَ مَا تَرى الْقَمَرَ المُحَرِّقَ ظالِماًقَلْبي بِنَارٍ مِنْ جَفَاهُ وَبُعْدِهِ
انْظُرْ إلَيْهِ تَضَرَّجَتْ وَجَناتُهُخَجَلاً وَقَدْ عاتَبْتُهُ في صَدِّهِ
إنْ تَخْبُ نَارُكَ فَاقْتَبِسْ مِنْ مُهْجَتيأَوْ يَفْنَ وَرْدُكَ فاقْتَطِفْ مِنْ خَدِّهِ
وبيتان عملهما ليكتبا على قائم سيفٍ وهما:
أَنَا وَالنَّدى سَيْفَانِ فييَدِ مَاجِدٍ نَصَرَ الْمَكارِمْ
هذا يَفُلُّ بهِ الْخُطوبَ وَذا يَقُدُّ بِه الْجِماجِمْ
وقوله في الشوق:
وَتَعْتَادُني ذِكْراكَ في كُلِّ ساعَةٍفَتَشْتَفُّني حَتّى تَهَيِّجَ وَسْواسي
وَأَشْتَاقُكُمْ وَالْيَاْسُ بَيْنَ جَوانِحيوأَبْرَحُ شَوْقٍ مَا يَكُونُ مَعَ الْيَاسِ
وَلوْلا الرَّدى مَا كانَ بِالْعَيْشِ وَصْمَةٌوَلوْلا النَّوى مَا كانَ بِالْحُبِّ مِنْ بَاسِ
وقوله وقد أدنى إليه غلامٌ شمعةً فوقعت قطرةٌ منها عليه، فأحرقته:
يا مُؤْذِياً بالنّارِ جِسْمَ مُحِبِّهِنارُ الْجَوى أَحْرى بِأَنْ تَؤُذِيِه
وَلِحَرِّهَا بَرْدٌ عَلَى كَبِدي إذاأَيْقَنْتُ أَنَّ تَحَرُّقي يُرْضيهِ
عَذِّبْ بهَا جَسَدي فدِاكَ مُعَذَّباًوَاحْذَرْ عَلَى قَلْبي فَإنَّكَ فيهِ
وقوله في الخمر ويصف شراباً أصفر:
يا حُسْنَهَا صَفْراءَ ذاتَ تَلَهُّبٍكالنّارِ إلاّ أَنَّهَا لاَ تَلْفَحُ
عاطَيْتَنيهَا وَالمِزاجُ يَرُوضُهاوَكَأَنَّهَا في الْكأْسِ طِرْفٌ يَجْمَحُ
وَتَضَوَّعَتْ مِسْكِيَّةً فَكأَنَّهَامِنْ نَشْرِ عِرْضِكَ أَوْ ثَنَائِكَ تَنْفَحُ
وقوله وهو متوجهٌ من خراسان إلى دمشق:
أَلاَ لَيْتَ شِعْري هَلْ أَبْيتَنَّ لَيْلِةًيُرَوِّحُني بالْغُوطَتَيْنِ نَسيمُ
وَهَلْ تَجْمَعَنَّ الْكأْسُ شَمْلي بِفِتْيَةٍعَلَى الْعَيْشِ مِنْهُمْ نَضْرَةٌ وَنَعيمُ
وقوله في يوم مطرٍ زاره فيه محبوبه:
لِلهِ يَوْمٌ سَقَانا اللَّهْوُ وَالمَطَرُبِه وَأُحْمِدَ مِنّا الْوِرْدُ وَالصَّدَرُ
يَوْمٌ كَفَانَا مِنَ اللَّذّاتِ أَنَّ بِهلمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ حَتّى زَارنا الْقَمَرُ
في قامَةِ الْغُصْنِ إلاّ أَنَّهُ رَشَأٌفي طَلْعَةِ الْبَدْرِش إلّا أَنَّهُ بَشَرُ
زِيَارَةٌ لَيْتَ يَوْمي لا يَكُونُ لَهُفيها عِشاءٌ وَلَيْلي ما لَهُ سَحَرُ
وقوله:
بِنَفْسِيَ مَنْ تُضيءُ بِه الدَّياجيوَيُظْلِمُ حينَ يَبْتَسِمُ النَّهَارُ
وَمَنْ أَمَلي لِزَوْرَتِه غُرورٌوَمَنْ نَوْمي لِفُرْقَتِهِ غِرارُ
وقوله في جواب كتابٍ:
وافى كِتابُكَ أَسْنى ما يَعودُ بِهِوَفْدُ الْمَسَرَّةِ مِنّي إذْ يُوافيني
فَظَلِتْ أُطْويهِ مِنْ شَوْقٍ وَأَنْشُرُهُوَالشَّوْقُ يَنْشُرُني فيهِ وَيَطْويني
وقوله في قدحٍ وقع من يد الساقي فانكسر:
أَتُرى أَبْصَرَهُ مِثْلي الْقَدَحْفَغَدا زَنْدُ حَشَاهُ مُقْتَدَحْ
فَانْثَنى مُنكَسِراً مِنْ وَجْدِهِبكَسِيرِ الطَّرْفِ كالظَّبْيِ سَنَحْ
قَمْرٌ يَسْعَدُ أَنْ يُشْبِهَهُقَمْرُ اللَّيْلِ إذا الليَّلْ ُجَنَحْ
لَبِسَ الْحُسْنَ كَشَمْسِ الدَّوْلَةِ المَلْكِ إذْ يَلْبَسُ مَعْشوقَ الْمِدَحْ
وقوله في مجلس شراب:
قُلْتُ لِلساقّي وَقَدْ طافَ بهاقَهْوَةً مَصْبوغَةً مِنْ وَجْنَتَيْهِ
أَتُرى مِنْ دَنِّةِ أَتْرَعَهاأَمْ تُرى أَتْرَعَها مِنْ مُقْلَتَيْهِ
أَمْ تُراهُ شارِباً مِنْ رِيِقِهِضِعْفَ ما يَشْرَبُ قَوْمٌ مِنْ يَدَيْهِ
فأَرى أَعْطافَهُ شاهِدَةًأَنَّهُ قَدْ جارَتِ الْكأْسُ عَلَيْهِ
مَنْ يَكُنْ هَامَ مِنَ الْوَجْدِ بِهِفَلَقَدْ ذُبْتُ مِنَ الشَّوْقِ إلَيْهِ
وذكر أنه كان مولعاً بالنرد واللعب به، وكان أبداً مقموراً، فنظم هذه المقطعة في صفة النرد، وأثبتها لانفرداها بفنها، ولم أسمع في هذا المعنى أحسن منها:
أَقُولُ وَالْيَوْمُ بَهيمٌ خَطْبُهُمُسْوَدُّ أَوْضَاحِ الضُّحى دَغُوشُها
يُظْلِمُ في عَيْنَيَّ لا مِنْ ظُلْمَةٍبَلْ مِنْ هُمومٍ جَمَّةٍ غُطوشُها
وَالنَّرْدُ كالنَّاوَرْدِ في مَجالَهِاأَوْ كالْمَجُوسِ ضَمَّهَا ماشُوشُها
كَأَنَّهَا دَساكِرٌ لِلُّشرْبِ أَوْعَسَاكِرٌ جائِشَةٌ جُيوشُها
وَلِلْفُصوصِ جَوْلَةٌ وَصَوْلَةٌتُحَيِّرُ الأَلْبابَ أَوْ تَطيشُها
قاتَلَها اللهُ! فَلا بِنُوجُهاتَرْفَعُ بي رَأْساً وَلا شُشُوشُها
أُرْسِلُها بِيضاً إذا أَرْسَلْتُهاكَأَنَّها قَدْ مُحِيَتْ نُقوشُها
كَأَنَّنِي أَقْرَأُ مِنْها أَسْطُراًمِنَ الزَّبورِ دَرَسَتْ رُقُوشُها
كَأَنَّ نُكْراً أَنْ أَبيتَ لَيْلَةًمَقْمُورُهَا غَيْرِيَ أَوْ مَقْمُوشُها
تُطيعُ قَوْماً عَمَّهُمْ نَصُوحُهَاوَخَصَّني مِنْ بَيْنِهِمْ غَشُوُشها
يُجيبُهُمْ مَتى دَعَوْا أَخْرَسُهاوَإِنْ يَقولوا يَسْتَمِعْ أَطْرُوشُها
مَدَيْدِ بينَ دَأْبُهُمْ غَيْظي فماتَسْلَمُ مِنْهُمْ عِيشَةٌ أَعِيشُها
كَأَنَّ رُوحي بِيْنَهُمْ أَيْكِيَّةٌرَاحتْ وَكَفُّ أَجْدَلٍ تَنُوشُها
يَبْتِكُ مِنْهَا لَحْمَها وَتارَةًتَكادُ تَنْجُو فَيُطارُ رِيشُها
إذا احْتَبى أَبُو المُرَجّا فيِهُمفَهامُنَا مائِلَةٌ عُرُوشُها
كَأَنَّما شَنَّتْ قُشَيْرٌ غارَةًعَجْلانُها الْحَرّابُ أَوْ حَريشُها
كَأَنَّ تِلْكَ الْخَمْسَ مِنْهُ قُطِّعَتْخَمْسَ أَفاعٍ مُرْعِبٌ كَشيشُها
أَظْفارُها أَنْيابُها وَطالَمانَيَّبَ قَلْبي وَيَدي نَهُوشُها
لا يَأْتَلي مِنْ ذَهَبٍ يَلُفُّهُمِنّي وَمِنْ دَراهِمٍ يَحُوشُها
وَمِنْ خِرافٍ لَهُمُ مِنْها الَّذيطابَ وَلي ما ضَمِنَتْ كُروشُها
وَمِنْ دَجاجاتٍ إذا ما كُرْدِنَتْكَأَنَّما شَكَّ فُؤادي شِيشُها
وقوله:
أَتَظُنُّني لا أَسْتَطيعُأُحيلُ عَنْكَ الدَّهْرَ وُدّي
مَنْ ظَنَّ أَنْ لا بُدَّ مِنْهُفَإنَّ مِنْهُ أَلْفَ بُدِّ
وتوفي ابن الخياط في رمضان سنة سبع عشرة وخمسمائةٍ.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع