من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
الأول مصر
وأنا مبتدىء بالديار المصرية لامتزاجي بأهلها، وابتهاجي بفضلها، وحصول مداري في فلكها، ووصول مرادي إلى ملكها، وإطلاعي على فضائلها، واضطلاعي بفواضلها، ودخولي إليها في خدمة سلطانها، وخروجي منها بشكر إحسانها، ومقامي فيها أترفرف على محاسنها، وأترشف من عذبها وآسنها، وأتحلى بعقود جواهرها، وأتملى من سعود زواهرها، نازلاً من المولى الأجل الفاضل في ظل إفضاله الوافر الوارف، واصلاً من ذرى المحل الكامل في ذيل إقباله الكافي إلى أبهج الرفارف، حاصلاً من الملك الناصر في المنى بالملك والنصر، حاملاً في سلطانه الباهر على العدا بالهلك والقهر.
ومصر مربع الفضلاء، ومرتع النبلاء، ومطلع البدور، وموضع الصدور، وأهلها أذكياء أزكياء، يبعد من أقوالهم وأعمالهم العي والعياء، لاسيما في هذا الزمان المذهب، والوقت المهذب، بدولة مولانا الملك الناصر، جامع كلمة الإيمان، قامع عبدة الصلبان، صلاح الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، أبي المظفر يوسف بن أيوب محيي دولة أمير المؤمنين، ففي أيامه الزاهرة، ودولته القاهرة، أشرقت الأرض بنور ربها، وهبت الأرياح من مهبها، ورفعت معالم العدل والعلم، وخضعت دعائم الجهل والظلم، وأثبتت أمالي الآمال في دفاتر النجاح، وكتب أمان الأماني بمهارق الفلاح، واستدر جود الجود، واستقر طود الوجود، وزف هدي الهدى على خاطبي النصر، وحف ندي الندى بطالبي الوفر، واتضح الحق، واتضع الباطل، وعز العالم وذل الجاهل، وأفاض الأفاضل في الشكر، وراض الأماثل قرح القرائح في النظم والنثر، وعاد الرجاء مفتوح الرتاج، ممنوح النتاج، حالي التاج بيواقيت الفوز، علي السراج في مواقيت العز، أرج الآفاق بذائع البدائع، رائج الأسواق بضاع البضائع، بوجود المولى الفاضل، وجده المولى إلى الأفاضل، وكفى مصر فخراً سمو سناء فضله في ذراها، ودنو جنى أفضاله لذراها، فإنه ذو السؤدد الظاهر، والمحتد الطاهر، والسلف الكريم، والشرف الصميم، والعرف الزكي، والعرف الذكي، والفتوة الراجحة، والمروة الناجحة، والظن المخمر بالدين، واليقين المؤزر بالصدق المبين، والحق المتين، والبلاغة التي لم يبلغ إلى شأنها قسٌ والرأي الذي لم يهتد إلى سننه قيس، والبراعة التي نسخت شريعتها بالإعجاز شرائع الفصحاء، وبذخت صنعتها بالإحراز لبدائع البلغاء.
وهو الذي راش نبل نبلي، وأعاش شخص فضلي، وأقام جاه أملي بعد الخمول، وأنام عين وجلي عند الذهول، وثبت عرش حفظي، ونبت غرس حظي، ونشرني وقد كاد يطوى اسمي، وأنشرني وقد كرب يبلى رسمي، ورغبني في قصد مصر عند توجه مولانا الملك الناصر من دمشق إليها عائداً وحقق عندي أنه يكون لي مساعفاً مساعداً، فسرت في أول شهر ربيع الأول من دمشق في الخدمة الناصرية، ووصلت آخر الشهر إلى القاهرة الصلاحية، فقابل وفادتي بوافر رفادته، وموافاتي بوافي إفادته، ونوه بذكرى، ونبه على قدري، ونظم أمري، واغتنم شكري، وخفف ثقلي، ورادف نهلي وعلي. وحين ملكت مادة بره، سلكت جادة شكره، وصار حمدي الحر له مسترقاً، ونفسي المستعبدة لآمالها بنجح آماله قد صادفت عتقاً.
ومما نظمته في طريق مصر قصيدةٌ ذكرت فيها المنازل على ترتيبها، والشوق إلى دمشق وطيبها، ووصلتها بمدح الملك الناصر، وتلوى المولى الفاضل نعش جدها العاثر، وترويج حظها الكاسد، وسعرها القاصر، أولها
هجرتكمُ لا عن مَلاَلِ ولا غَدرِولكن لمقدورٍ أُتيحَ من الأَمْر
وما كنتُ أَدري أَن يُتَاحَ فراقكمْومن يعلمُ الأَمرَ المقدَّرَ أو يدري
وأَعلمُ أَني مخطىءٌ في فراقكموعذريَ في ذنبي وذنبيَ في عذرِي
أَرى نُوَباً للدهر تُخْصَى وما أَرىأَشدَّ من الهجران في نُوَبِ الدهر
بعيني إلى لُقْيَا سواكمْ غَشاوَةٌوسمعي إلى نجوى سواكمْ لَذُو وَقْر
وقلبي وصدري فارقاني لِبُعْدكمْفلا صدرَ في قلبي ولا قلبَ في صدري
وإِني على العهدِ الذي تعهدونَهُوسرى لكم سرى، وجهري لكم جهرِي
تجرعتُ صِرْفَ الهمِّ من كأْسِ شوقكمْفها أَنا في صَحْوي نزيفٌ من السكر
وإنَّ زماناً ليس يَعْمُرُ موطِنيبسكناكمُ فيه فليس من العمر
وأُقْسِمُ لو لم يَقْسِم البينُ بينناجوى الهمِّ ما أمسيتُ مُنْقَسِمَ الفكر
أَسيرُ إِلى مصرٍ وقلبي أسيرُكُمْومن عَجَبٍ أَسْرِي وقلبيَ في أَسْرِ
أَخِلاَّيَِ قد شَطَّ المزارُ فأَرْسِلواالخيالَ وزوروا في الكرى وارْبحُوا أَجْري
تذكرتُ أَحبابي بجلَّقَ بعد ماترحلتُ والمشتاقُ يأْنَسُ بالذكر
أخلايَ فَقْرِي في التنائي إليكمُبحقِّ غِنَأكُمْ بالتداني ارْحَمُوا فَقْري
ومنها في وصف المنازل:
ولما قصدنا من دمشقَ غباغباًوبتنا من الشوق الممضِّ على الجمر
نزلنا بصحراءِ الفَقيع وغُودِرَتْفواقعُ من فيضِ المدامعِ في الغُدْرِ
ونهنهتُ بالفُوّارِ فَوْرَ مدامعيففاضتْ وباحتْ بالمُكَتَّم من سِرِّي
سرينا إلى الزرقاءِ منها ومن يُصِبْأُوَاماً يَسِرْ حتى يرى الوِرْدَ أَوْ يَسِرِ
أَعَادَتْكِ يا زرقاءُ حمراءَ أَدْمُعِيفقد مَزَجَتْ زُرْقَ المواردِ بالحُمْرِ
وَسُودُ هُمومي سَوَّدَتْ بيضَ أَزْمُنِيفيومي بلا نُورٍ وليلى بلا فجر
أيا ليلُ زِدْ ما شئتَ طُولاً وظُلْمةًفقد أَذْهبَتْ منك السنا ظلمةُ الهَجْرِ
تذكرتُ حَمَّامَ القُصَيْرِ وأَهْلَهُوقد جُزْتُ بالحمَّامِ في البلدِ القَفْرِ
ومنها:
وردنا من الزيتون حِسْمَى وأَيْلَةًولم نَسْتَرِحْ حتى صَدَرْنَا إلى صَدْرِ
غَشِينَا الغَوَاشِي وهي يابسةُ الثَّرَىبعيدةُ عَهْدِ القُطر بالعَهْدِ والقَطر
وَضَنَّ علين بالندى ثَمَدُ الحصىومن يرتجي رِيّاً من الثمد النَّزْرِ
فقلت اشرحي بالخِمْسِ صدراً مطيتِيبصَدْرٍ وإلا جادكِ النيلُ للعِشْر
رأينا بها عينَ المواساة أَنَّنَاإلى عين موسى نبذلُ الزادَ للسَّفْر
وما جسرتْ عيني على فيضِ عبرةٍأَكَفْكِفُهَا حتى عَبَرْنَا على الجسر
وملتُ إِلى أَرضِ السَّدِيرِ وجَنَّةٍهنالك من طلحٍ نضيدٍ ومن سِدْر
وجُبْنَا الفَلاَ حتى أَتَيْنَا مباركاًعلى بركة الجُبِّ المُبَشِّرِ بالقَصْرِ
ولما بدا الفسطاطُ بَشَّرْتُ ناقِتيبمن يَتَلَقَّى الوفدَ بالوَفْرِ والبِشْر
ولم أَنْسَ يومَ البينِ بالمَرْج نَشْرَنَامطاويَ سِرٍ في الهوى أَرِج النَّشْرِ
وقد أَقبلت نُعْمٌ وأَترابُها كماتَطَلَّعَ بَدْرُ التمِّ في الأَنجمِ الزُّهْر
وقفنا وحادينا يحثُّ وناقتِيتَزُمُّ ولاَحِينَا لِمُغْرَمِنا مُغْرِ
وكلُّ بَنَانٍ فوق سِنٍ لنَادِمٍوكلُّ يدٍ فوق التريبةِ والنحر
وبيعَ فؤادي في مناداةِ شوقهمفسُمْتُهُمُ أَنْ يأَخذوا الرُّوحَ بالسِّعْرِ
بكت أُمُّ عمرٍو من وشيكِ تَرَحُّلِيفيا خجلتا من أُمِّ عمرٍو ومن عمرو
تقولُ إلى مصرٍ تسيرُ! تعجباًوما الذي تَبْغي ومَنْ لَكَ في مصر
تُبَدِّدُ في سَهْلٍ من العيش شَمْلَنَاوتنظمُ سِلْكَ العيشِ في المَسْلَكِ الوَعْرِ
فقل أيما عُرْفٍ حَدَاكَ على النوىومن ضَلَّةٍ أَنْ تطلب العُرْفَ بالنُّكْرِ
ومن فارقَ الأَحبابَ مستبدلاً بهمسواهمْ فقد باعَ المرابحَ بالخُسْرِ
فقلتُ ملاذي الناصرُ الملكُ الذيحصلتُ بجدواه على المُلْكِ والنَّصْر
فقالت أَقِمْ لا تَعْدَمِ الخير عندنافقلت وهل تُغْنِي السواقي عن البحر
فقالتْ صلاحُ الدين قلت هو الذيبه صارَ فضلي عاليَ الحظِّ والقَدْر
ثِقِي برجوعٍ يَضْمَنُ اللهُ نُجْحَهُولا تَقْنَطِي أَن نُبْدِلَ العُسْرَ باليُسْرِ
وإِنَّ صَلاحَ الدينِ إِنْ راحَ مُعْدِمٌإِليه غَدا من فَيْضِ نَائِلهِ مُثْرِي
نَعِزُّ بأفضال العزيزِ وفَضْلِهِونَحْسِبُ نفعاً كلَّ ما مَسَّ من ضُرِّ
عطيته قد ضاعَفَتْ مُنَّةَ الرَّجَاومِنَّتُهُ قد أَضْعَفَتْ مُنَّةَ الشكر
وماذا يحد المدح منه فإنمامناقِبُهُ جَلَّتْ عن الحدِّ والحَصْرِ
ولي في الملك الناصر بعد مملكته مصر قصائد موسومة على اسمه ونعته، فمن جملة الموسومات على اسمه قصيدة نظمتها في سنة خمس وستين أنفذتها إليه بمصر، وهي هذه:
يَرُوقُنِي في المَهَا مُهَفْهَفُهَاومن قُدُودِ الحِسَانِ أَهْيَفُهَا
ومن عيونِ الظباء أَفْتَرُهَاومن خُصورِ المِلاحِ أَنْحَفُهَا
ما سَقَمِي غَيْرُ سُقْمِ أَعْيُنِهَاثُمَّ شِفائي الشفاهُ أَرشُفُهَا
يُسْكِرني قَرْقَفُ يُشَعْشِعُهَالحظُ الطَّلاَ لا الطِّلا وقرقفها
يا ضَعْفَ قلبي من أَعْيُنٍ نُجُلٍأَقْتَلُها بالقلوب أَضْعَفُهَا
ومن عِذَارٍ كأَنَّهُ حَلَقٌأَحْكَمَ في سَرْدِهِ مُضَعِّفُهَا
ومن خدودٍ حُمْرٍ مُوَرَّدَةٍأَدْوَمُهَا للحياءِ أَطْرَفُها
في سَلْبِ لُبِّي تَلَطَّفَتْ فأَتىنحوي بِخَطِّ الصِّبا مُلَطِّفُهَا
يا مُنكراً مِنْ هَوىً بُلِيتُ بهعلاقةً ما يكادُ يَعْرِفُها
دَعْ سِرَّ وجدي فما أَبوحُ بهوخلِّ حالي فلستُ أكشفها
واصرف كؤوسَ الملام عن فِئَةٍعن شرعةِ الحب لستَ تصرفها
مِنْ شَرَفِ الحب حلَّ في مُهَجٍأَقْبَلُهَا للغرام أَشْرَفُهَا
لا يستطيِبُ السلوَّ مُغْرَمُهَاولا يَلَذُّ الشفاءَ مُدْنَفُهَا
فالقلبُ في لوعةٍ أُعالِجُهَاوالعينُ في عَبْرَةٍ أُكَفكِفُهَا
كأنَّ قلبي وَحُبَّ مَالِكُهُمِصْرٌ وفيها المليكُ يُوسُفُهَا
هذا بسَلْبِ الفؤاد يظلمنيوهو بقتل الأَعداء يُنْصِفُهَا
الملكُ الناصرُ الذي أَبَداًبعزِّ سلطانه يُشَرِّفُهَا
بعدله والصَّلاحِ يَعْمُرُهَاوبالندى والجميلِ يكنفُهَا
وِإنَّ مصراً بمُلْكِ يوسفِهاجنةُ خُلْدٍ يَرُوقُ زُخْرُفُهَا
وإنَّهُ في السَّمَاح حَاتِمُهَاوإنَّهُ في الوقارِ أَحْنَفُهَا
كم آملٍ بالندى يُحَقِّقُهُومُنْيَةٍ بالنجاح يُسْعِفُهَا
وليس يُوليك وَعْدَ عَارِفَةٍإلاَّ وعندَ النجازِ يُضْعِفُهَا
حَكَّمَ في مالهِ العفاةَ فمايَنْفُذُ فيه إلا تَصَرُّفُها
وإن شَمْلَ اللُّهَا يُفَرِّقُهُلِمَكْرُمَاتٍ له يُؤَلِّفُها
ذو شرفٍ مكرماتُهُ سَرَفٌويستحقُّ الثناءَ مُسْرِفُها
وعزمةٍ بالهدى تَكَفَّلَهَاوهمةٍ للعُلَى تَكَلُّفُهَا
يوسفُ مصرَ التي مَلاحِمُهاجاءَتْ بأَوْصافهِ تُعَرِّفُهَا
كُتْبُ التواريخِ لا يُزَيِّنُهَاإلاَّ بأَوْصَافِهِ مُصَنِّفُهَا
ومن يَمِيرُ العفاةَ في سَنَةٍأَسْمَنُهَا للجدُوبِ أعْجَفُهَا
آياتُ دين الإلهِ ظاهرةٌفيكَ ويُثنِي عليكَ مُصْحَفُهَا
ومنها أصف اجتهاده وجهاده للفرنج عند نزولهم على دمياط:
كم جحفلٍ بالعراءِ ذي لَجَبٍبالصفِّ منه يضيق صَفْصَفُهَا
كالبحر طامِي العُبَابِ لاعبةٌبموجه للرياح أَعْصَفُهَا
كتيبة مُنْتَضَىً مُهَنَّدُهَاإلى الردى مُشْرَعٌ مُثَقَّفُهَا
غَادَرْتَها للنسورِ مَأْكَلَةًحيث بأشلائها تُضَيِّفُهَا
منتصفاً من رءوسِ طاعنةٍبباتراتِ الظُّبَا تُنَصِّفُهَا
وحُطْتَ دمياطَ إذ أَحاطَ بهامَنْ بِرُجُومِ البلاءِ يَقْذِفُهَا
لاقَتْ غواةُ الفرنج خَيْبَتَهَافزادَ مِنْ حسرةٍ تَأَسُّفُها
فرَّ فَرِيرِيُّهَا وأَزْعَجَهانِداءٌ دَاوِيِّهَا تَلَهُّفُهَا
يُمْطَرُ مُطْرَانُها العذابَ كمايُرْدَى بهدِّ السقوفِ أُسْقُفُها
تَكْسِرُ صُلْبَانَهَا وتَنْكِسُهالقصمِ أَصْلاَبها وتَقْصِفُهَا
أوردْتَ قُلْبَ القلوب أَرْشِيَةًمن القنا للدماءِ تَنْزِفُهَا
وَلَّيْتَهَا سَفْكَهَأ فعامِلُهَاعَامِلُهَا والسِّنَانُ مُشْرِفُهَا
تعسَّفَتْ نحوكَ الطريقَ فماأَجدى سوى هُلْكِهَا تَعَسُّفُها
وحسبها في العمى تَهَافُتُهَابل لسهامِ الرَّدَى تَهَدُّفُهَا
يُمْضي لك اللهُ في قتالهمُعزيمةً للجهادِ تُرْهِفُهَا
إِنْ أَظْلَمتْ سُدْفَةٌ أَنَرْتَ لها؛أَبْهَى ليالي البدورِ مُسْدَفُهَا
بشائرُ الدينِ في إزالتهمواعد الله ليسَ يُخْلِفُهَا
ومنها:
أدركتَ ما أَعْجَزَ الملوكَ وقدبات إلى بَعْضِهِ تَشَوُّفُهَا
جاوزتَ غاياتِ كلِّ منْقَبَةٍيعز إلاَّ عليك مَوْقِفُهَا
وإنَّ طُرْقَ العَلاَء واضحةٌآمِنُها في السلوكِ أَخْوَفُها
صلاحَ دين الهُدى لقد سَعِدَتْمملكةٌ بالصلاحِ تُتْحِفُها
عندي بشكر النُّعْمى ثِمارُ يدٍزاكيةُ الغرسِ أنت تقطفها
فاقبلْ نقوداً من الفضائلِ لايُصَابُ إلا لديكَ مَصْرَفُها
أصدافُ دُرِّي إليكَ أَحملهاوعن جميع الملوك أَصْدِفُها
إن لم تُصِخْ لي فهذه دُرَرِيلأيِّ مَلْكٍ سِواكَ أَرْصُفُها
وهل لآمالنا سوى مَلِكٍيَنْقُدُها بِرَّهُ ويُسْلِفُها
دنيا من الفضلِ قد خَلَتْ وبداللنَّقْصِ في أهله تَعَيُّفَها
وكلُّ سوقٍ للفضلِ كاسدةٍبانَ لأعدائه تَحَيُّفُها
وهل يروج الرجاءُ في نَفَرٍكُلُّهُمُ في العُلاَ مُزَيَّفُها
قد عَطَفَتْ لي فضائلي وَوَفَتْلكنْ حظوظي أَعيا تَعَطُّفُها
وفضلىَ الشمسُ في مطالعهالكنَّ جهلَ الزمانِ يَكْسِفُها
قد أَعْرَبَتْ فيك بالثنا كَلِميوحاسدي ضَلَّةً يُحرَِفُها
أَسْدَى لنا شِيرَكُوهُ عارفةًيوسفُ من بعدها سيخلفها
أَنت قَمِينٌ بكلِّ تالدةٍإنَّكَ يا ابنَ الكرامِ تُطْرِفُها
ومنها قصيدة أخرى موسومة باسمه أنفذتها إليه من دمشق إلى مصرَ في شهر صفر سنة سبع وستين، أولها:
مُتَثَنِّي العِطْفِ أهيفُهُكيفَ لا يُرْجَى تَعَطُّفُهُ
زادَ في قَتْلي تَسَرُّعُهُثم في وصلي تَوَقفُه
يا ضنى جسمي لقد خطفَالقلبَ مُضْنَى الخصرِ مُخْطَفهُ
وبنفسي من أراقَ دميمنه جَفْنٌ سُلَّ مُرْهَفُه
وبلائي من مُقَبَّلِهِوشفائي حين أَرْشُفهُ
ولقلبي مالكٌ أبداًيتلافاهُ ويُتْلفه
من لمهجورٍ يدومُ علىوصلِ من يهوى تأَسُّفُهُ
ومن البلوى تَلَهُّبُهُومن الشكوى تَلَهُّفهُه
وسقيمُ الطرف يُسْقمهونحيفُ الخصرِ يُنْحِفُه
يتناهى في تَظَلُّمِهمن حَبيبٍ ليسَ يُنْصِفُه
حَبَّذا ليلُ الشبابِ وقدطاب للسمَّارِ مُسْدَفُه
وزمانٌ بالعراقِ لنارقَّ لما راقَ زُخْرُفُه
حين يُصيبني مُقَرْطَقُهويُصَافيني مُهَفْهَفُه
ويُنَاجيني مُقَرَّطُهُويُنَاغيني مُشَنَّفُهُ
ويعاطيني المُدَامَ وقدلانَ عند الوصل معْطَفُه
كاد يُرْديني تَشَدُّدُهثم أحياني تَلَطُّفُهُ
ونجيٍ باتَ يُتْحِفنيبشكاويه وأُتحِفُه
قال إنَّ الدهرَ ليس علىوفقِ ما نهوى تَصَرُّفُهُ
وكسادُ الفضلِ في زمنٍرائجٍ فيه مُزَيَّفُه
أَترى في الناس كلِّهِمُمن لمعروفٍ تَشَوُّفُهُ
قلتُ ما في الدهرِ غيرُ فتىًكلُّ ما قد فاتَ يُخْلِفُه
إنْ يَسُدْ في الدهرِ ذو كرمٍفصلاحُ الدين يُوسُفُه
ومنها قصيدة مدحته بها في سنة اثنتين وسبعين بمصر وأنا في خدمته، أولها:
فديتكَ من ظالمٍ مُنْصِفِوناهيكَ من باخلٍ مُسْعِفِ
بلقياكَ يُشْفَى سقامي الممضُّولكن بسفكِ دمي تَشْتَفي
وتُخْلِفُ وعدكَ لي بالوصالِحنانيكَ من واعدٍ مُخْلِفِ
وتستحسنُ الغدر طبعاً ومَنْوَفَى مِنْ ذوي الحسنِ حتى تَفِي!
أَمِثْلكَ كلُّ حبيبٍ جَفَاومِثْلِيَ كلُّ حبيبٍ جُفِي
أيا لَيِّنَ العطفِ قاسي الفؤادِبعيشك بالله لِنْ واعْطِفِ
فما ترك الوجدُ لي مُسْكَةًولا مُنَّةً ليَ لَمْ تَضْعُفِ
تلافَ فصدُّكَ لي مُتْلِفٌفُؤَادِي من الأَسفِ المتْلِفِ
وإن كنتَ لابدَّ لي قاتلاًبما صنعَ الوجدُ بي فاكتفِ
تناهيتَ في قَتْلَتِي عامداًفحيثُ انتهيتَ بقتلي قِفِ
ثناياكَ بُرْئِيَ في رَشْفِهاوقد طالَ سُقْمي ولم أَرْشُفِ
أأنجو ومن قدِّك السمهريُّلِجَيْنِي وفي جَفْنِكَ المَشْرَفي
أيا مُسْرفاً في عذابي اقتصدْأُعيذكَ من شَطَطِ المُسْرِفِ
نُحُوليَ من خصركَ الناحلِ السَّقيمكعاشقِكَ المُدْنَفِ
ومن سُقْمِ لحظكَ ذاكَ المريضِشفائي وأُشْفِي أَنا لو شُفِي
على خَطْفِ قلبي يحل الشباكَعقدُ وشاحك في مُخْطَفِ
أنا المستهامُ بذاك القوامِوذاك المُوَشَّحِ والمِعْطَفِ
وذاك المقبَّلِ والمبسمِالمفدَّى المفدَّمِ والقَرْقَفِ
بخدِّكَ من وَهَجٍ شُعْلَةٌأَحاطتْ بقلبي فما تَنْطَفي
فإن تُخْفِ ألحاظُكَ القاتلاتُدمي فبخديك ما يَخْتَفي
غدا عاذلي عاذراً مُذْ رَأَىعِذاركَ كالقمرِ الأَكلَفِ
وقال أَرَى خَدَّه مُرْهَفاًولا عيبَ في خَصْرِه المُرْهَفِ
أَقاحٍ وآسٌ ووَردٌ لهااجتماعٌ على غُصُنٍ أَهْيَفِ
تَرَفَّقْ رفيقي فليتَ الذييُعَنِّفُ في الحب لم يَعْنُفِ
غرامٌ عَرَا وزمانٌ عَدَافهلْ ظالمٌ منهما مُنْصِفي
زمانٌ خلا من جميلٍ فليسَلغير ذوي نَقْصِهِ يَصْطَفي
جَنَى ظُلْمَةَ الفضلِ حظي المنيرُولولا سنا الشمس لم تُكْسَف
ويا ليت دهري إذا لم يكنبسُؤْليَ يُسْعِفُ لم يَعْسُفِ
أَيبلغُ دهريَ قصدي وقدقصدت بِمصرَ ذُرَى يُوسُفِ
وهي قصيدة طويلة تبلغ مائة بيت، والموسومات بنعته كثيرة، فمنها قصيدة أولها:
لو أَن عُذْرِيَ لكَ يا لاحِ لاحْما كنتُ عن سكريَ يا صاحِ صاحْ
ومنها قصيدة في التهنئة، بكسر عسكر حلب والموصل، بتل السلطان يوم الخميس عاشر شوال سنة إحدى وسبعين، أولها:
يومٌ أَهبَّ صَبَا الهِبَاتِ صَبَاحُهُوروى حديثَ النصر عنكَ رَواحُهُ
فالسَّعْدُ مُشْرِقَةٌ لنا آفاقُهُوالنصرُ باديةٌ لنا أَوْضَاحُه
أَوفى على عُودِ الثناءِ خطيبَهُوشَدَا على غُصْنِ المُنَى صَدَّاحُه
فالشامُ مُبْتَلُّ الثَّرَى ميمونُهُوالعامُ مُنْهَلُّ الحَيَا سَحَّاحُه
والمحلُ زالَ كبارقٍ مُتَهَلِّللمَّ الشعوبَ بوَمْضِهِ لَمَّاحُه
فالحمدُ لله الذي إِفْضَالهُحُلْوُ الجَنا عَالِي السَّنَا وَضّاحُه
عاد العدوُّ بِظُلْمَةٍ من ظُلْمِهِفي ليلِ ويلٍ قد خَبَا مِصْبَاحُه
رَكَدَتْ قَبولُ قُبولِهِ مِن بَعْدِ أَنْهَبَّتْ غُروراً بالرياءِ رِيَاحُه
ومنها:
أَوفى يريدُ له بجرِّ جُنودِهِربْحاً فجرَّتْ خَسْرَةً أَرْبَاحُه
حملَ السلاحَ إلى القتالِ وما درىأنَّ الذي يَجْني عليه سِلاحُه
وَلَّى بكسرٍ لا يُرَجَّى جَبْرُهوبِقَرْحِ قَلْبٍ لا تُبِلُّ جِرَاحُه
ونجا إلى حلبٍ ومِن حَلَبِ الردىدَرٌّ وفيه نجاتُهُ وفَلاَحُهُ
ومنها:
إن أَفْسَدَ العصاةُ بِحِنْثِهِمْفالناصرُ المَلِكُ الصلاحُ صَلاَحُه
ومنها:
فَرِحَ العدوُّ بجمعه وَلَقيتَهُفتحوَّلَتْ أَحزانَهُ أفراحُه
صَحَّتْ على ضربِ الكَماةِ كُسُورُهُوَتَكَسَّرَتْ عند الطِّعَانِ صِحَاحُه
وافى بسَرْحٍ للنِّقَادِ فكانَ فيلُقيا الأُسودِ الضارياتِ سَرَاحهُ
مَجْرٌ كبحرٍ دَارِعُو فرسانِهِحيتاتُهُ وزعيمُهُمْ تِمسَاحُه
شَحْنَاؤُهُ شَحَنَتْ جواريَ فُلْكِهِجَوْراً ومالَ بِهُلْكِهِ مَلاَّحُه
عَدِمُوا الفلاحَ من الرجالِ فجاءَهممن كلِّ صوبٍ مُكْرَهاً فَلاَّحُه
فهمُ لحرثٍ لا لحربٍ حِزْبُهُمْأَيُثيِرُ قُرْحاً من يُثَار قَرَاحُهُ
قد فاظَ لما فاضَ جيشُكَ جأْشُهُغيظاً وغاضَ لبحركمْ ضَحْضَاحُه
كم سابِقٍ بِِرَادَه يُرْدَى سابحٍفي بَحْرِ هُلْكٍ ما نجا سَبَّاحُه
ومنها:
كم عَيْنِ عَيْنٍ غَوَّرَتْ غُوَّارُهُوقليبِ قَلْبٍ عَوَّرَتْ مُتَّاحُه
إن آذنَتْ بالنتن ريحُ قتيلهمفالنصرُ نفَّاحُ الشَّذَا فَوَّاحُه
كم مارقٍ من مأزقٍ دَمُهُ علىمَسْحِ الحسام مُرَاقُهُ مسَّاحُه
يُصْبيكَ نَهْدٌ إن سباتهُ نَاهِدٌولديك جِدٌّ إن أباهُ مزَاحُه
ولك الكعوبُ مُقَوَّمَاتٌ للردىوله الغَداةَ كَعَابُهُ ورَدَاحُه
راحُ النجيعِ بها صحافُ صِفَاحِكُمْمَلأَى وتَمْلأُ كلَّ كاس رَاحُه
وتجولُ في صَهَواتِهَا فُرْسانُكُمْوتدورُ في خَلَواتِهِ أَقدَاحُهُ
ويروقُهُ الخمرُ الحرامُ وعندَكُمْمما يُرَاقُ من الدِّماءِ مُبَاحُهُ
ضَرْبُ الطُّلَى بالمشرفيِّ طِلاَبُكُمْوبراحِ مَنْ شَربَ الطِّلا طُلاَّحُه
محمرُّ خدِّ صقيِلةٍ تُفَّاحُكمْوأسيلُ خدِّ عقيلةٍ تُفَّاحُهُ
ومنها:
للهِ جَيشٌ بالمُرُوجِ عَرَضْتَهُأُسْدُ العرين رجالهُ ورماحُه
ومن الحديدِ سوابغاً أَبْدانُهُومن المضاءِ عزائماً أَرْوَاحُه
وله فوارسُ بالنفوس سَمَاحُهَاأَتُعَادُ بالعِرْضِ المصونِ شحَاحُهُ
روضٌ من الصُّفْرِ البنودُ وحُمْرِهاوالبيضِ، يُزْهَى ورْدُهُ وَأَقَاحُهُ
من كل ماضي الحدِّ طَلَّقَ غِمْدَهُفَتْكاً لأغمادِ الرقابِ نِكَاحُهُ
قد كان عزمُكَ للإلهِ مُصَمِّمافيهمْ فلاحَ كما رأيتَ فَلاَحُه
ومنها:
وكأَنني بالساحل الأقصى وقدساحَتْ ببحرِ دمِ الفرنجةِ ساحُهُ
فاعْبُرْ إِلى القوم الفراتَ ليشربواالموتَ الأُجَاجَ فقد طَمَا طَفَّاحُهُ
لِتَفُكَّ من أيديهمُ رَهْنَ الرُّهَاعَجلاً ويدركَ لَيْلَها إِصْبَاحُهُ
وابغوا الحرَّانَ الخلاصَ فكم بهاحرَّانُ قلبٍ نحوكم مُلْتَاحُهُ
نَجُّوا البلادَ من البلاءِ بِعْدَلكمفالظلمُ بادٍ في الجميع صُرَاحُهُ
وَاسْتَفْتِحُوا ما كانَ من مُسْتَغْلِقٍفيها فربُّكمُ لكمْ فَتَّاحُهُ
قُولوا لأَهلِ الدينِ قَرُّوا أَعينافلقَدْ أَقَام عَمُودَهُ سَفَّاحُهُ
بشرايَ فالإسلامُ من سلطانِهِجَذِلُ الفؤادِ بنصره مُرْتَاحُهُ
مَلِكٌ لِيُمْنِ المعتفينَ يمينُهُولراحةِ الرَّاجينَ تُبْسَطُ رَاحُهُ
لما اجتداهُ من الرَّجَاءِ رجالُهُأَوْفَى على قَطْرِ السَّمَاءِ سَمَاحُهُ
فاقصدْ بِبَرْح الفقرِ رَحْبَ جَنَابِهِفبِراحِهِ يومَ النَّوالِ بَرَاحُهُ
مَلِكٌ تَمَلَّكَ جَدُّهُ من جِدِّهِفالمجدُ مَجْدٌ والمَراحُ مِرَاحُهُ
ملكٌ يُحبُّ الصفحَ عن أَعدائِهِفلذاك تَصْفَحُ عن عِداهُ صِفَاحُهُ
ومنها:
لك بيتُ مجدٍ ليس يُدْرَكُ حَدُّهُيعيا بذرع عُرُوضِهِ مَسَّاحُهُ
المُلْكُ غابٌ أَنتمُ أَشْبَالُهُوالدين رُوحٌ أَنتمُ أَشْباحُهُ
ما شَرْحُ صَدْرِ الشَّرْع إِلاَّ مِنْكُمُولذاكَ مِنْكُمْ للهدى إِيضَاحُهُ
فخراً بني أَيوبَ إِنَّ مَحلَّكُمْضاقَتْ على كلِّ الملوك فِسَاحُهُ
لولا اتساعُ جَنَابكم لعَدَدْتُهخَصْراً، وفودُ المُعْتَفِينَ وِشَاحُهُ
أنتمْ ملوكُ زمانِنا وسَرَاتُهُوكِرامُهُ وعِظَامُهُ وفِصَاحُهُ
عظماؤُهُ كبراؤهُ فضلاؤُهورِزَانُهُ ورِصَانُه وصِبَاحُهُ
أقمارُهُ وشموسُهُ ونجومُهوبحارُه وجبالُه وبطاحُه
أنتمْ رجالُ الدهرِ بل فرسانُهولذي الحلومِ الطائشاتِ رِجاحُه
فُتَّاكُهُ نُسَّاكُهُ ضُرَّارُهُنُفَّاعُهُ مُنَّاعُهُ مُنَّاحُهُ
وأبو المظفرِ يوسفٌ مِطْعَامُهُمِطعانهُ مِقْدَامُه جَحْجَاحُه
وإذا انتدى في مَحْفَلٍ فَحَيِيُّهُوإذا غدا في جَحْفلٍ فَوَقَاحُه
أَسْجَحْتَ حين ملكتَ عفواً عنهمُإنَّ الكريمَ مُؤَمَّلٌ إسْجَاحُه
ومنها قصيدة أخرى أنفذتها إليه من دمشق إلى مصر قبل مملكة الشام، أولها:
سكرانُ باللحظِ صاحِنشوانُ من غيرِ راحِ
بوجنةِ الورد يَفترُّعن ثنايا الأَقَاحِ
وقامةِ الغصنِ يهتزفي مَرَاحِ المِرَاح
وعارضِ المسك مثل المساءِفوق الصباح
نمَّ العذارُ عليهِفتَمَّ فيه افتضاحي
وردُ الحياء جَنِيٌّفي ذلك التفاح
والريقُ كالراحِ شُجَّتْبعذبِ ماءٍ قَرَاح
من كأسِ فيه اغتباقيمُنَعَّماً واصطباحي
وفي الأمورِ اختتاميعلى اسمه وافتتاحي
أَهوى طلوعَ صَباحيعلى وُجُوهِ صِبَاح
ولثمَ أَحورَ أَحْوَىوضمَّ رُودٍ رَدَاح
ورِيَّ قلبي الصدى منعناقِ ظامي الوشاح
وفتنتي من عيونٍحورٍ مِرَاضٍ صحاح
يا صاحِ إني نزيفٌسُكْراً وإنك صاحِ
وبرحُ وجدي مقيمٌفما لَهُ من بَرَاح
دَعني فما أنتَ يوماًمؤاخذٌ بجُنَاح
وما أطعتُ غَراميحتى عصيتُ اللَّوَاحي
وَفَى الحبيب وَتَمَّتْبوصلهِ أفراحي
وزادَ قِدْحي ودارتبمُنْيَتِي أَقْدَاحي
أُعطى الكؤوسَ مِلاءًعلى أَكُفِّ الملاح
ورضتُ بالصبر دهريوكان صعبَ الجماح
قد استقرّت أُموريفيه بحَسْبِ اقتراحي
كما استقرَّ صلاحُ الدنيابملْكِ الصَّلاَح
تنيرُ شمسُ مساعيهمن سماءِ الصَّبَاح
وأمرهُ مستفادٌمن الفَضَاء المُتَاح
ذو المفخَرِ المُتَعاليوالنائلِ المُسْتَمَاح
وللحقيقةِ حامٍوللدنية ماحِ
غيثُ السماحة طَوْدُالْوقار لَيْثُ الكفاح
صدرٌ بجدواه صَدْريمُذْ لم يزل في انشراح
من قَدْحِ زندِ الأمانيبه وَقُودُ القداح
أَمَّلْتُهُ لِمُلِمِّيفلاحَ وجهُ فَلاَحي
آمالُنا بلُهَاهُ الأَجْسَامُ بالأرْوَاح
نَدَى كريمٍ حييٍوبأسُ ذِمْرٍ وَقَاح
يَفْديكَ أَهلُ اجتراءٍعلى رُكُوبِ اجْتِرَاح
بالمالِ غيرُ كرامٍبالعِرْضِ غيُ شِحَاحِ
رأيتَ صونَ المعاليفي بذلِ مالٍ مباح
إن طالَ ليلُ مُلِمٍوافيتَ بالإِصْبَاح
ومنها:
مُلِّيتَ يوسفُ مِصْراًجِدّاً بغير مزاح
مُلكاً بغيرِ انتزاعٍعزّاً بغير انتزاح
يا من أياديه تُبْديبالحَصْر عِيَّ الفِصَاحِ
ومَنْ مُرَجَّى نَداهُمُبَشِّرٌ بالنجاحِ
عدوه في اتِّضَاعٍومَجْدُه في اتِّضَاح
ومنها:
صريحُ مدحي لعَلْيَاكَ عن وَلاَءٍ صُرَاح
بقَيْدِ شُكْري عطاياكَ مُطْلَقَاتُ السَّرَاحِ
ولي فيه قصيدة طائية عند وصوله إلى الشام واتصالي بخدمته أَحببت إثباتها في الخريدة، وإيداعها في الجريدة، لأجل ذكر أخواتها من نظم شعراء العصر في الأقاليم، وهي هذه:
عَفَا الله عنكم مالكم أيها الرهطُقسطتمْ ومن قلب المحبِّ لكم قِسْطُ
شَرَطْتُمْ له حفظَ الوداد وخُنْتُمُحنانيكمُ ما هكذا الوُدُّ والشَّرْطُ
جعلتمْ فؤادَ المستهامِ بكم لكُمْمَحَطّاً فعنه ثِقْلَ هَمِّكُمُ حُطُّوا
إذا كنتمُ في القلبِ والدارُ قد نَأَتْفسيَّانِ مِنْ أحبابه القربُ والشَّحْطُ
ثوى هَمُّهُ لما ثَوَى الوجدُ عندهمقيماً وشطَّ الصبرُ في جيرةٍ شَطُّوا
وأَرَّقَهُ طيفٌ طَوَى نحوه الدُّجَىوقد كاد جيبُ الليل بالصبح يَنْعَطُّ
تشاغلتمُ عنه وثوقاً بودهكأَنَّ رضاكم عن محبكمُ سُخْط
جزعت غداةَ الجِزْع لما رحلتمُوأَسْقطني من بينكمْ ذلك السِّقْطُ
ملكتمْ فأنكرتمْ قديمَ مودَّتيكأَنْ لم يكن في البين معرفةٌ قَطُّ
فَدَتْ مهجتي مَنْ لا يُذَمُّ لمهجتيإِذا حاكَمَتْهُ وهو في الحُكْمِ مُشَتَطُّ
يريكَ ابتساماً عن شتيتِ مُقَبَّلٍكأَنَّ نظيمَ الدرِّ أَلَّفَهُ السِّمْطُ
وما كنت أَدري قبل سطوةِ طرفهبأَنَّ ضعيفاً فاتراً مِثْلَهُ يَسْطو
وهبْ أن بالقُرْطَيْنِ منه مُعَلَّقٌلذنبِ الهوى قلبي فَلِمْ عُلِّقَ القُرْط
وأَهيفَ للإشفاقِ من ضعفِ خصرهمحلُّ نطاقٍ للقلوبِ به رَبْط
على قُرْبِه في الحالتين مُحَسَّدٌمن الثَّغْرِ والشَّعْرِ الأراكةُ والمشْط
بوجنتهِ نورُ المُدامةِ مُشْرِقٌومقلته نَشْوَى وفي فيه إسْفِنْطُ
تزينُ عِذارَيْهِ كتابةُ حُسْنِهِومِنْ خَالِهِ في وجنتيه لها نَقْط
فؤادكَ خالٍ يا خليلي فلا تَلُمْفؤاداً سباه الخالُ والخدُّ والخَطُّ
يلازمُ قلبي في الهوى القبضُ مثلمايلازم كفَّ الناصرِ الملكِ البسطُ
مليكٌ حوى الملكَ العقيمَ بضبطهكريمٌ وما للمالِ في يده ضَبْطُ
ومولىً سريرُ الملكِ حفَّ بشخصهكما حفَّ بالإنسان من ناظرٍ وَسْط
مليكٌ لنجم النجح من أُفْقِ عِزِّهِسَناً ولطيرِ السَّعْدِ في وكره قَمْط
إذا لُثِمَتْ أَيدي الملوك فعندهمدى الدهرِ إجلالاً له تُلْثَمُ البُسْط
لنوم الرعايا وادعين سهادُهُإذا وَادِعُوا الأَملاك في نومهم غَطُّوا
أكفُّ ملوكِ العصر لا وَكْفَ عندهاوكفُّ المليك الناصرِ البحرُ لا الوقْطُ
عطايا نقودٌ لا نَسَايَا فكلُّهَاتُعَجَّلُ لا وعدٌ هناك ولا قَسْطُ
أَغرُّ لكفِّ الكفرِ كفٌّ ببأْسِهِكما لفقارِ الفَقْر من جُوده وَهْط
أَياديه غرٌّ وهي غيرَ مُغِبَّةٍوإحسانه غَمْرٌ وليس له غَمْطُ
يحبُّ ضجيجَ الشاكرين إذا دَعَوْاويهوى سؤَال المعتفين إذا أَطُّوا
ويَعْبَقُ عَرْفُ العُرْفِ والقِسْطِ عندهونَدُّ النَّدَى لا البانُ والرَّنْدُ والقُسْطُ
إلى طَوْلِهِ المعروف طُولُ يدِ الرجاوفي بحر جدواه لأمالنا غَطُّ
صنائِعُهُ رُبْطُ الكرامِ وإنهالوفد أَياديه المصانعُ والرُّبْط
يَمُرُّ ويحلو حالةَ السخط والرضافنعمته دأْبٌ ونقمته فَرْط
من القوم تلقاهم عن النكر إن دُعُوابطاءً وإن يُدْعَوْا إلى العُرْفِ لا يُبْطوا
همُ رَضَعُوا دَرَّ الحجى في مُهودِهِمْأَمَاجدُ وانضمتْ على السؤددِ القُمْطُ
يصيبونَ فيما يقصدون فكم رَمَوْابسهم الثراءِ المملقين فلم يُخْطوا
متى يَقْدِروا ويَعْفوا وإن يَعِدُوا يَفُواوإن يَبْذُلُوا يُغْنُوا وإن يَسْأَلُوا يُعْطُوا
يصيبُ الذي يصبو إلى قصدِ بابهموفي غيرِ هذا القصدِ يُخْطِي الذي يَخْطُو
وما أَسْعَدَ المَلْكَ الذي نَحْوَ بابهمطايا بأبناءِ الرجاءِ غدت تَمْطو
وما روضةٌ غناءُ حُسْناً كأَنَّمالوارِفِها من نَسْجِ نُوَّارِها مِرْطُ
إِذا قادني للنرجس النضرِ ناظرٌتلاه عذارٌ للبنفسج مُخْتَطٌّ
وللوردِ خدٌّ للحياءِ مُوَرَّدٌولِلبانِ قَدٌّ جيدُهُ أبداً يَعْطو
تلوحُ به الأشجارُ صَفَّاً كأَنَّهاسطورُ كتابٍ والغديرُ لها كَشْط
تُغَنِّي على أَعوادها الوُرْقُ مِثْلَمَايرتِّل للتوراةِ ألحانَها سِبْطُ
كأَنَّ سقيطَ الطلِّ عبرةُ مُغْرَمٍوبارِقَهُ من نارِ لوعته سِقْطُ
ترى لِمُحَيَّا الشمسِ من هامرِ الحيالثامَ حياءٍ دونه ليسَ يَنْحَطُّ
بأزكى وأذكى منك حُسْناً وإِنمابحسناكَ لا بالروضِ للعائذِ الغَبْط
لك الصدرُ والباعُ الرحيبان في العلاوذاك المحيا الطلْقُ والأنملُ السُّبْطُ
لراجيكمُ ماءُ البشاشةِ والنَّدَىجميعاً وحظُّ الحاسد النارُ والنَّفْط
عَنَا لَكَ طوعاً نيلُ مصرٍ ودجلةُالعراق ودان العُرْبُ والعُجْمُ والقِبْطُ
وللنيل شطٌّ ينتهي سيبُهُ بهونَيْلُكَ للراجينَ نِيلٌ ولا شَطُّ
وعفوكَ وَرْدٌ والجناةُ جُناتُهُوبِيضُكَ شوكٌ في العداةِ لها خَرْط
فِداؤَك ممتدُّ المِطالِ مُحَجَّبٌوحاجِبُهُ للكبرِ والعُجْبِ مُمْتَطُّ
فداؤُكَ قومٌ في النديِّ وفي النَّدَىوجوهُهُمُ سُهْمٌ وأَسْهُمُهُمْ مُرْطُ
لتبكِ دماً عين العدو فقد جرىعلى الأَرضِ من أَوْداجهِ دَمُهُ العَبْط
ومنها:
منعتَ حمى الإسلام للنصر معطياًغداةَ عوت من دونه الأَذْؤُبُ المُعْطُ
وصُلْتَ وكم فرَّجْتَ عَنَّا مُلِمَّةًبسهم الرزايا في الكرامِ لها لَهْطُ
بَعَوْدِكَ عادَ الحقُّ واتَّضَحَ الهدىوهبَّ نسيمُ النصر وانفرجَ الضَّغْطُ
وأنتَ أَجَرْتَ الشامَ من شُؤْمِ جارهولم يكفِ رهطُ الكفرِ حتى بغى رهطُ
أَجَرْتَ وقد جارُوا ودِنْتَ وقد عَدَواوصُلْتَ وقد خَارُوا ولِنْت وقد لَطُّوا
فلا يعبإِ المولى بمن مِلْءُ جَأْشِهِهَوىً وبقومٍ حَشْوُ جيشهِمُ زُطُّ
كثيرٌ تَعَدِّيهِمْ قليلٌ غَنَاؤُهُمْوهمْ لا أَصابوا رشدهم هملٌ رَهْطُ
عَدَلْتَ فلا ظلمٌ وطُلْتَ فلا مَدىًوقُلْتَ فلا مَيْنٌ وجُدْتَ فلا قَحْطُ
فميِّزْ مكانَ المخلصين فإِنَّما الأَعادي أُنَأسٌ في رءوسهمُ خَلْط
وَقَرِّبْ وَلِيّاً صحَّ فيك ضميرُهُولا يأمنِ التمساحَ مَنْ دَأْبُهُ السَّرْطُ
نَبَا بِي مقامُ الجاهلينَ فعِفْتُهُوقد نَضْنَضَتْ للنهش حَيَّاتُهُ الرُّقْطُ
همُ مَنعُوا رِفْدَيْ قبولٍ ونائلٍوذا وَشَلٌ بَرْضٌ وذا أُكُلٌ خَمْطُ
وكم مُطْمعٍ في خيره بِشْرُ وجههومشتملٍ منه على شَرِّهِ الإِبْط
لأَبدى بلا عذر حظوظَ فضائلينفارُ العَذَارى من عِذارٍ به وَخْط
وجئتكَ أَلقى العزَّ عندك مُلْقياًقلائدَ للأسماع من دُرِّهَا لَقْط
أَعِرْني جميلاً واصْطَنِعْنيَ واصْفُ لِيجميلَكَ حتى يشمتَ الحاسدُ المِلْط
أعِنِّي فعينُ الفضلٍ عانٍ مُقَيَّدٌبعُقْلةِ حرمانٍ نَدَاك لها نَشْط
وأَوْعِزْ بتشريفي ورسمي فإنَّهُلحمدي جزاءٌ قد تَقَدَّمَهُ الشَّرْط
إِلامَ زماني لا يزال مُسَلِّطاًعلى نابهٍ من أَهْله نَابُهُ السَّلْط
سَعَتْ نحوكم مِنِّي مَطَايَا مطالبٍلأَنْسُعِهَا في النجح عندكم مَغْط
فدُمْ ظافراً أَبا المظفر بالعِدَىحليفَ قبولٍ لا يكون لها حَبْط
بقيتَ ولا زالتْ عداكَ مُفِيدَةًسعوداً ولا تُحْسِنْ صعوداً ولاهبط
ولو كنتَ جاراً للمعريِّ لم يَقُلْلمن جيرةٌ سيموا النوالَ فلم يُنْطُوا
ومدائحه كثيرة، ومنائحه غزيرة، وليس شرط هذا الكتاب، بسط هذا الباب؛ فاقتصرت على ما أوردته، وحصرت ما أفردته؛ فإن مللته أو استطلته، فاستمل ما استطبته، واستحل ما أحببته؛ واستحل سناه، وتخل عما سواه؛ فلعل غيرك يستمرىء ما تستمره، ويعرف بفهمه الثاقب وفكره الصائب ما تنكره؛ فقف حيث ينتهي إليه فكرك، وطف حول ما يشتمل عليه زكنك، نبه ذكرك ووجه قدرك.
وأنا الآن موفٍ حق هذا القسم الرابع، بذكر ما أثبته من البدائع، ومورد كل ما يهتز له عطف السامع، ويتنزه فيه طرف الراتع، فانظم من درٍ ماشيت ولا تلم ببحره إن خشيت؛ فإن در البحر يجلبه من يلازم الغوص، ودر الفكر يحلبه من يداوم الفحص.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع