من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
جبرائيل بن ناصر بن المثنى السلمي
لقيت بدمشق معلماً على باب جيرون، نافق السوق كثير الزبون، ثم عاد إلى مصر عند المملكة الصلاحية بها، ودارت رحى رجائه بالنجح على قطبها، وقصد اليمن عند افتتاح الملك المعظم شمس الدولة توران شاه لها، وكان وعده بألف دينار فقبضها منه وحصلها، ولم يزل بمصر مستقيم الحال، مثمر المال، آلفا صعود جده بالصعيد، عارفاً سعود حظه بالمزيد، إلى أن نسب إليه وإلى قوص أنه واطأ الخارجي بها في آخر سنة اثنتين وسبعين، فطلبه وصلبه، بعد ما سلبه، وذلك في المحرم سنة ثلاث وسبعين بقوص. ووقعت إلي من شعره قصيدةٌ بخطه نظمها في سيف الدين أخي صلاح الدين عند خروج الكنز بأسوان وقتله والفتك بالسودان، من جملتها:
ومن ذا يطيقُ التركَ في الحربِ إِنَّهُمْبَنُوها، وكلُّ الناسِ زورٌ وباطلُ
حُمَاةٌ كُمَاةٌ كالضراغمِ، خَيْلُهُمْمَعاقِلُهُمْ، والخيلُ نِعْمَ المعاقلُ
منها في صفة الجيش:
بجيشٍ يضيعُ الليلُ فيه إذا سَرَىوتُخْفي نجومَ الجوِّ منه القساطلُ
إِذا ما خَبَتْ فيه المشاعلُ عاضَهامن ايدي الجيادِ المُنْعَلاتِ مشاعل
وتَطَّرِدُ الراياتُ فيه كأنّهاأَفاعٍ إلى أوكارهنَّ جوافل
فما لاحَ ضوءُ الصبحِ حتى تحكَّمَتْلهم في أعاديهمْ قناً ومناصل
كأنّ مُثارَ النقعِ وَبِيضهُمْبُرُوقٌ تَلاَلاَ فيه، والدم وابلُ
ومنها:
لكمْ يا بني أيُّبَ في البأسِ والندىمذاهبُ، تُعْيِي غيرَكم، ومداخلُ
أَلَنْتُمْ لنا الأيامَ من بَعْدِ قَسْوَةٍوحَلَّيْتُمُها، وهْي قَبْلُ عواطلُ
وقلَّدْتمونا البيضَ تُثْقِلُ بالحُلَىعواتِقَنا أغمادُها والحمائلُ
ضَرَبْنا بها أعداءَكُم فجيادُنالها من دماءِ المارقينَ خلاخل
وله من أخرى فيه نقلتها من خطه:
أمَا ملَّ مِنْ عَذَلي عاذليفيطرحَ حَبْلي على كاهِلي
لقد أَطْمَعَ النفسَ في سلوَةٍيُخَيِّبُها طَمَعُ العاقل
ومن غير هذا الهوَى إنَّنيلأَعْشَقُ، من عِشْقِه، قاتِلي
أُحِبُّ فأقتلُ نفسي فلاأَفوزُ من الحُبِّ بالطائلِ
ولي كلَّ يومٍ وقوفٌ علىحمىً وسلامٌ على راحل
متى يسأم القلبُ من هجركمفيصغي إلى عَذَلِ العاذلِ
ويبطلُ سِحْرُ الجفونِ التيبها يَعملُ السحرُ في بابل
ويخلو فؤادُ امرىءٍ لم يَزَلْمن الوجدِ في شُغُلٍ شاغل
متى ما وَجَدْتُ لكمْ وَحْشَةًتَعَلَّلْتُ بالشَّبَحِ الماثل
ومنها:
صِلُوا واعْطِفوا وارحَمُوا واحْسِنواوجُودوا فلا خيرَ في باخِلِ
فلستُ بتاركِ حقِّ الهوَىولو أنَّني منه في باطل
ولكن إذا مَضَّنى جَوْرُكمشكوتُ إلى الملك العادل
مليكٌ مَشَى الناسُ في عَصْرِهمن العَدْلِ في مَنْهَجٍ سابلِ
ومنها:
أَقامَ الجهاد على سُوقهِوحربٍ كحرْبِ بني وائلِ
ففي كلِّ يومٍ له جَحْفَلٌيُغِيرُ على الشِّرْك بالساحل
ومنها:
فديناك يا مَنْ سَنَا وَجْهِهِيفوقُ سَنَا القمرِ الكامِلِ
وإنك أنفَعُ في عَصْرِنامن الغَيْثِ في البَلَدِ الماحل
أَنَلْتَ الرعيةَ ما فاتَهامن الشركِ في عَصْرِنا الزائل
فأَضحَتْ من العدلِ في عامرٍوأَمْسَت من الأَمْنِ في شامِل
وأنشدت له في غلامٍ نحويٍ في دمشق:
زاد بي شوقي فَبُحْتُوجرى دَمعي فَنُحْتُ
أَيها العاذل هل يَثْنيلسانَ العَذْل صَمْتُ
إِنَّ نَعْتَ البدرِ والشمسِلِمَنْ أَهْوَاهُ نَعْتُ
قَمَرٌ في حَلْقَةِ النحوِله مَرْعىً وَنَبْتُ
كلَّما أَقْبلَ يختالُ إلى الحلقة قُلْتُ:
ليتنا ظَرْفَا مكانٍأَنا فوقٌ وهْو تَحْتُ
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع