من «خريدة القصر: أقسام أخرى» للعماد الأصفهاني (ت ٥٩٧هـ)
ولده أبو عبد الله محمد بن عيسى الفقيه
ذكر أنه كاتب شاعر، بارع ماهر، مهندس منجم، لغارب الفصاحة متسنّم، في ملتقى أولي العلم كميٌ معلم، وقد أورد من شعره ما يهزّ أعطاف القلوب مراحا، ويدير على الأسماع من الرحيق المختوم راحا، وله من قصيدة:
أفشى هواه بأدمُعِ الأجفانوأبتْ عليه مطالبُ الكتمان
رام التّجمُّل للوشاة فلم يُطِقْفعصى النّصيحَ ولجّ في العصيان
عنّتْ له فأرَتْهُ بدراً طالعاًمن فوق غُصنٍ بان في كثبان
هيفاءُ يحسد جيدَها ريمُ الفلاظلماً ويغبِطُ وجهَها القمران
ومنها:
سلبَتْ نُهاه وأورطَتْهُ تعمُّدافي فِتنة من لحظِها الفتّان
إنّي ابتُليتُ بحبها وأجبْتُهلمّا بَدا لي شخصُه ودعاني
فلُهيتُ من ولَهي العظيم عن النُهىوسلوتُ من شغفي عن السلوان
قولي لهما ما تأمرين لمدنفكلِفٍ بحبّك هائم حرّان
سنة له لم يدر ما سِنة الكَرىملقى أسنّة طرفك الوسنان
أبليت طوعاً في المحبة جِدّتيورضيت قسراً في الهوى بهوان
وصرفت نحو هوى الملاح بصيرتيوسرحت في بيدائهنّ عِناني
حتى تبيّن لي الصوابُ وأننيأفنيت في طلب الضّلال زماني
فتركت لهوي واطّرحت مجانتيوجفوت من نبَذَ الهوى وجفاني
وله من قصيدة:
كتمتُ الذي بي فانتفعت بكتمانيوأعلنتُ حالي فاتُّهمت بإعلاني
وما خلت أنّ الأمر يفضي الى الذيرأيت ولكن كل شيء يُرى وانِي
وله:
لا تعذلوه فإنه مفتونُسلبت نهاه مَها القصورِ العينُ
برزت فتاة منهمُ في خدّهاوردٌ وفي وجناتها نسرينُ
في طرفها سقم وفي ألحاظهاغنَجٌ وفي تلك المعاطف لينُ
عنّت له وتبخترت في مشيهافأرت غصونَ البان كيف تلين
وترجرجت أردافها فرأى بهاكيف انتقى كثبانها يَبرينُ
ولو أنها سفرتْ فأبدت وجهَهالأرت ضياءَ الصُبح كيف يَبين
أنَسيتِ ليلتنا وقد خلص الهوىمنا وحبلُ الوصلِ وهو متين
بتنا على فرش العفاف وبينانجوى ترقّ لها الصفا وتلين
والليل كالزّنجيّ شدّ وثاقهوالنجم مطّلع عليه أمين
ومنها في المدح:
هذا الذي جدواه سبعة أبحرتجري ولكن ماؤهنّ معين
ذو هيبةٍ كالليث إلا أنهمتردد وله النفوس عرين
برٌ فليس الوعد منه بمخلفأبداً وليس العهد منه يخون
فوليُّه في الأكبرين معظموعدوه في الأصغرين مهين
وله الى الفعل الجميل توثّبٌوله عن القول القبيح سكون
فالظل لا متنقل والورد لامتكدر، والمنّ لا ممنون
خلق كنوار الحدائق زاهروحِجى كأعلام الجبال رصين
وحميّة تولي الأذلّةَ عزةًوتعلِّم الأيام كيف تكون
ونصيحة لله يوضح نورهاظُلَمَ الشكوك إذا دجت فتبين
وله في الغزل؛ ويغنّى به:
مولاي يا نورَ قلبيونور كلِّ القلوبِ
أما ترى ما بجسميمن رقةٍ وشحوب
وما بداخلِ قلبيمن لوعةٍ ووجيبِ
فلِم بخلتَ بوصليوليس لي من ذنوب
فإن يكن لي ذنبٌفأنت فيه حسيبي
ومحنتي فيك جلّتعن فهم كل لبيب
وما لسقمي شفاءولا له من طبيب
ولا لدائي دواءإلا وصالُ الحبيب
مولاي إن ذبتُ عشقاًفليس ذا بعجيب
برِّدْ غليل فؤاديبزورة عن قريب
ففي صميم فؤاديجهنّم في اللهيب
وله:
بمهجتي ظبي خدر زار مكتتمافردّ روحي الى جسمي وما علما
أبدى القبول مع الإقبال حين بداوقدّم البشرَ والتسليمَ إذ قدما
فقلت: مولاي صلْ من شفّه سقمفجاد لي بوصال أذهب السقما
فعاد شكّي يقيناً في زيارتهفلو ترحّل عن عيني لما عدما
وله في المعنى:
أتاني من أهوى على غير موعدفخيّل لي أن الزيارة في الحُلْمِ
تبختر في الأرداف كالغصن في النقاولاح على الأزرار كالقمر التّمِّ
خضعتُ له والذلّ من شيم الهوىفأسعد بالتقبيل والضمّ والشمِّ
وأطلعته عمداً على ما يجنّهجناني من البلوى وجسمي من السقم
فأشفق من حالي ورق لذلّتيوجاد بوصل ردّ روحي الى جسمي
ولما مضى فكّرت في كل ما انقضىفصار يقيني فيه أثبتَ من وهمي
وله:
جاد بالياسمين والورد خدٌوحبا الأقحوان والخمرَ ثغرُ
أنا والله عاشق لك حتىليس لي عنك يا منى النفس صبر
فحياتي إن تمّ لي منك وصلومماتي إن دام لي منك هجر
وله:
بأبي ظبي مليح فائقبابليّ اللحظ غصنيّ القوام
عسليّ الريق خمريّ الهوىلؤلؤي الثغر درّي الكلام
إن تثنّى ماس غصناً في نقاأو تبدّى لاح بدراً في تمام
حزتُ إذ نادمني من وجههدعوة تمّت بروض ومدام
وخشيت البين إذ ودّعنيفانثنى يومُ وداعي بالسّلام
وله من المراثي، ما يحل للقيام حبى المستمع الجاثي، فمنه قوله من قصيدة طويلة:
عزّ العزاء وجلّ البينُ والجزعُوحل بالنفس منه فوق ما تسعُ
يا عينُ جودي بدمع خالص ودمٍفما عليك لهذا الرزءِ ممتنع
فالجسمُ ينحلُ والأنفاسُ خافتةوالقلب يخفق والأحشاء تنصدع
كوني على الحزن لي يا عين مسعدةفإن قلبي لما تأتينه تبَع
ومنه:
وكانت الأرض لا تحوي محاسنهوقد حوى شخصَه اللحدُ الذي وضعوا
مَن لليتامى وأبناء السبيل وهمقد ارتوَوا من أياديه وقد شبعوا
بُعداً ليوم أتاه الموت فيه فمابه الذي بصر من بعدُ مطّلع
بكته شمس ضحاه واختفت جزعاًوألفيت تحت ستر الغيم تطلع
سعوا مشاةً وهم في الزي أغربةمسودّة من وراء النعش تتبع
ولم يكن لهمُ بالعيد من فرحولا لهم في التسلي بعده طمع
لو يُفتدى لافتدته من عشيرتهذوو الحفيظة والأنصارُ والشيع
لكنّ من غاله الموت المحتم لايفدى ولا من نيوب الخطب ينتزع
جاءت ملائكة الرضوان معلمةبأنّه بجنان الخلد مرتفع
وقد أعدت له أعماله غرفاًفيها لأنفس أهل الفضل مرتبع
الموت وِرد وكل الناس واردهوقد رأوه عياناً بعد ما سمعوا
ما بالهم شعروا بالموت أنهمسَفْر وهم لاقتناء الزاد ما شرعوا
نالوا مغبّة ما قد قدموه لهفعلا به حصدوا منه الذي زرعوا
يا فجعةً لم تدع في العيش من أربوغُصّةً في لَهاهُ ليس تبتلع
أضرمتِ ناراً على الأحشاء موصدةأكبادنا في لظى أنفاسها قطَع
ومنها:
بني لُبانة إنّ الله فضّلكمعلى الورى فبِكمْ في الدّهر يُنتفع
آراؤكم لذوي الإرشاد مرشدةوجودُكم لذوي الإكثار منتَجع
وقدركم قد سما عزاً مدى زحلٍوجاهكم في ذراه الخلق قد وقعوا
وقوله من قصيدة أخرى: استهلال:
شهابُ المنايا من سماء الردى انقضّاوركن المعالي والجلالِ قد انفضّا
ومنها:
بكتْه المذاكي المقربات وقطّعتشكائمها إذ منه أعدمت الركضا
مشت وهي بين الخيل أبرَرُها دماوأبرزها جسماً وأهزلها نحضا
وكادت سيوف الهند تندقّ حسرةوأجفانها تنشقّ عنها لكي تُنضى
وخطّ على الخطية الرزءُ أحرفاأرادت لها حِفظاً فحوّلها حفضا
وكادت تفانَى حوله كل جُنّةأسىً وتذوب البيض واللامة القضّا
شهدنا على قربٍ بمشهد موتهمشاهدَ لم تخط القيام والعرضا
ومنه:
أعاد سرورَ العيد حزناً مماتُهومُبرَمُ أمر فيه حوّله نقضا
فما أحد وافى المصلى ضحى ولادُجى أبصرت من همه عينه غمضا
ومنها:
ألا لم يمت من كان خلّف بعدهأخاه علياً إذ إليه العلا أفضى
أحبّ محب للفضائل كلهاوأفضل إنسان على كسبها حضا
ومنها:
تعزّوا فإن الموت حتم على الورىتوافي به الآجال في الوقت إذ يقضى
وكم إسوة في المصطفى وصحابهوقُدْماً قفا آثارَهم فقضى الفرضا
لقد مات فيه عدّة أيُّ عدةلنا فعدمنا كل عيش به يرضى
وأبصارُنا كانت تسامى له وقدغدا الكلّ منا طرفه اليوم قد غُضّا
وقد كان طرفي ليس يغضي على القذىفأضحى على أقذائه اليوم قد أغضى
فظُفر الجوى الباقي بقلبي ناشبوباب الأسى الملقى على مهجتي عضا
ومن شعره المودَع رسائله.
له في وصف كتاب:
تضوّع منه إذ فضضتُ ختامهنسيمُ فتيتِ المسك والعود والندّ
ونزّهت طرفي في حدائق أزهرتبها زهرة السوسان والآس والورد
بصفحة نور من نهار دجت بهاسطور ظلام حالك اللون مسودّ
وطالعت ألفاظاً يواقيت نُظّمتمع الجوهر المكنون والدرّ في عقد
يزيل الضنى عن ذي السّقام مرورُهابه بل تقيم الميت من رقدة اللّحد
ومنها:
مضمنة من علم أحواله الذييسرّ سرور الوصلِ في زمن الصدّ
وله صدر رسالة:
يا حالَ حالٍ بسقم النفس والجسدقد رُدّ عن ورد ماء الأمن والرّشَدِ
قد قيدته الليالي عن تصرفهالى النجاة بقيد الأهل والولد
ولو أمنتُ عليهم بعد منصرفيصرف الليالي لقوّت عزمتي جلدي
من بعدِ نعمةَ لم تنعم بلذّتهانفسي ولا بردت من لوعة كبدي
قد أسس البين عندي منزلي ولهٍفمهجتي للجوى والعين للسّهد
وأرّق البعد جفني ثم فرّقنيفالجسم في بلدٍ والروح في بلد
أخي ومولاي علّ الدهر يجمعنابمنزلٍ عن جميع الشرّ مبتعد
شوقي إلى لقائك شوق الظمئان الى الماء الزلال، وارتياحي الى ما يرد من تلقائك ارتياح السقيم الى الصحة والإبلال، وتلهفي على فراقك تلهف الحيران، وتأسفي على بعدك تأسف الولهان، لكنني إذا رجعت الى شاهد العقل، وعدلت الى طريق العدل، يمازج قلبي سروراً، ويخالط شوقي بهجة وحبوراً، بما ألهمك الله تعالى إليه من صفاء النية والإخلاص، والظفر بأمل النجاة والخلاص، وأتلو عند ذلك (يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً) ثم أرجع الى قول النبي ﷺ (الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن)، فأعلم أن الأمور كلها مقدرة، وأنه في اللوح مسطرة فأفزع الى الدعاء لمقدر الأمور، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أن يحسن لنا العقبى، ويقضي لنا بالحسنى، ويسبل علينا من العافية ستراً سابغاً ضافيا، ويوردنا من السلامة مورداً سائغاً صافيا، وأن يقرب بك الاجتماع، حيث يوجد الاستمتاع، بما تقرّ به الأعين وتلذّ الأسماع.
فصل من رسالة أخرى في العتب قد عاملني في مشاهد هذه الأيام، التي قمعت الخاص والعام، بأشياء لو جرت بيني وبينه على خلوة لعددتها من لذيذ الأنس، لكنها أتت في الملا بما آلم النفس، واحتملت ذلك منه رجاء أن يقلع عنه، فازداد لجاجة، وازددت حراجة، حتى استفحل الثُغاة عليّ بسبب ذلك المزاح، واستنسر البغاث إليّ وهزّ الجناح، ولو شئت حينئذ لعرفت كل واحد بما جهله من أبوّته وقيمته، وأعلمته بما لم يعلمه من خُلقه وشيمته:
فمن جهلت نفسُه قدرَهرأى غيرُه فيه ما لا يرى
لكنني أغضيت على موجع القذى، وصبرت على مفجع الأذى، وأعرضت عن أشياء لو شئت قلتُها. ولو قلته لم أبق للصلح موضعاً، وأنا أحرص على صحبته ممّن يرعاها حق رعايتها، وأروم حفظ ذلك بالمحافظة على ما سلف بيننا من المصافاة، والاعتداد بما له قبَلي من الحقوق المثبتة بخالص المؤاخاة، وأطرح ما أعاين من الزلات والهفوات، فأحب أن يحسن الظن بي، والذكر عني، فإن فعل ذلك فعل الأشكل به والأليق بأدبه، والأولى بجميل مذهبه، وقد أطفأت عن قلبي هذه المعاتبة ناراً موصدة، وبردت من صدري غلة موقدة.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع